2 أكتوبر 2024

هل تنجح "إسرائيل" في تغيير وجه المنطقة؟

هل تنجح "إسرائيل" في تغيير وجه المنطقة؟

"إيران قوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط"، صرّحت نائبة الرئيس الأميركي كمالا هاريس، بعد الهجوم الإيراني على "إسرائيل" في 1 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد صرّح قبلها بيومين: "نعمل على تغيير الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط كله"، وذلك بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. بينما نقلت صحيفة "إسرائيل هيوم" عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: "إن اغتيال نصر الله عمل يمكن أن يغير وجه الشرق الأوسط"، كما أطلق الجيش الإسرائيلي على عملية الاغتيال هذه تسمية: "ترتيب جديد".

تشعر "إسرائيل" هذه الأيام بنشوة لم تخبرها منذ زمن، وليس فقط منذ السابع من أكتوبر. ولذا، أخذتهم العجرفة إلى الحديث لا عن توجيه ضربة إلى بلد بعينه، بل عن توجيه ضربة تعيد ترتيب المنطقة كلّها، وتقدّم "شرق أوسط جديد"، على حد تعبيرهم، تأمن فيه "إسرائيل". ما هي ملامح هذا الترتيب الجديد الذي تزعمه "إسرائيل"؟ وكيف يبدو "الشرق الأوسط" اليوم؟ 

أولاً: المبالغة بالعنف

قبل أن يشرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في 1 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، في عمليته البريّة التي قال إنها ستكون "محدودة"، شنت "إسرائيل"، على مدار أسابيع، حرباً قاسية من الاغتيالات والهجمات الاستخبارية على حزب الله اللبناني.

في 30 تموز/ يوليو الماضي، نفذت القوات الجوية الإسرائيلية عملية اغتيال للقيادي العسكري رقم 1 في حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، فؤاد شكر. تبعها بيوم واحد فقط، اغتيال رئيس حركة حماس إسماعيل هنية، باستهداف الشقة التي نزل فيها في طهران.

حالة النشوة هذه، قادت لمزيدٍ من العربدة في المنطقة، ففي 17 - 18 أيلول/ سبتمبر الماضي، نفذت "إسرائيل" عملية نوعية ضد حزب الله بتفجير آلاف من أجهزة النداء (البيجر) والأجهزة اللاسلكية التي يستعملها كوادره، وقد راح ضحيتها العشرات من المدنيين والعسكريين على حد سواء.

لبناني يقف بالقرب من المباني التي قصفها الاحتلال في الضاحية الجنوبية في بيروت، حيث اغتيل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وعدد من قادة الحزب في 27 سبتمبر/أيلول 2024. (تصوير: حسام شبارو/الأناضول)

لم تكتفِ "إسرائيل" بذلك، بل لاحقت القيادات من الحزب أيضاً، فاغتالت بعدها بأيام في 20 أيلول/ سبتمبر، إبراهيم عقيل، الرجل الذي حل محل شكر في قيادة القوات التابعة لحزب الله، ومعه مجموعة من قيادات قوة الرضوان. بعدها بأسبوع فقط، تحديداً في 27 من الشهر نفسه، أنزل سلاح الجو الإسرائيلي 85 قنبلة خارقة للتحصينات على مقر حزب الله في الضاحية الجنوبية في بيروت، لتغتال بذلك الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، ومعه مجموعة من العناصر والقيادات، وعلى رأسهم القيادي العسكري الثالث في الحزب علي كركي، ونائب قائد عمليات الحرس الثوري عباس نيلفوروشان. 

وتبع ذلك، موجة من الاغتيالات للقيادات المختلفة في لبنان، مثل قائد حماس في لبنان فتح شريف، ومسؤول الدائرة العسكرية والأمنية في الجبهة الشعبية محمد عبد العال، والشيخ نبيل قاووق أحد قياديي حزب الله. 

ثانياً: الردع بالتهديد

دفعت هذه الجرائم "إسرائيل" لإلقاء تهديداتها يَمنةً ويَسرةً لكل من يحاول أذيتها، خصوصاً إيران، التي ما فتئ نتنياهو يهددها في كل فرصة، كان آخرها تصريحه بعد الهجوم الإيراني: "إيران ارتكبت خطأ كبيراً، وستدفع ثمنه"، وبينما يقول ذلك، كان إلى جانبه رئيس الموساد. أما وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت فقد قال: "إيران لم تتعلّم الدرس، ومن يهاجمنا سيدفع ثمناً باهظاً"، كما هددت دولة الاحتلال بقصف المنشآت العسكرية والنووية في إيران. 

وبينما كانت "إسرائيل" تستهدف قيادات الحزب في لبنان، فإنها كانت ترجو من ذلك أيضاً أن تردع إيران، وقد كانت تصريحات القيادة الإسرائيلية تشي بذلك، وتعوّل أيضاً على يدها الطولى بالاغتيالات. "لا يوجد مكان في إيران أو الشرق الأوسط لن تصل إليه أيدينا الطويلة"، هدّد نتنياهو

في الوقت نفسه، يسعى نتنياهو من مثل هذه التهديدات، إلى تشكيل تحالف مع دول المنطقة بالردع والتخويف، وكأنه يقول لهم: هذا مصير من يمتلك إرادة خارجة عن إرادتنا. وقد ساهم هذا التحالف في التصدي للصواريخ الإيرانية في نيسان/ أبريل الماضي، كما في هذا الشهر، وهو ما أعلن عن الأردن مثلاً. 

ثالثاً: اليمن

منذ الشهر الثاني لمعركة "طوفان الأقصى"، أعلنت القوات المسلحة اليمنية انضمامها للمعركة، وشنت حصاراً بحرياً على "إسرائيل"، مغلقة بوجهها بحر العرب والبحر الأحمر ومضيق باب المندب. وطيلة ذلك الوقت، لم تتحمل "إسرائيل" مسؤولية التصدي المباشر للهجمات اليمنية، بينما أخذت الولايات المتحدة ذلك على عاتقها، إذ أعلنت عن تحالف "حارس الازدهار" لمهاجمة اليمن.

سفينة الشحن "جالاكسي ليدر" الإسرائيلية التي يحتجزها اليمنيون قبالة ساحل الحديدة منذ نوفمبر 202، وذلك إسناداً لمعركة طوفان الأقصى. (تصوير: وكالة فرانس برس)

في صباح الجمعة 19 تموز/ يوليو الماضي، قطعت مسيرة "يافا" اليمنية 1800 كيلومتر، لتضرب هدفاً في قلب تل أبيب، معلنة فشل "حارس الازدهار" في إيقاف جبهة الإسناد اليمنية. ضربة هي الأولى من نوعها خلال طوفان الأقصى، لترد "إسرائيل" بعدها باستهداف ميناء الحديدة، في حدث أشبه بعرض عسكري لترسانة الطائرات والصواريخ التي تمتلكها. 

لم يرتدع اليمنيون، وعادوا مرة أخرى لضرب تل أبيب في 27 أيلول/ سبتمبر الماضي، لكن هذه المرة بصاروخ باليستي. وعلى إثر ذلك، نقل موقع واللا العبري عن الجيش الإسرائيلي تهديده: "سيأتي يوم الرد على الحوثيين". لاحقاً، قصفت "إسرائيل" ميناء الحديدة ومناطق يمنية أخرى رداً على الهجوم، وعلق رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هليفي على ذلك بالقول: "نعرف الوصول لأبعد من ذلك والاستهداف بدقّة"، فيما قال نتنياهو: "ضربنا الحوثيين في اليمن وجميعنا رأى الأهداف والثمن الذي يتكبده كل من يهاجموننا".

يمنيون يتفقدون الدمار في محطة كهرباء في ميناء مدينة الحديدة في اليمن، بعد أن قصفتها "إسرائيل" في 30 أيلول/ سبتمبر 2024. (تصوير: وكالة فرانس برس)

رابعاً: العراق وسوريا

في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، التحقت فصائل المقاومة العراقية بمعركة طوفان الأقصى، وركزت هجماتها على القواعد العسكرية الأميركية في سوريا والعراق، للضغط على الأميركيين لوقف الحرب في قطاع غزة. ومع استمرار المعركة، رفعت المقاومة العراقية من وتيرة استهدافاتها، لتشمل حيفا وتل أبيب وإيلات والجولان وطبريا وغيرها. 

تهاجم الولايات المتحدة من فترة إلى أخرى، أهداف تابعة للمقاومة العراقية، لكن بشكل محدود -حتى الآن على الأقل-، أما مع سلسلة التهديدات الإسرائيلية الأخيرة تبدو المنطقة ومن ضمنها العراق، أمام صراع قد يكون مباشراً مع "إسرائيل" فيما إذا اندلعت حرب شاملة. 

تصاعد الدخان بعد اندلاع حريق في 15 مكانًا شمال "إسرائيل" بسبب الصواريخ التي أطلقت من لبنان باتجاه مرتفعات الجولان، في 13 يونيو/حزيران 2024. (تصوير: مصطفى الخاروف/الأناضول)

أما سوريا، فمنذ بداية الحرب نأت بنفسها عن أي صراع، ولم يبد بشار الأسد أو حكومته أي موقف خاص بالحرب على قطاع غزة. كما أنها تعرضت وتتعرض بشكل شبه أسبوعي لهجمات متتالية من سلاح الجو الإسرائيلي، فمن ضرب السفارة الإيرانية في دمشق إلى استهداف فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية في سوريا، وقصف شاحنات الأسلحة المتجهة نحو لبنان؛ لم تأخذ سوريا في المعركة موقفاً جدياً منحازاً للمقاومة يجعلها إلى جانب قوى ما يُعرف بـ "محور المقاومة". 

في الوقت نفسه، خرجت من سوريا في بداية الحرب، قذائف هاون نحو هضبة الجولان المحتلة، دون أن يصدر أي تعليق من أي جهة سورية، وقد كانت هذه هي المرّة الأولى والأخيرة. فيما استقدم حزب الله 40 ألف مقاتل إلى الجولان، حسب تقرير لـ "هآرتس" الإسرائيلية، وذلك للمشاركة في الحرب. كما ذكرت بعض الأنباء، بعد اغتيال نصر الله، أخباراً لم تتأكد صحتها، تشير إلى أن النظام أغلق مكاتب التجنيد التابعة لحزب الله في سوريا.

خامساً: جنّة التطبيع مقابل جحيم المقاومة

قبل السابع من أكتوبر، كان الاحتلال قد أتم مجموعة من اتفاقيات التطبيع التي عرفت بـ "اتفاقات أبراهام"، والتي شملت الإمارات والبحرين والسودان والمغرب. وسعت "إسرائيل" خلال ذلك الوقت، إلى إنجاز اتفاق تاريخي مع السعودية، يُشرّع لها باب التطبيع مع الدول العربية والإسلامية على مصراعيه؛ اتفاقٌ عطّله طوفان الأقصى.

اليوم، وبعد مضي عام تقريباً على بدء المعركة، أعاد نتنياهو خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الحديث عن أحد أحلامه في المنطقة: "التطبيع بين السعودية وإسرائيل كان يبدو قريباً جداً العام الماضي، ثم جاء السابع من أكتوبر"، ثمّ أكمل: "السلام مع السعودية سيحول الشرق الأوسط إلى جنة". 

أما ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، فيبدو أنه يتحيّن الفرصة المناسبة لإبرام الاتفاق، منتظراً ما ستؤول إليه الحرب. غير أنه أرسل تطميناته لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في حوار نقلته صحيفة "ذا أتلانتيك" بأنه: "لا يهتم شخصياً بالقضية الفلسطينية، ولكن شعبه يهتم بها"، فيما ذكرت مصادر للصحيفة ذاتها، بأن المملكة تسعى للدخول في معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة مقابل اتفاق التطبيع مع "إسرائيل".

ولكن، لصالح من؟

يبدو أن الحرب الشاملة اليوم قاب قوسين أو أدنى، إذ تسعى "إسرائيل" لبناء "شرق أوسط جديد" تسيطر فيه وحدها، لتكون درة تاج التحالف الأميركي في المنطقة. أميركا التي ما تزال تنشر آلاف الجنود في الشرق الأوسط، وتستقدم حاملات الطائرات من كل مكان في العالم، والتي كان آخرها إبحار حاملة الطائرات "يو اس اس ترومان" نحو شرق المتوسط في 20 أيلول/ سبتمبر الماضي، من أجل العيون الزرقاء لـ "إسرائيل".

ربما كانت الضربات القوية والسريعة والمتتابعة، التي وجهتها "إسرائيل" لحزب الله أمام ناظري المنطقة، قد جعلت نتنياهو ومن معه يتمايلون سُكراً من هذه النجاحات التكتيكية. ولعل عرّابو الصهيونية الدينية أيضاً، رأوا في ذلك فرصة لتحقيق هدفهم التاريخي بالوصول إلى "إسرائيل الكبرى"، عبر استعادة "هيبة الردع"، محاولة كسر المقاومة واستكمال مشاريع التطبيع، للاندماج في المنطقة بعد أن تهيمن عليها. 

مما لا شك فيه، أن وجه المنطقة آخذ بالتغيّر، فمنذ السابع من أكتوبر وجديد ما -لا نعرفه على وجه الدقة- يتشكّل. يبقى السؤال: لصالح من سيكون هذا التغيّر؟ هل هو لـ "إسرائيل" كما تزعم أم أن في غطرسة الدولة الطارئة سيكون حتفها؟