20 نوفمبر 2019

هل تؤمنون بدين الـ"فيسبوك"؟

هل تؤمنون بدين الـ"فيسبوك"؟

What's on your mind؟.. ما الذي يدور في ذهنك؟

يبدو سؤالاً بريئاً، يخاطبنا بشكلٍ شخصيٍّ ونأخذهُ على محمل الجدّ. ندوس على لوحة المفاتيح أملاً ببعض التعليقات التي نأخذها هي أيضاً على محمل الجدّ. ثم مُنحنا إلى جانب التعليقات إمكانيّة الـ"Like" والـ"Share"، بعد أن أدرك "فيسبوك" أننا لن نكتفي بالثرثرة دون أن نتأكد أنّ الآخرين يستمعون إلينا، بل ويتفاعلون بما يكفي من مشاعر الفرح والغضب أو حتى البكاء.

نستيقظ مُمْسِكين هواتِفَنا لنبدأ متابعةَ من نعرفهم ومن لا نعرفهم. نتفاعل أحياناً ونصمت غالباً. خلال اليوم، يغرينا ذلك الجهازُ مراراً للتحديق به. وتُدَاهِمنا سلسلةٌ من الإعلانات التجاريّة، ومن المُحتَمل جداً أن نقع أيضاً على نماذج لقصصٍ شخصيّةٍ بعضها يحاكينا بشكلٍ خاصّ؛ هذا وائل غنيم يحلق شعر رأسه وحواجبه مُعلِناً "أنا مسامح نفسي"، وهذه رهف القنون من السعوديّة تناشد الأمم المتّحدة لحمايتها بعد أن أعلنت إلحادها عبر "تويتر"، وذاك حافظ محروم في فلسطين يقدّم هويّته الجندريّة متبنياً على لسانه الأحاديث الشعبيّة التي تتبادلها  النساء، رافعاً شعار "المنكسرون هم الأكثر تطوّراً".

وعندما تأكلنا الوحدةُ والصّمت، عندما تُرهِقُنا الحقيقةُ، يظهر السّؤالُ مُجدّداً: "What's on your mind?" ونشعر، لسببٍ ما، أننا نمتلك أيضاً قصةً تستحق المشاركة، معتقدين أنّ المشاركة الصّادقة ستكشف عن جوهرٍ مختبئٍ في أنفسنا، نُعلِنُه أمام الآخرين: هذا أنا، وهذه حقيقتي. 

العبور الرقميّ

قبل هذا التّطور الحاصل في عالم التّكنولوجيا اليوم، طوّر الإنسان عبر التاّريخ وسائل تسمحُ له بتنفيذ مجموعةٍ من العمليّات التحوّليّة، بمعنى التقنيّات التي تحوّله من إنسانيّته الفانية إلى حلم الخلود والأبديّة، وبهذا تُحقِّقُ له نوعاً من السّعادة والكمال. يسمّي الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو هذه الوسائل التي طوّرها الإنسان "تكنولوجيا الذات"، وتساعد هذه الوسائل الفرد على اكتشاف ذاته وفهمها بعمق. واحدة من هذه الوسائل هي عمليّة الكتابة. إذ يرى فوكو أنّ الكتابةَ تندرجُ ضمنَ "تكنولوجيا الذات" التي طوّرها الإنسانُ لِـتُساعدَه على فهم ذاته والعناية بها وتخليدها منذ أن ظهرت اعترافات في رسائل الفلاسفة الإغريق والرومان.

منذ اتّصل الإنسان بالإنترنت لأوّل مرةٍ في ثمانينيّات القرن الماضي، بدأ بإدراك إمكانيّة أن يتحقق حلمُ الخلود من خلال العبور الرقميّ من الإنسانيّة إلى الإلهيّة – الكتابة الرقميّة بدلاً من الكتابة الماديّة. وَثِق الإنسانُ بشبكة الإنترنت وقدّم لها بشكلٍ مكثفٍ كلَّ ما يملك من معرفةٍ ووعي وتجارب. تدفعك منصّات الانترنت للتفكير فيما يحاكي خيالاتك وأمنياتك غير الممكن تحقّقها في أغلب الأحيان. تخاطِبُكَ بشكلٍ فرديٍّ وتهتم بقصتك أنت، حيث بإمكانك التعبير عنها بنسختها المُفضّلة لديك. هكذا يحوّل الإنسانُ ذاتَه إلى أرقامٍ خالدةٍ لا تهرم، ويُمارسُ طقسَ عبورٍ يوميّ نحو الأبديّة. لم يشهد فوكو ما حدث من تطورٍ لشبكات الاتصال وما طوّره الإنسان من تقنياتٍ لكشف الحقيقة وفهم الذات، لكنّ تقنيّة الكتابة التي أرّخ لها تحت مفهوم "تكنولوجيا الذات" أصبحت في أيّامنا تمريناً شبه يوميّ لملايين الناس. حتّى وإن اقتصرت الكتابة على 280 حرفاً، فإنّها لا تزال كافية لتجعلنا نُردد: "أنا أغرِّد، إذاً أنا موجود".

يتساءل فلاسفةُ الأديان إن كنا نشهدُ عودةَ السَّحرِ من خلال عالم البرمجة والأجهزة الذكيّة، إذ يبدو العالمُ الرقميّ سحراً انقلب على السّاحر، كما يعترف بعضُ المُبرمِجين بعجزهم عن الإحاطة بمنطقه المتكامل، فكأنّ له روحه وعقله الخاصّ. يجعل ذلك من الحاسوب "جهازاً ميتافيزيقيّاً"، ومصدراً خارجيّاً للوجود والخلود، ويجعله يترك أثراً عميقاً في إدراكنا لذواتنا وتصوّراتنا عن أنفسنا.

طقس الاعتراف: أن نبثّ ذاتنا الأصيلة


"تكنولوجيا الذات" الرقميّة توفّر أدواتٍ للإنسان كي يُعيدَ تشكيلَ ذاتِه. إنّها تخلق فرصةً وأداةً للتعبير عن الذات بشكلٍ علنيٍّ، وتنظيمها من خلال شبكةٍ عريضةٍ من العلاقات مع الذوات الأخرى. تُـتـرجِمُ "تكنولوجيا الذات" وجودَ الإنسان إلى رموز تتواصل وتشتبك مع الآخرين. هذا طقس اعترافيّ، يبثّ فيه الإنسانُ ذاته رقميّاً ويكشفها أمام الآخرين. تتمحور طقوسُ الاعتراف حول كشف "الذات الأصيلة"؛ كشف الحقيقة. ويُعرَّف الإنسان "الأصيل" أو "الحقيقي" باعتباره باحثاً عن الحريّة، ذلك الشخص الذي يتجاوز معيقات الموروث والمجتمع حتّى يعود إلى "جوهره"، ويختار قيمه، ويكون قادراً على إخضاع ذاته لهذه القيم.

لهذا السبب، يقوم الاعتراف على الضمير الشخصيّ، وأن يكون القرار قراره الفرديّ، فيكشف الحقيقة ويرفض أن يقدّم الآخرون حكماً أخلاقيّاً على تجربته الخاصّة. تقدِّم وسائل التواصل الاجتماعي لكلّ فرد منبراً لهذا الاعتراف، إذ يشهد الآخرون على الحقيقة المتمثلة بالقصة أو التجربة الشخصيّة. ولأنّ أصالته ترتبط بأن يكون "حرّاً" وألا يخضع لحكم الآخرين على تجربته، تقدِّم تلك المنصات سلطةً إضافيّةً للمُعتَرِف من خلال خاصية الحجب أو الـ "بلوك" في حال تم الحكم عليه بشكلٍ لا يرضيه.

ومن جهةٍ أخرى، وبالرغم من خصوصية طقس الاعتراف واستحواذ الفرد على التجربة، إلا أنه لا يتم إلا من خلال ذوات أخرى وإن كانت متخيلة أو مجرد أرقام (أصدقاء، أو حتّى حسابات مزيّفة، أو مجرّد أرقامٍ على عدّاد المشاهدات). يحتاج الاعتراف، وبثّ الذات، إلى مؤمنين يشهدون ويؤمنون بالعبور والتحوّل، إلى شهودٍ على ما كُشِف، يُصدّقون ما قدّمه المُعتَرِف، ويصبحون أتباعاً له (followers، ربّما) يؤكّدون على تلك الحقيقة ويساهمون في نشرها.

المنصّة الالكترونيّة.. حيث نؤدّي بطولة متخيّلة

تُقدّمُ لنا وسائل التواصل الاجتماعيّ إمكانيّة بثّ ذواتنا من خلال حساباتٍ شخصيّةٍ نراها تعبيراً حقيقياً عن الذات. تصبح الصّورة الشخصيّة لهذا الحساب أو القصة التي تُعرَض للحظات ثمّ تختفي، شكلاً من أشكال انعكاس الحقيقة والتي قلّما ننتبه أنّها حقيقة مجتزأة. يختار البعض الظهورَ والانكشاف، بينما لا يعتبر كثيرون ذلك خياراً وإنما واقعاً يجذبهم كما تجذبنا المرآة لنحدّق فيها. أما شاشة الجهاز الالكترونيّ، ومنصّة الـ"سوشال ميديا"، فهي مرآة غير خاضعة للزمن ولا لمحدوديّة الجسد إذ أنها تقدّم فرصاً لا نهائية لخلق ذواتٍ مُتعددة قادرة على الاختفاء والظهور متى رغب الإنسان بذلك. سيكون من السّهل علينا عندما نشعر أنّنا عالقون في صورةٍ ما لا تعجبنا أن نُبدّلها بأخرى أكثر قرباً لحقيقتنا المتخيّلة، فكلُّ ما علينا فعله هو تغيير صورة الـ"بروفايل"، أو تعطيل حسابٍ وفتح حسابٍ آخر بصورة جديدة وأصدقاء جدد...

تكشِفُ لنا طقوسُ الاعتراف عن حاجةٍ لدى الفرد للكشف عمّا يُعبِّر عن ذاته كما يتخيّلها؛ الذات التي يطمح بالوصول إليها أو السّيطرة عليها. هذا يعني أن صورةً ومنشوراً قد يعبّروا عن الذات النموذجيّة التي يريدها صاحبها أكثر من كونهم يعبّرون عن واقعه المحض. إذ تقوم عملية إعادة تشكيل الإنسان لذاته على فصلٍ مستمرٍ بين الشخص "الذي كان" والذي "يريده أن يكون"، ولذلك سنجد أن الاعتراف قد يحتاج إلى إخفاء أو حذف لذات "زائفة" سعياً لتطهير النفس.

لنأخذ مثالاً متكرراً عبر منصات التواصل لفتاة تقرر خلعَ الحجاب فتقوم بحذف كلّ صورةٍ لها قبل تلك اللحظة، اعتقاداً منها أن ما يظهر على الشاشة هو تعبيرٌ عن حقيقتها. هذا الفعل (اللا-إرادي غالباً) يخبرنا عن رغبة ما للتطهر أو الكفارة من خلال محاولة التخلص من الماضي أو الذات "الزائفة" عن طريق قتلها رمزيّاً، وبالتالي حذفها ضمن عمليّة الكتابة.

تستمر خيالاتنا في ملاحقة الصورة النموذجيّة للذات، وذلك بدلاً من عمليّة "فهم الذات" البطيئة التي تعتمد على التأمّل والتذكّر، على الاتصال مع الماضي، لا القطيعة والتنصّل منه من أجل إنتاج صورة فاضلة عن الذات. فهذه الذات هي مجموع ما تراكم من تجاربنا، ولا يمكننا التعامل معها كموضوع "object" باستطاعتنا حذفه والتنكر له بكبسة زر.

 كيف يولد الإنفلونسر؟

لا يُمكن في سياق الحديث عن طقس الاعتراف أن نتجاهل البُعد المسيحيّ؛ مثّل الاعتراف في المسيحيّة نظاماً للضبط والانتظام يتم من خلال قدرة الفرد على الجهر بالحقيقة المخفيّة، والتي يتسبب ظهورها بألم نفسيّ وأحياناً جسديّ للتطهّر من الرذيلة. ارتبط هذا الشّكل من الاعتراف بخضوع الفرد لسلطة شرعيّة متمثلة بالراهب الذي يُقدّم له الاعتراف في الكنيسة. مع ظهور البروتستانتيّة، هُمّش دور الراهب، وبات يُنظَرُ للاعتراف باعتباره علاقةً خاصّةً بين الإنسان والإله. أما في العصر الحديث، ومع تعزّز الفردانيّة والتأكيد على ديمقراطيّة الخلاص، أصبح الاعترافُ رمزاً يدل على الصّدق والتوبة، وارتبط الخلاص بقدرة الفرد على إخبار الحقيقة عن نفسه بشكلٍ علنيّ، وأن يكون "كاملاً مع نفسه" أمام الناس.

تُحيلُ "تكنولوجيا الذات" الرقميّة إلى المبدأ المسيحيّ القائم على الإفصاح والمكاشفة، واعتبار كلّ ما هو مخفيّ شكلاً من أشكال الرذيلة. أما في العالم الرقميّ، فليس هناك ما يفرض على الإنسان اعترافه سوى ضميره الشخصيّ وحسّه الأخلاقيّ وشجاعته في مواجهة الآخرين وأحكامهم. قد يلجأ البعض إلى مشاركة آلام الاعتراف أو التعبير عن مظاهر الإذلال أمام الشاشة، ومواجهة تعليقات الآخرين وحكمهم وهجومهم العنيف. وقد يفضّل الإنسان أن يعترف أمام جمهورٍ ضيّق فيستخدم خيار الخصوصيّة "للأصدقاء"، ولكنه يعي أنّ الاعتراف، كلّما كان أكثر علانيّةً ومواجهةً، كلّما زاد احتمال أن تتحقّق ذاته، وكلما زاد "الشهود" زاد الاعتراف به، واتّسع عبوره الرقميّ.

شاركتْ شبكاتُ التواصل في إعلاء قيمة الفرد ودمجه في السّوق ليصبح "بثُّ الذات" وتسويقها مطلباً يتم تحقيقه عن طريق مشاركة الأفراد لحياتهم الشخصيّة، وهو ما جعل الذات تتحوّل إلى علامةٍ تجاريّةٍ. ومن خلال أصغر التفاصيل، استطاعت مواقع التواصل الاجتماعيّ مخاطبة حلم الأصالة لدى الإنسان، كإضافة خاصية "الصّح الأزرق" بجانب أسماء المستخدمين الذين استطاعوا الحصول على عددٍ كافٍ من المتابعين لإثبات أصالة حساباتهم الشخصيّة. لن تحصل بسهولة على إشارة اعتراف كهذه طبعاً، خاصة إن كان حسابُك غير عامٍّ أو كنت بعيداً عن حفلة التسوق التي يتقنها مشاهير الـ"سوشال ميديا". هنا يظهر بوضوح كيف يتحوّل الاعتراف إلى أداة سلطة لكسب مزيد من التسويق والأرباح.

يفهم مشاهير الـ"سوشال ميديا" أو أكثرهم "تأثيراً" سلطةَ الاعتراف وأهمية الذات "الحقيقيّة" لكسب ثقة الجمهور. لذلك تبدأ قصصُ كثيرٍ من هؤلاء عن طريق اعترافٍ صادمٍ أو قصةٍ شخصيّةٍ مؤثرة، وأحياناً وعن طريق الخطأ، يشتهر أحدُهم لظهوره على الشّاشة بشكلٍ عفويٍّ أو "على طبيعته" كما يقولون. يحوّل الجمهور المتعطش للحقيقة تلك القصص وأصحابَها إلى رموزٍ "مقدسة" ما دامت تُعبِّـرُ عمّا يرغبون ويحلمون به. في المقابل، تُقدِّم تلك الرموزُ لجمهورها ما يطلبُ سماعه أو مشاهدته حتى يفقد إرادتَه ويتحوّل إلى مستهلكٍ مُحبٍّ للحقيقة غير قادر على الاقتراب منها.

الدين الخفي

ظهرت خلال القرن المنصرم، في الولايات المتحّدة خاصّةً، أديان وكنائس جديدة تُسمّى "أديان العصر الحديث" (New Age)، وقد ظهرت مشبعةً بخصائص الدولة الأميركيّة وثقافة مجتمعها. أظهرت هذه الأديان النموَ الروحانيَّ مرتبطاً بما يُسمّى "تحقيق الذات" وتبجيل التجربة الفرديّة والتعبير عن عمقها. وتنتمي هذه الأديان الحديثة إلى ثقافةٍ تشجّع الإلهام الفرديّ الذي يسعى بالإنسان لبلوغ مراتب النبوّة المعاصرة.

لا تنحبس هذه الأديان الجديدة التي أنتجها عصرُ ما بعد الحداثة في الكنائس الأميركيّة فحسب، إنّما تتسلّلُ أفكارُها وقيمها ورؤيتها عبر التقنيّات الرقميّة وتتجذّر في وعينا من خلال علاقة الفرد الخاصّة بالشاشة ومحاكاة واقعه. إن ما نشاهده عبر الشاشة، وما نعيشه في العالم الرقميّ، ليس ظاهرةً منبثقةً من العدم، بل نحن أمام تمظهرات لأديانٍ تشكلت عبر تاريخ من التحولات في العالم الغربي حتى وصلتنا بنسختها الإلكترونيّة.

وكأيّ ظاهرةٍ دينيّةٍ يتمُ تقصيها ونقدها أو تقديرها، نحن بحاجة إلى التمعن في شاشاتنا لنفهم سبب هذا التفاعل المتزايد معها. وربما استطعنا تفسير كمية الاعترافات الجماعيّة والتي تلحقها سلسلةٌ من التعنيف النفسيّ والشّعور الدائم بتأنيب الذات نحو ما يتم حجبه أمام الشاشة. وربما استطعنا أن نفهم أيضاً ما تقوم به مؤسسات التكنولوجيا الرقميّة من استغلالٍ لاعترافاتِنا التي نُقدِّمُها كلَّ يومٍ وكلَّ لحظةٍ مُتناسين أو غافلين عن واقعٍ فيه من يوسّع نفوذه بالسيطرة والقمع.  



5 فبراير 2019
حكاية الدّم والدّمع

ستة شهور من مطلع كانون أول 1947 إلى أيار 1948 وعين الزيتون أو الزتون كما ينطق أهلها، لا زائر لها…

4 أبريل 2019
لماذا كان ماركس على حقّ؟ 10 أجوبة

لماذا لا تزال الماركسية صالحة لفهم عالمنا المعاصر، على الرغم من التغيرات التي طرأت عليه؟ تيري إيغلتون يقدم محاولة للإجابة...…