29 أبريل 2020

"كورونا".. أين اختفى الاحتلال الإسرائيلي؟

"كورونا".. أين اختفى الاحتلال الإسرائيلي؟

كُتبت آلاف التحليلات عن معنى "الحكم الذاتي" تحت الاحتلال، وعن وظيفة السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة ودورها في تخفيف الأعباء عن "إسرائيل". لكنّ الحقيقة الماثلة اليوم أمامنا أوضح وأبلغ من أي تحليلٍ كان: أزمة "كورونا" هي نموذجٌ مكثّفٌ وصارخٌ لمعنى الوكالة الإداريّة التي يحبّون تسميتها "دولة فلسطين". نشهد مهرجاناً سلطويّاً هائجاً في الضفّة الغربيّة. أرخت السلطة الفلسطينيّة كلّ ثقلها فوق أرضٍ خائفةٍ من الوباء. واستغلّت الفرصة التاريخيّة لتجذير وكالتها وللترافع عن ادعاءات الشرعيّة والجدارة.

في المقابل، يختفي الاحتلال من الحياة الفلسطينيّة ومن الخطاب الاجتماعيّ والسياسيّ للفلسطينيين، وتتحوّل منظّمة تحرير فلسطين منظّمةً لتحرير "إسرائيل" من مسؤوليّاتها كقوّةٍ استعماريّة، بينما يواصل أصغر ضابط مخابرات إسرائيليّ تحكّمه بأكبر وزير فلسطينيّ يطل مزهواً بالإيجاز اليوميّ. لقد وصلنا إلى حالةٍ يتحوّل فيها أسخف التزام إسرائيليّ بأبسط مسؤوليّة يفرضها العُرف الدوليّ وقوانين الحرب إلى مكرمةٍ إنسانيّةٍ تُشكر عليها، وتكسب منها نقاطاً سياسيّة وإعلاميّة تُكرِّس وتعمِّق نفوذها وتستغلها لابتزازنا سياسيّاً.

اقرأ/ي المزيد: "ما المفزع أكثر من "كورونا""؟

الوقائع الغريبة في اختفاء الاحتلال الإسرائيليّ الملقّب بـ "جيراننا"

في ظلّ الوباء، ينحصر ذكر "إسرائيل" في خطاب السلطة الفلسطينيّة في مواضيع عينيّة محدّدة، تلك المرتبطة بالمناطق الجغرافيّة التي تعتبرها السّلطة جزءاً من "إسرائيل". أي أن مسؤوليّة "إسرائيل"، بحسب السّلطة، تقع على الفلسطينيّ المتواجد "هناك"؛ أو الأسرى، أو العمّال في الداخل، أو أهالي القدس.

لم يتجاوز التطرّق لقضيّة الأسرى في خطاب السّلطة تلك الشعارات المعتادة وغير الجديّة التي تطالب بإطلاق سراحهم وتحمّل "إسرائيل" المسؤولية عن حياتهم. في المقابل، وفي ظل تعتيمٍ على الوقائع الجارية في السجون، تغيب عن المشهد أي متابعةٍ جديّة لظروفهم، وبالطبع لم تُفصَّل أي خطوات ستُتخذ للضغط على "إسرائيل" لحمايتهم. ولا بد من التذكّر أنّ الإهمال الطبيّ للأسرى والأوضاع المزرية للمنشآت الطبيّة في السجون هو ملفّ ضخمٌ وقضيّةٌ ملحّةٌ منذ سنوات طويلة، ومن شأنها أن تُعالَج بجديةٍ أعلى خاصّةً على ضوء التنبّه العالميّ للمسائل الصحيّة.

أما بخصوص عمّال الداخل، ورغم كونها مسألة استغلالٍ إسرائيليّ صارخٍ وتهديد لصحّة وسلامة أهلنا وشبابنا، فقد وجّهت السّلطةُ سهامَها نحو العمّال أنفسهم لا نحو "إسرائيل". ذلك رغم أنّ المخططات الاستغلاليّة لإبقاء العمّال في الداخل لاستمرار مشاريع البناء الإسرائيليّة بدأت أصلاً بالاتفاق بين "إسرائيل" والسّلطة. وبينما سمعنا رئيس الوزراء محمد اشتية يقول إنّ السلطة "طلبت" من "إسرائيل" إجراء فحوصات للعمّال قبل عودتهم (وهو ما لم يحصل)، و"طلبت" من "إسرائيل" تعويضهم عن أيّام الغياب (وهو ما لن يحصل)، سمعناه يتوعّد العمّال بالملاحقة القانونيّة، ودعا القوى الأمنيّة بل وشبيبة "فتح" وأهالي القرى "بمراقبة" العمّال لفرض الحجر. أما بشأن ترك العمّال المرضى على قارعة الطريق، فقد حمّل اشتيّة المسؤوليّة "لبعض المشغّلين الإسرائيليين" فحسب، رغم أنَ قواتٍ أمنيّةً إسرائيليّةً هي التي نفّذت هذه البشاعات. ثم تطوّع اشتية ليُطمئننا بأن العمّال في الداخل عادوا إلى الضفّة مع كافّة مستحقّاتهم، رغم وجود شهادات عن استغلال العمّال وسرقة رواتبهم.

اقرأ/ي المزيد: "سرقة الراتب ومصادرة الهويّة.. قصة عامل لبّى نداء السّلطة".

أما في مسألة القدس فيبدو توجّه السلطة شديد الارتباك، كأنّها لم تُحدِّد حتّى الآن تعريفاً للقدس في قاموس "دولة فلسطين". على مستوى الشِّعار الوطنيّ الفضفاض: القدس والضفّة وغزّة والشتات شعب واحد. أما على مستوى المسؤوليّة الفعليّة فالقدس لا تزال هامشاً ضبابيّاً لا إجابات حول التعامل معه، ولا متابعة حثيثة لشأنه الصحيّ. 

من جهة، وعدت السّلطة بأن تُخصّص الموارد اللازمة للقدس مثل غيرها من المحافظات. من جهةٍ أخرى، وفي المؤتمر الصحفيّ يوم 3 إبريل/نيسان، تهرّب اشتية من سؤالٍ صحافيّ حول دعم السُّلطة لمستشفيات المدينة التي ينقصها – بحسب وليد نمّور، أمين سر شبكة مستشفيات القدس- 7 ملايين دولار لتلبية الحدّ الأدنى من احتياجات مواجهة الوباء. تهرّب اشتية من السؤال، وظهر بعد نحو ثلاثة أسابيع أنّ مساهمة السُّلطة اقتصرت على التواصل مع الاتحاد الأوروبيّ لتقديم منحة لمستشفيات القدس. وقد أكّد نمّور أنها منحة مخصصة لسدِّ ديون متراكمة على المستشفيات ولن تسد أي من الحاجات الطارئة، فيما تبرّعت دول أجنبيّة بأقلّ من نصف المبلغ المطلوب.

اقرأ/ي المزيد: "القدس في زمن "كورونا"".

المُلفت هُنا أن اشتية استهلّ تطرّقه للقدس مُذَكِّراً بالدور الذي يجب أن تأخذه "إسرائيل" "كقوّة احتلال" هناك، إذ طالبها بتحمّل مسؤوليّاتها اتجاه المقدسيين. فما معنى ذلك؟ لماذا تتحمّل "إسرائيل" مسؤوليّاتِها كقوّة احتلال في القدس ولا تتحمّلها في الخليل أو بيت لحم؟ والعكس صحيح، لماذا لا تتعامل السُّلطة مع القدس بذات التعليمات الدقيقة والمتابعة الحثيثة في المؤتمرات الصحافيّة والبيانات الوزاريّة والقرارات حالها كحال الضفّة؟ أين يبدأ الاحتلال وأين ينتهي؟ أين تبدأ "دولة فلسطين" وأين تنتهي؟ "إسرائيل" وحدها تُقرر، بموجب مصالحها الأمنيّة والماليّة وما تقتضيه صحّة ورفاهية المجتمع الإسرائيليّ. تُقرر متى تُحرّك قوى "الأمن الوطنيّ" من أريحا إلى كفر عقب، ومتى تعتقل محافظ القدس بسبب توزيع طرود غذائيّة. وفيما تلعب "إسرائيل" بحدود المسؤوليّة على حساباتِها، تراوح السُّلطةُ الفلسطينيّة بين خيارات البهلوانيّة اللغويّة يميناً ويساراً، دون أي تحدٍ للهيمنة الإسرائيليّة، ودون أي رجاءٍ فعليّ غير رضى الاحتلال.

هل تتستّر السّلطة على ممارسات الاحتلال؟

في "المهرجان" الذي تُديره السّلطة في الضفّة الغربيّة ما يتعدّى امتناعها عن تحميل "إسرائيل" مسؤوليّةً مباشرةً عن أوضاع الفلسطينيّين الصحيّة والاقتصاديّة. ففي مفاخرة السّلطة "بإدارة الأزمة" جوانب كثيرة تتستّر على السياسات الإسرائيليّة وتمنع الفلسطينيّين حتّى من معرفة ما تمارسه "إسرائيل" بحقِّنا في هذه الفترة الحرجة. أي أنّ ظهور الحكومة الفلسطينيّة بمظهر المُسيطر الأوّل والأخير هو ستارٌ يخفي حقيقةَ الممارسات الاستعماريّة الإسرائيليّة الضاربة في عمق الأزمة.

وبينما يتلو ممثلو السّلطة شعاراتِهم المُكرّرة عن ممارسات الاحتلال "التقليديّة"، من اقتلاعٍ للزيتون وهدمٍ للبيوت،  نقف أمام إدارة استعماريّة عنيفة وبشعة لهذه الأزمة الإنسانيّة، تتداخل فيها حساباتُ القمع بحسابات الصحّة إلى أبعد حدود. تُدير "إسرائيل" أزمة الوباء بحساباتٍ تعتمد مبدأين؛ أولهما حماية اليهود وتوفير أفضل ظروف صحّة وعلاج ممكنة من خلال أقصى عزل ممكن للفلسطينيين. وثانيهما تطوير إمكانيّات السيطرة على الفلسطينيّين في واقع ما بعد "كورونا".

تُدير السّلطة تنسيقاً شاملاً وعلى مدار السّاعة مع الإسرائيليين. عماده الأساسيّ التنسيق بين الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة وأذرع الاحتلال الإسرائيليّ، ومن ثم قنوات تنسيقٍ طبيّة ومدنيّة. ورغم إعلان هذا التنسيق على رؤوس الأشهاد، إلا أنّ تعتيماً شديداً يُطبَّق على محتوى هذا التنسيق وطبيعة التوصيات الإسرائيليّة للفلسطينيّين. وقد أكّدت مصادر في منظّمات حقوقيّة بأنّ طرفي التنسيق يحافظان على تكتمٍ شديدٍ حول طبيعة النقاشات الجارية أو ديناميكيّة اتّخاذ القرارات ضمن أطر التنسيق هذه.

معنى ذلك أنّنا لا نعرف الإجابةَ على أسئلة كثيرة: هل القرارات التي تُجاهر بها السّلطة الفلسطينيّة هي قرارات اتُخذت تحت ضغطٍ إسرائيليّ وتنفيذاً لأوامر الاحتلال؟ هل فرضت "إسرائيل" قراراتِها على السُّلطة من خلال ابتزازها بضعف القدرات الطبيّة؟ أو ابتزازها بأموال المقاصّة؟ أم أنّ قرارات السّلطة نابعة مثلاً من توصيات "اللجنة الوطنيّة الفلسطينيّة العلميّة" التابعة لوزارة الصحّة؟ تزدادُ هذه الأسئلة إلحاحاً على ضوء ما أفادت به مصادر مقرّبة من الحكومة حول إصرار الأجهزة الأمنيّة (وهي الجهة الأشدّ تنسيقاً مع "إسرائيل") على مواصلة الإجراءات المشدّدة في مقابل توجّه وزارتيّ الصحّة والماليّة نحو تخفيف التقييدات منذ الأسبوع الأوّل من شهر أبريل/نيسان.

تقييد حركة الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة بأقسى وأعنف التقييدات يخدم مساعي الاحتلال، ويحقق له مصلحتين مباشرتين: أولاً يتيح تقليص انتشار العدوى في الضفّة الغربيّة إلى نسبٍ صفريّة، وهو ما يمكّن "إسرائيل" من تجاوز الأزمة داخل مجتمعها دون أي ضغوطات إضافيّة على جهازها الطبيّ ومخازنه، وتكون كامل طاقتها العلاجيّة مخصّصة لليهود الإسرائيليين. وذلك دون أي مجازفةٍ في أن تضطر إلى تحمّل مسؤوليّاتها في حال تدهور الوضع الفلسطينيّ، مما سيدفعها حتماً إلى "ضم الضفّة الغربيّة طبيّاً"، كما جاء على لسان مصدرٍ في وزارة الصحّة الإسرائيليّة في الصحافة العبريّة. أما على المدى الأبعد، فإنّ استمرار التقييدات في الضفّة الغربيّة أدّى ويؤدي إلى تدهور الأوضاع الاقتصاديّة دون القاع، ما سيقوّي موقف "إسرائيل" أولاً في الابتزاز الماليّ للسلطة، وثانياً في مساعيها لخلق روابط اقتصاديّة مباشرة بينها وبين شرائح فلسطينيّة مختلفة.

على هذه الأرضيّة، طبّقت السّلطة الفلسطينيّة تقييدات شديدة. ولا شك أبداً أنّ هذه التقييدات، وخاصةً مدة استمرارها، غير متناسب البتة مع نسب انتشار المرض في الضفّة الغربيّة، خاصةً ونحن على عتبة تقييدات جديّة أخرى لشهرٍ آخر على الأقل. كيف نُفسّر أن التقييدات الإسرائيليّة ظلّت أخف وطأةً من الضفّة، وبدأت تخف تدريجياً قبل تقييدات السلطة، رغم أنّ نسبة الإصابات بين السكّان في "إسرائيل" أكثر بـ15 ضعفاً من النسبة في الضفّة الغربيّة؟ وكيف تُفسّر السّلطة فرض حظر التجوّل وإغلاق المحلّات في محافظات كاملة ليس فيها أكثر من إصابة واحدة فقط لا غير، مثل أريحا أو سلفيت؟  

اقرأ/ي المزيد: "هل منع التجوّل هو الحلّ لمواجهة "كورونا"؟"

أخبار لن نسمعها في الإيجاز اليوميّ

لسنا بصدد تنبؤاتٍ أو تخمينات للسياسة الإسرائيليّة في ظلّ الوباء. ولا هي تحليلات لما قد يحبِكُه الاحتلال في الخفاء. إنما تتوفّر يومياً أخبار ومعلومات تمرّ بصمتٍ دون التمعّن في سطورها. مثلاً: يوم 10 أبريل/نيسان، نشر موقع "ynet" الإسرائيليّ خبراً قصيراً مفاده نقل مواطنة من بيت لحم للعلاج في مستشفى إسرائيليّ بعد إصابتها بالفيروس. أكّد الخبر أنّ نقلها يخالف سياسة الحكومة الإسرائيليّة "غير المعلنة" في منع دخول الفلسطينيّين المصابين بالفيروس لغرض العلاج الطبيّ، وذلك لئلا تتراكم الأعباء على جهاز الصحّة الإسرائيليّ. رغم هذا الاستثناء العينيّ، أمامنا سياسة تُطبّق في تعتيمٍ تام. تخوض "إسرائيل" مكافحة الوباء بقرارٍ مبدئيّ بمنع الفلسطينيّين من تلقّي العلاج في مستشفياتها لحفظ الأولويّة لعلاج اليهود. هل المطلوب منّا أن نصدّق، مثلاً، أنّ هذه السياسة الإسرائيليّة التي تنشر الصحف عنها لم تُعرض أمام ممثلي السّلطة في دوائر التنسيق؟ وألا تستحق هذه السياسة الاستعماريّة والعنصريّة البشعة أن تُفضح وتتحمل "إسرائيل" مسؤوليّتها؟

خبر آخر نُشر في صحيفة "يسرائيل هايوم" مفاده أنّ "إسرائيل" تراجعت عن نيّتها تحويل نصف مليار شيكل من أموال المقاصّة للسلطة الفلسطينيّة لدعمها في مواجهة الوباء. بحسب الصحيفة، قرّرت "إسرائيل" عدم تحويل الأموال بسبب "تحريض القيادات الفلسطينيّة". ويظهر أن "التحريض" الذي أدّى إلى هذه الخطوة كان شكوى تقدّمت بها ممثليّة فلسطين لدى الأمم المتّحدة، حول رمي النفايات الطبيّة الإسرائيليّة بجوار إحدى القرى الفلسطينيّة، وحول سماح "إسرائيل" للعمّال بالدخول والخروج من وإلى الضفّة للعمل في "إسرائيل" عبر أنابيب الصرف. عمليّاً، وفي ظلِّ أزمةٍ اقتصاديّةٍ شديدة، تبتز "إسرائيل" السّلطة ماليّاً على أبسط وأقل تحرّك سياسيّ ممكن.  

خبر شبيه نشرته وكالة "بلومبرغ" الأميركيّة مفاده أنّ تركيا باعت "إسرائيل" معدّات وقاية طبيّة، وأنّ ثلاث طائرات إسرائيليّة ستهبط في مطار أضنة لتحمّل المعدّات الطبيّة. لكنّ ما يستدعي الانتباه أن تركيا قبلت ببيع المعدّات مقابل أن تسمح لها "إسرائيل" بتوصيل معدّات وقاية للسلطة الفلسطينيّة دون أن تحتجزها "إسرائيل" أو تؤخّر وصولها. أُبرِم هذا الاتفاق في ظلّ نقصٍ جديّ واجهته المخازن الإسرائيليّة في معدّات الوقاية، ومأزقٍ جديّ واجهته الحكومة بعد أن عصفت الصحافة بأنباء عن أطباء يعملون دون معدّات وقاية. سيطرة "إسرائيل" على المعابر مكّنتها من ابتزاز تركيا وربما غيرها. عمليّاً، أي دعمٍ سيحتاجه الفلسطينيّون من العالم لن يحضر إلا بعد أن تمتلئ مخازن "إسرائيل" بمثله.

حجّة فكاك

من "بركات" محمد اشتية على السلطة الفلسطينيّة أن جاء بخطابٍ "الانفكاك" الشعبويّ الذي يصوّر للناس بأن الاحتلال يختفي إن تجاهلنا وجوده واشترينا المنتج الوطنيّ، في الوقت الذي نجالس فيه ونشكر ونحتضن رؤوس الأموال التي تستورد من "إسرائيل" أو تفتح مصانعها للجيش الإسرائيليّ. استقلاليّة الفلسطينيّ في اقتصاده وصحّته وخدماته قيمةٌ هامّة فعلاً ولا استخفاف فيها. لكنّنا نعرف أيضاً أنّها حين تفقد تحدّيها لـ"إسرائيل"، وحين تُمارس ضمن منظومة ضخمة اسمها "السلطة الوطنيّة" خاضعة تماماً لإملاءات وابتزازات "إسرائيل"، وقائمة أصلاً على أساس اتفاقيّة أوسلو، تُصبح هذه الاستقلاليّة مجرّد شعارٍ لكسب شرعيّة وطنيّة من جهة أمام الناس، وكسب ثقة "إسرائيل" بجدارة السّلطة أن تدير شؤونها بما لا ينتقص هيمنة الاحتلال، ودون أن تزعجه أو تكبّده أي خسائر. وهذه "الجدارة" تبحث عنها السّلطة منذ هزيمة الانتفاضة الثانية، بحث عنها سلام فيّاض، ويبحث عنها الآن اشتية.

سرقت "إسرائيل" مواردنا، من أرضنا إلى عرق عمّالنا المُستغَلِّين، وهدمت آفاق تعليمنا وتقدّمنا، وأدّت إلى اقتصادٍ مهشّم وجهاز صحّةٍ سقيم وعمرانٍ مدمّر. وهي تتحمّل المسؤوليّة كاملةً ودائماً، ويجب أن يُفرض عليها أن تُقدّم الأجهزة الطبيّة والمعدّات والأموال لحفظ حياة الناس. وعليها، رغماً عنها، أن تفتح مستشفياتِها لعلاج الفلسطينيين. وهذه ليست منّةً ولا مكرمة، وليس على الفلسطينيّ أن يقدّم أي تنازلٍ سياسيّ أو وطنيّ لقاءها. كلا المعادلتين - معادلة فرض المسؤوليّة على "إسرائيل" دون تنازل، ومعادلة السعي للاستقلاليّة دون تخليص "إسرائيل" من أعباء الاحتلال – غير ممكنتين من دون النضال ضدّ الاحتلال. 



20 مايو 2020
عن استدعاءات "فناجين القهوة"

يُنشر هذا المقال بالتعاون مع "شبكة قدس الإخبارية". تتكرّر اتصالات أجهزة الأمن الفلسطينيّة بمواطنين، غالباً نشطاء وصحافيين، لشُرب فنجان قهوة…