fbpx

فلسطينيو الكويت.. من الحاج الحسيني إلى صدام حسين

فلسطينيو الكويت.. من الحاج الحسيني إلى صدام حسين

تشكّلت النواةُ الأولى للجالية الفلسطينيّة في الكويت عام 1936، وهي النواة التي ستكبر ويصل حجمها قبيل غزو العراق للكويت عام 1991 إلى ثالث أكبر تجمعٍ للشتات الفلسطينيّ في العالم1. خلال هذه الفترة التي امتدّت إلى أكثر من نصف قرن، جرت تحوّلاتٌ اجتماعيّةٌ وسياسيّةٌ وثقافيّةٌ على هذه الجالية، يرصدها ويحلل أبرز ملامحها الباحث الفلسطينيّ- الكويتيّ شفيق ناظم الغبرا في كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"، هادفاً "إلى تقصٍ معمَّقٍ لاستراتيجيات البقاء والتكيّف عندهم"2، والوقوف على "روابط التضامن الصُغرى"3.

صدر الكتاب عام 2018 عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، وللكتاب أصلٌ في كتابٍ سابقٍ للغبرا صَدَر بالإنكليزية عام 1987 بعنوان Palestinians in Kuwait: The" Family and the Politics of Survival"، والذي يعود بدوره إلى أطروحة دكتوراة تقّدم بها المؤلف في جامعة تكساس في أوسطن.

المعلمون.. النواة الأولى

مُبكراً، عام 1936، جاء الكويت، بطلبٍ من الشّيخ أحمد الجابر الصباح إلى الحاج أمين الحسيني، فريقٌ تربويٌّ فلسطينيّ؛ لإدخال التعليم الحديث إلى الكويت. تألف الفريق في حينه من مُدرّسين فلسطينيين هم: أحمد شهاب الدين، وجابر حديد، وخميس نجم، ومحمد المغربي.

مع حلول النكبة عام 1948، هاجر لاجئون فلسطينيون من دول الجوار إلى الكويت التي كانت ما تزال تحت حكم الاستعمار البريطانيّ، يُقدّر الكاتب عددَهم حتى العام 1948 بالمئات من حملة الشّهادات، والمديرين والموظفين. طوّر هؤلاء فيما بينهم "عائلةً كبيرةً واحدةً"، وعملوا جاهدين على تأمين فرص عملٍ لأقربائهم ومعارفهم المهجّرين بواسطة سلطة العلاقات الشخصيّة. تبعاً لذلك، دخلت الكويت الدفعةُ الثانيةُ من المُدرِّسين الفلسطينيين، بمساعدة رئيس مجلس التعليم (المعارف) في الكويت عبدالله الجابر الصباح، وشخصياتٍ كويتيّةٍ أخرى متضامنة مع اللاجئين.

في نفس الوقت، شَغَلَ حملةُ شهاداتٍ وظائفَ قياديّة، منهم هاني القدومي الذي أسّس أوّل دائرة حديثة للإقامة والجوازات في الكويت عام 1949، ومحمّد الغصين الذي استقال من شبكة الإذاعة البريطانيّة (الشرق الأدنى) إبان حرب 1956 على مصر، وأسس أول محطّة إذاعيّة حديثة في الكويت، وأشرف لطفي، مدير مكتب عبدالله الملّا، أمين سر الحكومة الكويتية والمسؤول عن العلاقات بين أمير الكويت وشركة النفط، وعبد الكريم الشوّا في إدارة الأمن العام في منطقة الأحمديّ تحت قيادة جابر الأحمد الصباح. وهكذا، "تشكّل مجتمع من النخبة الفلسطينيّة من المتعلمين والإداريين السّابقين الذين كانوا من أوائل الوافدين الفلسطينيين إلى الكويت".

ترتكز التفاصيل التي يذكرها الغبرا في كتابه في المقام الأوّل على مقابلات شخصيّة أجراها عام 1985 مع  أوائل العاملين الفلسطينيين في الكويت. بحسب إحدى هذه المقابلات مع مدير بنك الكويت الوطنيّ إبراهيم دبدوب، "كان الفلسطينيون في الكويت يعملون في القطاع العامّ بشكلٍ أساس في الخمسينيات".

التحوّل الاجتماعيّ.. المرأة كمعيل

بعد سرد الأحداث التاريخيّة، وتتّبع هجرة أوائل الفلسطينيين إلى الكويت، يبدأ الغبرا بتحليل الواقع الاجتماعيّ للعائلة الفلسطينيّة في الفصل الرابع المعنون بـ: "النخبة المهجّرة: التماسك العائليّ – المرأة والهويّة الوطنيّة". يذكر الغبرا أن الكثير من العائلات المُحافظة شجّعت، تحت وطأة الوضع الماديّ المُتردي للعائلة الفلسطينية بسبب التهجير، النساءَ على المشاركة في العمل، على عكس ما قد يُعرف عن أي عائلة محافِظَة. كانت هؤلاء النساء "مستعدات للابتعاد عن عائلاتهنّ، لأوّل مرّة، إذ انتقلت كثيرات منهن إلى العراق والسعوديّة وعمّان ودمشق، لكنَّ بعضهنّ توجه إلى الكويت4.

يُحدد الغبرا بالاستناد على مقابلات شخصيّة مع بعض المعلمات الفلسطينيات من الدفعة الأولى التي دخلت الكويت للعمل التاريخ، إذ "في العام 1950 وصلت إلى الكويت الموجة الكُبرى الأولى من الفلسطينيات العاملات(..) من بينهنّ ميّسر شاهين، وألفة قطيني، وفايزة كنفاني"5.   ميّسر شاهين، بنت الـ24 عاماً، كانت في ذلك الوقت مديرةً لواحدة من المدرستين الثانويْتين المخصصتيْن للإناث في الكويت. هكذا كانت ميسّر، والدفعة الأولى من المعلمات الفلسطينيات في الكويت، يُدشنّ "تقليد إعالة المرأة الفلسطينية لعائلتها(…) عندما زعزعت النكبة أسس المجتمع الفلسطينيّ اهتزّت قيم راسخة ومتجذرة، من الواضح تماماً أن الحاجة إلى مواجهة الأزمة سمحت بتجاوز العديد من القيم التي كانت سائدة قبل عام 1948، والتي كانت ترفض ربّما من الأساس أن تُصبح المرأة مركز الشبكة العائليّة الفعليّة والموسّعة"6.

"رجال في الشمس".. طريق الفلاحين

كل ما سبق كان عن المتعلمين وحملة الشّهادات من الفلسطينيين الذي أتوا الكويت، عبر الطرق الشرعيّة من خلال استصدار موافقةٍ بريطانيّةٍ للسفر إلى الكويت (استقلت الكويت عام 1961). لكن مع الفلاحين الفلسطينيّين كان الوضع يختلف؛ إذ كان عليهم اجتياز خطّ التهريب إلى الكويت؛ ثم البحث عن معارف سعياً للعثور على عمل ومحاولة الاستقرار. لم يُعرف العدد الإجماليّ للفلسطينيين الذين أتوا الكويت عن طريق التهريب، لكنه يُقدّر بالآلاف.

يقول الغبرا: "إنَّ أغلب العمّال غير المحترفين والفلاحين وفقراء المدن ممن دفعوا ثمن النكبة والذين كانوا يعيشون في الضفة الغربيّة (…) كانوا قد سمعوا عن الكويت ونفطها وفرص البقاء المُتاحة هناك"7. لكن من دون وجود أوراق ثبوتية لأغلبهم يُقدّمونها للقنصلية البريطانيّة في القدس، أو بغداد (التي كانت مسؤولة عن استصدار تأشيرات السفر بين عام 1951 ومنتصف الخمسينيات)، كانت طرق التهريب ملاذهم الأخير. كان خطّ التهريب يبدأ بنقل آلاف الفلاحين والعاملين غير المهرة والفقراء إلى قرية تل كوجك عند الحدود السوريّة العراقيّة، ومن ثمّ يواصلون سيراً على الأقدام إلى شمال غرب العراق، ومن ثمّ الموصل، ثمّ بغداد، ثمّ البصرة بالقطار، ومن البصرة كان عليهم إيجاد مهربين إلى الكويت. "استمرت طريق التهريب حتى أواخر الخمسينيات، بعد ذلك ما عادت هناك حاجة إلى تأشيرات سفر أو أذون دخول للسفر بين الكويت والأردنّ"8، إذ كان غالبية الفلسطينيين حينها يحملون الجواز الأردنيّ.

بعد ذلك يستعرض الغبرا بالارتكاز على عشرين مقابلة أجراها مع فلاحين فلسطينيين دخلوا الكويت تهريباً كيف كانت تجري الأمور بعد الوصول، إذ وفرّت العائلات القرويّة التي وصلت قبلاً السكنَ والمساعدة للوافدين الجدد. هكذا نشأ مجتمعُ عُزَّاب فلسطينيين في منازل العائلات الفلسطينية بالكويت، حيث كان أبناء القرية الواحدة  أو العائلة الواحدة يفتحون بيوتهم للقادم الجديد. اشتهر في هذا السياق "منزل الأربعين"، وهو منزل آوى أربعين شخصاً من العائلة نفسها من قرية بيت صفافا جنوب القدس. كما اشتهر حيّ المرقاب في الكويت كحيّ احتضن تجمعات العزاب الفلسطينيين. ولأنهم في بداية شقّ طريقهم، عمل أغلب هؤلاء في المهن التي تتطلب جهداً جسديّاً، ولساعات عمل طويلة.

مع حلول عام 1965، "كان 48% من الموظفين في القطاع العام في الكويت من الفلسطينيين؛ 15512 رجلًا و 1477 امرأة، وفي القطاع الخاص كان الفلسطينيون يشكلون 41.4% من مجموع الموظفين"9. لم يتحقق توازن في نسب التوظيف بين الفلسطينيين والمصريين والكويتيين وأدوارهم في تطوير البنى التحتية إلا في أواخر الستينيات.

انتقال الثقل الاجتماعي إلى الكويت

مع تقدم الأيام، أصبح كلُّ فلسطينيٍّ وفلسطينيّةٍ من الوافدين للكويت محوراً لعائلته الممتدة في دول اللجوء، وأقربائه وأصدقائه وأبناء بلدته في الوطن؛ فمن وجدَ وظائف وفرصاً أراد إتاحة الفرصة نفسها أمام الآخرين.

شيئاً فشيئاً صار للمغتربين العاملين في الكويت موقعٌ اجتماعيّ قويّ في المشهد الفلسطيني، وأصبحوا بديلاً للمتنفذين من العائلات الفلسطينيّة الكبيرة في دول الطوق ودول أخرى. بتعبير الغبرا فإنّ "الروّاد الأوائل الذين أتوا إلى الكويت شاركوا من دون علمٍ منهم في تحوّلٍ اجتماعيٍّ واسعٍ شَمِلَ طبقات المجتمع الفلسطينيّ وتشكيلاته"10، ففي حين كانت النخبة التقليديّة تتنظرُ الحلّ السلميّ في دول الطوق، وفي حين "بدأت منازل بعضهم المؤقتة في لبنان وسوريّة التي كانت تعجّ بالزوّار تعاني قلّة السائلين، شيء ما بدأ يتغيّر، رويداً رويداً، خسروا الموقع القياديّ في المكوّنات الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة مع انتقال هذا الموقع إلى قوّة اجتماعيّة جديدة من المتعلمين وحملة الشّهادات من المعدمين المستعدين للعمل ليل نهار بروحٍ عصاميّةٍ لبناء حياةٍ كريمةٍ في أماكن بعيدة، كالكويت ومنطقة الخليج"11.

إضافةً إلى دور الموظفين والباحثين عن فرص عمل، فقد ساهم في انتقال الثقل الاجتماعيّ من العائلات في دول الطوق إلى الكويت وجودُ قياداتٍ سياسيّةٍ في الكويت تلك الفترة، من أمثال ياسر عرفات، وصلاح خلف، وخالد الحسن، وسليم الزعنون، إضافة إلى القيادات النسائيّة مثل سلوى أبو خضرا، وميسر أبو شاهين، اللتين شاركتا في تأسيس الفرع الكويتي من الاتحاد العامّ للمرأة الفلسطينية، وبعض المستثمرين، من أمثال عبد المحسن القطّان وبعض من أسس أعمالاً تجاريّة في الكويت. كلّ أولئك ساهموا في إعادة بناء الروابط الاجتماعيّة والكيانات الجماعيّة الفلسطينية، التي ساهمت في تأقلم الفلسطينيين مع أكثر الأحوال صعوبة، وفي مدّهم بروح البقاء.

روابط التضامن

بعد حرب حزيران 1967، سمحت الكويت لكلّ مقيمٍ فيها بجلب أسرته. يرصد الغبرا هنا تفاصيل كثيرة في حياة العائلة الفلسطينيّة في الكويت، ولعلّ أبرزها دخول المستوى التعليميّ في النقاشات العائليّة في شأن عروض الزواج. هكذا جمعت على غير السابق، أو أكثر من السابق، زواجات بين عائلات من المدن الفلسطينية وعائلات ريفية، وتراجعت قضيّة المدنية والريف في ذلك المجتمع لصالح معيار التعليم.

بعد كثرة المسؤوليات الاقتصادية لعائلة الفلسطينيين في الكويت، ولعلّ أبرزها التعليم العالي، نشأت في الكويت صناديق عائليّة، دفعت "بالعلاقات الأقلّ أهميّة في الشبكة العائليّة نحو المركز"12، إذ برز الاهتمام من قبل العائلات بتدريس أبنائهم وصار هاجساً عائليّاً. في المقابل، صار التعليم أكثر صعوبة في سبعينيات القرن العشرين؛ بسبب تضييق الفُرص التعليمية المُتاحة أمام الفلسطينيين في جامعات الوطن العربيّ لعدم قدرتها على استيعاب مواطنيها بالأساس، ومنها الكويت التي خصصت 10% فقط من مقاعد الجامعات للطلبة غير الكويتيين وغير الخليجيين.

وفقاً لما اعتمده المؤلفُ في دراسةٍ لدائرة الإحصاءات العامة في الكويت عام 1983، وُجِدَ في الكويت تقليدٌ عند العائلات الفلسطينيّة بابتعاث الأولاد إلى أوروبا وأميركا للدراسة. من خلال مقابلة خاصّة أجراها الغبرا مع معاون القنصل الأمريكي في الكويت، جين سويني، "يتابع ألف طالب على الأقلّ من أصل أربعة آلاف يتخرجون في الثانوية الكويتية من الفلسطينيين تحصيلهم الجامعي في الولايات المتحدّة"13. هذه الأرقام كانت فقط بين الفترة بين أكتوبر/ تشرين الأول 1982 إلى أكتوبر/ تشرين الأول 1983، وشملت أعداد الطلبة الذين حصلوا على تأشيرات دراسة في الولايات المتحدة لهذه الفترة.

بسبب هذا، وبسبب الظروف الاقتصادية التي عانى منها بعض أفراد العائلات الفلسطينية، وجدت صناديق التضامن التي تقوم على اقتطاع جزء من معاش ربّ الأسرة لصالحها ودفع المبلغ لمن يحتاجه في حالات الوفاة، أو الزواج، أو الديون المتراكمة. كانت الصناديق تؤسس على أساس عائليّ (أبناء قرية، أو أبناء مدينة، أو أبناء عشيرة)، ومثّلت "وسيلةً لإعادة تدوير العلاقات بصورةٍ مستمرةٍ، وتحويلها من علاقات موسعة إلى علاقات فعليّة، ومن علاقات فضفاضة إلى علاقات مُتماسكة"14

وفي هذا يخلص الباحث إلى "إنَّ التوجه غير الإيديولوجي في العلاقات العائليّة والقرويّة كان قوياً جداً؛ ففي حين تحتوي العائلة أو القرية (أبناء القرية) في داخلهما على أطياف الالتزامات السياسيّة والمهنية المختلفة فإنهما تظلان مُلتزمتين بلحمتهما وروابط التضامن كمجموعةٍ واحدةٍ بغض النظر عن الاختلافات السياسيّة الداخلية"15.

متى بدأ التوتر؟

قبل غزو العراق للكويت، كانت أحداث سابقة، تعمل على وضع حاجزٍ في العلاقة بين المجتمعين؛ الفلسطيني والكويتيّ في الكويت. بدأت تلك الأحداث بحرب 1973 التي جلبت معها إلى الكويت "مخاوف احتمالات التوصّل إلى تسوية للصراع العربيّ الإسرائيليّ تؤدي إلى بقاء جالية فلسطينية كبيرة في الكويت"16، والتي بلغت حينها أكثر من نصف الكويتيين. أما الحدث الثاني، فكان حين أقامت منظمة التحرير الفلسطينيّة أثناء الحرب الأهليّة اللبنانيّة علاقاتٍ مع بعض قوى المعارضة اللبنانيّة اليساريّة، والتي ارتبطت في الوقت نفسه، بصلاتٍ وثيقة مع المعارضة الكويتيّة، "الأمر الذي فاقم الشعور بالقلق فيما يتعلّق بالناحية الأمنيّة في الكويت"17.

لاحقاً، خاصّةً في الثمانينيات، صارت القيود على الجالية الفلسطينيّة في الكويت أكثر تعقيداً فيما يتعلق بمعاملات الإقامة، وتأشيرات الدخول، وتصاريح العمل، والتعليم، بسبب تفجيرات في الكويت من منظمات موالية لإيران. بالإضافة إلى هذه العوامل كانت الضغوط الاجتماعيّة تزداد من قبل مئات الآلاف من الخريجين الكويتيين للمطالبة بوظائف، والذين كانوا يرون في الوجود الفلسطينيّ عنصرَ منافسة لهم.

بحلول العام 1990 ساد الاغتراب وسط الجالية الفلسطينيّة في الكويت، التي كان تعدادها 380 ألف نسمة أغلبيتهم من حملة الجوازات الأردنيّة. لكن، في ذات الوقت، "أدّى اعتماد الكويت على القوّة العاملة الفلسطينيّة من جهةٍ، واعتماد الفلسطينيين على الكويت من أجل الرزق والعمل من جهةٍ أخرى، إلى بناء ساتر منع ظهور هذه المشاعر السلبية علناً بين الطرفين قبل الغزو العراقيّ للكويت"18.

مع غزو العراق للكويت في أغسطس/ آب 1990، انقسم المجتمع الفلسطيني في الكويت إلى ثلاثة أقسام. الأول، قسم مؤيدٌ للغزو بسبب إعلان العراق في 12 أغسطس "أنه مستعد للانسحاب من الكويت شريطة أن تنسحب إسرائيل من الضفة الغربيّة وقطاع غزة". الثاني، قسمٌ رفض الغزو، وهنا يستخدم الباحث رقماً غير مرتكز -بخلاف الأرقام في الكتاب- على إحصائيّةٍ أو مقابلاتٍ شخصيّةٍ، ويورد أنّ عدد المعارضين للغزو وصل إلى 30% من الفلسطينيين في الكويت. أما القسم الثالث والأخير، فقد اتخذ موقفَ الحياد.

توترت العلاقات بين المجتمعين الكويتيّ والفلسطينيّ بعد زيارة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بعد يومين من الغزو، إلى العراق، ومن ثم تصويت المنظمة في القمة العربية 10 أغسطس/ آب ضدّ قرارات القمة العربيّة التي تشجب الغزو.

لكن ما فجّر الأزمة بين المجتمعين كان المدرسون الفلسطينيون في الكويت، إذ هدّدت السلطة العراقيّة على الكويت المدرسين بالطرد لكل من لا يلتحق بوظيفته. دفع ذلك ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مدرس فلسطينيّ للالتحاق بوظائفهم تحت ضغط الخوف من فقدان مصدر الرزق، وقاموا بتسجيل أسمائهم لدى السلطات العراقية في الكويت. كانت تلك الخصومة الأساسيّة بين الفلسطينيين والكويتيين الذين من جانبهم التزموا بالإضراب عن العمل تحت سلطة العراقيين.

كما كان لبعض تصرفات الجيش العراقيّ دورٌ في توتير العلاقة بين المجتمعين؛ الفلسطينيّ والكويتيّ، لعل أهمّها إرسال العراق 200 مقاتلٍ من جبهة التحرير العربيّة إلى الكويت "لضبط المجتمع الفلسطينيّ والسيطرة على بعض ممثلي منظمة التحرير الفلسطينيّة المحليين ممن تعاطفوا مع الكويت"19.

اتسعت الهوة بين الشعب الكويتيّ والجالية الفلسطينيّة بعد تنفيذ المقاومة الكويتية عدة اغتيالات بحق مدرسين فلسطينيين كسروا الإضراب، مثل اغتيال مُدرّسِةٍ فلسطينيةٍ، ومهاجمة مَدرسة ثانوية للبنات، هذه الأحداث يعتمد فيها الغبرا على مقابلات مع أعضاء لم يذكر أسماءهم في المقاومة الكويتية.

يلفت الغبرا هنا إلى مسألة رأب الصدع بين المجتمعين الكويتيّ والفلسطينيّ التي قام بها أبو أيمن (علي الحسن)، الذي أقام لجاناً مشتركةً بين الاثنين لتوزيع الخبز وتسيير الأوضاع المدنية في بعض المناطق، ويشير المؤلف بالاستناد إلى مقابلات مع كويتيين شاركوا في المقاومة الكويتية إلى وجود فلسطينيين فيها.

بعد الغزو العراقي

تراجع عدد الفلسطينيين في الكويت بعد انتهاء الغزو العراقيّ من 400 ألف إلى 150 ألف، وصارت هذه الفئة محط غضب الكويتيين بسبب موقف منظمة التحرير، أو الذين وجد على وثائق الإقامة أو جوازات السفر الخاصّة بهم ختم من قبل العراقيين، ومن وجد اسمه في السجلات العراقية التي تركها الجيش العراقيّ. كانت السجلات تتعلّق بالتسجيل في المدارس، أو الحصول على رخص قيادة، وغيرها مما يتعلق بتسيير أمور مدنية. ارتفعت وتيرة التوتر ووصلت إلى تنفيذ بعض الاغتيالات لشخصيات ومواطنين فلسطينيين لعل أبرزهم أبو أيمن (علي الحسن) الذي نجا منها بصعوبة واعتقالات من قبل جماعات محلية كويتية.

إثر ذلك، تشكلت لجنة من النخبة الفلسطينية في الكويت رأسها الفنان الفلسطيني اسماعيل شموط ورجال أعمال، واجتمعت مع رئيس مجلس الوزراء سعد العبدالله الصباح، ورتب اللقاء والد المؤلف ناظم الغبرا. في ذلك الاجتماع، وعد الشيخ بأن يحصل الفلسطينيون ممن عملوا في القطاع العام على تعويضات لقاء خدمة الدولة. أنهت الكويت عمل معظم العاملين الفلسطينيين في القطاع العام، وبسبب الغزو تعاملت الدولة معهم على نحو مغاير في إنهاء الخدمات للعاملين قبل 1991، إذ خسر الفلسطينيون الكثير من الامتيازات نهاية الخدمة.

في القطاع الخاص حُلَّت الشراكات وبرزت الخلافات فيها بين الفلسطينيين والكويتيين. لكن برز بعض الكويتيين ممن رفعوا توصيات لوزير الداخليّة للإبقاء على بعض الفلسطينيين.

في العام 1994 أصدرت الحكومة الكويتية قرارات تلزم بالتعويض العاملين الفلسطينيين، وانخفضت نسبة الفلسطينيين مرة أخرى من 150 ألف إلى 30 ألف. كان المغادرون في تحدٍ كبير، خاصة حملة الوثائق المصرية من غزة والذين بلغ تعدادهم 60 ألف قبل الغزو، إذ أن مصر لم تعترف بالوثائق التي لديهم، فهاجر كثير منهم إلى الغرب. لكن معظم الذي غادروا الكويت توجهوا للأردن كونهم يحملون جوازات سفر أردنيّة، وكان بينهم الطبقة الثرية، ومنهم تطورات شركات مثل أبو غزالة في الأردن، وشركة CCC المملوكة للخوري والصباغ التي انتقلت إلى اليونان.

أخيراً، مع تقدم الزمن، كانت الكويت ولأوّل مرة، ولغير رجعةٍ، تتعامل مع الفلسطينيين، لا على أساس أنهم شعب لاجئ في أرضها تتضامن مع أفراده، وإنما على أساس أنهم أردنيون فقط (في حال كانوا من حملة الجوازات الأردنيّة) أو فلسطينيون فقط لا غير.

هوامش:

  1. وصل هذا التجمع عام 1987 إلى 380 ألف فلسطيني، أي نحو 20% من تعداد سكان الكويت في ذلك الوقت
  2. كتاب “النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت”، شفيق الغبرا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إصدار 2018، ص 13
  3. لكتاب ص 52
  4. الكتاب ص103-104.
  5. الكتاب ص 104.
  6. الكتاب، ص105.
  7. الكتاب، ص123.
  8. الكتاب، ص127.
  9. ينقل الغبرا هذه الأرقام عن كتاب بلال الحسن، “الفلسطينيون في الكويت”، الذي أصدرته منظمة التحرير الفلسطينيّة.
  10. الكتاب، ص 114.
  11. الكتاب، ص 113-114.
  12. الكتاب، ص200.
  13. الكتاب، ص202.
  14. الكتاب، ص206.
  15. الكتاب، ص233.
  16. الكتاب، ص239.
  17. الكتاب، ص240.
  18. الكتاب، ص242.
  19. الكتاب، ص245.
عمّار الشقيري
كاتب وصحافيّ

إقرأ أيضاَ