20 نوفمبر 2018

على “ذمّة المُحافظ”

اعتقالات الضفّة التعسفيّة

اعتقالات الضفّة التعسفيّة

“أنا دقيق في حديثي؛ هذه المرة اعتقلوني من المنزل ووضعوني في الزنزانة، وبعد 12 يوماً فتحوا الباب وقالوا لي “اخرُج”. لم يسألني أحدٌ عن اسمي الرباعيّ، لم أرَ محامياً، ولا قاضياً، ولا نيابةً، ولا محكمةً، ولم يُخبرني أحدٌ وأنا في السّجن أنني معتقلٌ على ذمّة المحافظ”.

هكذا جاءَ رَدُّ إياد ناصر (46 عاماً)، إمامُ مسجدٍ من ضاحية “شويكة” في طولكرم شمال الضفّة الغربيّة، حين عُرِضَتْ عليه تصريحاتُ اللواء عدنان الضميري، الناطق باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي انتشرت في 27 سبتمبر/ أيلول 2018 بعد حملة اعتقالات في الضفّة الغربيّة تَلَت توتراً مع حركة “حماس”، وأخرى شبيهة بها في قطاع غزّة.

ينفي الضميري “مزاعم حركة حماس” باعتقال الأجهزة الأمنيّة لعناصرها في الضفّة، ويقول إنّ توقيف أيّ شخص يتمّ بناء على ما أَسماه “أرضيةً قانونيّة”، لا حسب موقفٍ أو رأيٍّ سياسيّ. اللافتُ أنّ ناصر اعتقله جهازُ المخابرات العامّة في نفس يوم تصريح الضميري.

بتبريرٍ مُشابهٍ، يردُّ جهاز المخابرات العامة الفلسطينية على استفساراتٍ رسميّةٍ لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” Human Rights Watch في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مفيداً بأنّه لا يجري اعتقال الطلاب الفلسطينيين على خلفية انتماءاتِهم أو أعمالِهم أو مكانتِهم الاجتماعية أو التعليمية، وإنّما يتمّ وفقاً لجرائم محدّدة في قانون العقوبات، حسب تعبيره.

وفي حين تدّعي الأجهزةُ الأمنيّة والسّلطةُ الفلسطينية بشكلٍ عامٍّ أنّها “لا تتجاوز القانونَ” في الاعتقالات، تَعجّ التّقارير الحقوقيّة بحقائقٍ مُغايرةٍ. هكذا مثلاً، في نفس الشّهر الذي انتشرت فيه تصريحات الضميري، شَهِدَت الضِّفة الغربيّة وفقاً للتقرير الشهريّ لـ”الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان” 48 حالة توقيف “على ذمّة المحافظ”، إضافة لـ14 شكوى أخرى حول الاحتجاز التعسفيّ أو السياسيّ في الضفة، في مقابل 11 شكوى مماثلة ضدّ أجهزة الأمن التابعة لـ”حماس” في غزّة، وعشرات الاستدعاءات لدى الطرفين.

أمّا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فقد شهدت الضفّة الغربية 43 حالة اعتقال على ذمّة المحافظ، و18 شكوى ضدّ الاحتجاز التعسفيّ، مقابل 6 مماثلة في قطاع غزّة.

غالباً ما يرتبط الاحتجاز التعسفيّ أو الاعتقال على ذمّة المحافظ بنشاطٍ سياسيّ للمحتجز/ للمعتقل. ويكون النشاط إمّا متعلقاً بالحريّات السياسيّة، إن صحّ التعبير في سياق الضفة الغربيّة، كالاعتقال على خلفية التعبير عن الرأي، أو التظاهر، وإمّا متعلقاً بالنشاط النضاليّ ضدّ الاحتلال، وهو ما يندرج تحت سياق “التنسيق الأمنيّ” مع أجهزة أمن الاحتلال.

ومن أجل “تمرير” هذه الأنواع من الاعتقال، عادة ما يتمّ اللجوء إلى “بنود قانونية” مختلفة، يُبرّر بها الجهاز الأمنيّ عملية الاعتقال.

ذمةُ المحافظِ “واسعة”!

الاحتجاز على ذمّة المحافظ، أبرز أشكال الاعتقالات التعسفيّة وأكثرها تكراراً، تُفرد له “الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان” باباً خاصّاً في تقاريرها باعتباره انتهاكاً شبه دائم. يستند المحافظون في محافظات الضفّة الغربيّة على القانون الأردنيّ لمنع الجرائم رقم 7 للعام 1954، والذي يمنحهم سلطة إصدار أوامر بالاعتقال “للأشخاص الذين يتواجدون في مكان عامّ أو خاصّ في ظروف تقنع المحافظ أنّهم على وشك ارتكاب أيّ جرم أو المساعدة على ارتكابه…”.

تصميم "متراس"
تصميم “متراس”

يعتبر الاحتجاز على ذمّة المحافظ نوعاً من الحبس الإداريّ، كونه صادراً عن جهة إداريّة لا قضائية. وكل ما ذَكَرَهُ القانونُ واسعٌ فضفاضُ الصّيغة، وقد صدرت العديد من القرارات من “محكمة العدل العليا” الفلسطينية على عدم دستورية قرارات الاحتجاز وفقاً لهذا القانون.

وكما يشرح كتيب صادر عن “مؤسسة الحقّ” في رام الله، فإنّه يأخذُ شكلين، الأوّل أن يصدر أمر الاحتجاز بشكلٍ مُبَاشرٍ من المُحافظ وهو الأقل شيوعاً، والثّاني أن يتمّ الاحتجاز فعلاً من الأجهزة الأمنيّة، على أن تتقدم الأخيرة فيما بعد بطلبٍ للمحافظ بتوقيف المحتجز على ذمّته، والذي يستجيب بدوره دون أن يكون له أيُّ دورٍ في عملية القبض والتحقيق، وهو الشائع.

التوقيفُ عقاباً

على خلاف الاعتقال على ذمّة المحافظ، وفي كثير من الاعتقالات على خلفية نضاليّة أو سياسيّة، تستخدم الأجهزةُ الأمنيّةُ “حيلةَ” التوقيف بناء على تهمة. يحوّل وفق ذلك المعتقل إلى النيابة وتُقدّم ضدّه لائحةُ اتهامٍ رسميّة. هنا يبدو الاعتقالُ قانونياً من حيث الشّكل والإجراء، حيث يُعرَضُ الموقوفُ على النيابة، ويُستَجوبُ لديها ومن ثمّ يُعرض على المحكمة التي تُمَدّدُ توقيفَهُ من أجل استكمال التحقيق. ولكنه في غالب الأحيان لا يُدان، ويُفرج عنه، وهنا تتّضح “الحيلة” في اللجوء إلى التوقيف إلى حين استكمال التحقيق كإجراء عقابيّ لا أكثر.

أما التُهم الدارجة في هذا الإطار، فهي إما مرتبطة بـ”الحريات السياسيّة”، كتوجيه تُهم مثل: إثارة النعرات الطائفيّة وإطالة اللسان، أو مرتبطة بالنشاط النضالي وربما المسلّح ضدّ قوات الاحتلال، مثل تهم: جمع وتلقي أموال غير مشروعة، أو حيازة سلاح، أو الانتساب للقوّة التنفيذيّة.

وعلى الرغم من المواد القانونيّة التي تعتبر التوقيف مساساً بالحقوق، ولا يمكن تطبيقه إلا في حالة خطورة المتّهم التامّة، إلا أنّه في الواقع يُستخدم كعقاب. يتفق مع ذلك الحقوقيّ عصام عابدين من “مؤسسة الحق”، فحسب رأيه: “كيف يُمكن تفسير أنّ نسبةً ضئيلةً فقط من قضايا الاعتقال المرتبط بالرأيّ والعمل السياسيّ والطّلابيّ يُدانُ أصحابُها قضائياً؛ غير أن التوقيف استخدم فعلاً كعقاب؟” فالتوقيف، يوّضح عابدين، “إجراءٌ احترازي في القانون ضدّ متهمٍ خطيرٍ يُشكّل وجودُه خارج السّجن ضرراً للأمن العامّ، وما عدا ذلك ينبغي أنْ يُحَاكَمَ وهو حرٌّ طليق”.

في هذا الإطار، يُقدّر محامي “مؤسسة الضمير”، مهند كراجة، أنّ 70% من ملفات المعتقلين السياسيين في الضفة الغربيّة التي مرّت عليه، يتمّ فيها “حفظ الملفات” لدى النيابة، أيّ أنّ ملف الاعتقال والتحقيق لا يُحوّل إلى المحكمة، وذلك على اعتبار أن التحقيق انتهى، وألاّ جريمة في الأجواء.

تصميم "متراس"
تصميم “متراس”

وما يؤكد على استخدام التوقيف كعقاب، أنّه في بعض القضايا تُصدر المحاكم أوامر بإخلاء سبيل المتهمين واستمرار محاكمتهم وهم خارج السجن، إلا أن الأجهزة الأمنيّة تُبقي عليهم، ولا تُطلق سراحهم. الصحافيّ سامي الساعي مثلاً، كما يُوّثِـق تقرير “هيومان رايتس ووتش”؛ أُوقف على تهمة “إثارة النعرات الطائفية” في فبراير/ شباط 2017 لستة أيام، وأصدرت المحكمة قراراً بإخلاء سبيله، وبعد أن أُفرِجَ عنه من مقر جهاز المخابرات في طولكرم، أُعيد اعتقالُه ونُقِلَ إلى أريحا بتهمةٍ أُخرى.

وفي تفصيل عدد من الحالات، يمكن الإشارة لاعتقال طلبة من “الكتلة الإسلامية” في “جامعة بيرزيت” في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وعرضهم للمحاكمة بتهمة تلقي أموال غير مشروعة. من المعروف أن الحركات الطلابية تتبع للفصائل الفلسطينية التي بدورها تموّل حركاتها الطلابية، ومنع تمويلها يعني منعها، ومحاولة حصر النشاط السياسي والنضالي، والتضييق عليه، بموازاة تضييق الاحتلال.

وقد وصل التكييف القانوني مثلاً إلى اتهام نشطاء من “حركة مقاطعة إسرائيل” بـ”الإخلال بالطمأنينة العامة” (المادة 389/4، تحت بند التسوّل في قانون العقوبات لعام 1960)، بالإضافة إلى تهمة “إثارة الشغب”، بسبب احتجاجهم عام 2014 خلال عرضٍ لفرقةٍ هنديّةٍ في رام الله كانت قد قدّمت مُسبقاً عرضاً في تل أبيب.

تُهم شكلية

ما يؤكّد كذلك مسألة “التوقيف كعقوبة”، أنّه في حالاتٍ عديدة، يبتعد التحقيق الفعلي عن التُهمة الموّجهة رسمياً، كما يؤكد كلّ من عابدين وكراجة.

يقول حمدان السيد (33 عاماً) إنّه عَلمَ تُهمته: “حيازة سلاح” بعد يومين من الاعتقال دون مذكّرة توقيف لدى المخابرات العامة عام 2016، وذلك حين أعطى التوكيل لمحاميه فأخبره الأخير بالتهمة. حينها قال السّيد لوكيل النيابة إنّ التحقيق معه في المخابرات على مدار يومين لم يتطرق لأي شيء له علاقة بـ”حيازة سلاح”، وأنه سُئل فقط عن مشاركته في مسيراتٍ داعمةٍ للأسير محمد القيق المضرب عن الطعام حينها، وسُئل عن نشاطاتٍ قديمةٍ له ضمن “الكتلة الإسلامية” وهو طالب في الجامعة. رغم ذلك، مدّدت النيابة توقيفه لـ48 ساعة، ومن ثمّ أُفرِج عنه في اليوم التّالي، وانتهى ملفّه.

في سبتمبر/ أيلول 2017، تمّ تمديد توقيف خمسة من كوادر “حركة الجهاد الإسلامي” وعرضهم على المحاكم بناء على اتهامهم بالانتساب للقوّة التنفيذية، وذلك وفقاً لقانون رقم (4) لسنة 2007 بشأن حظر القوّة التنفيذية وما يُسمّى “ميليشيات حركة حماس الخارجة على القانون” لعام 2007. أثار ذلك تساؤل ذويهم حينها حول سبب اتهامهم بتهمة متعلقة بآثار انقسامٍ ليسوا جزءاً منه، إذ أن القانون صدر بعد الانقسام عام 2007، واستُخدِم ضدّ نشطاء “حماس” في الضفّة.

لاحقاً حُفظ ملف نشطاء “الجهاد” كما أفاد محاميهم مهند كراجة، وتبيّن أن التهمة “في واد”، والتحقيق “في وادٍ آخر”، إذ حُقّق معهم حول نشاطٍ جماهيريٍّ رُفِعَت فيه راياتُ “الجهاد”، ولم يكن لهم أي “نشاط عسكريّ ضدّ السلطة”، كما تشي التهمة الرسمية.

أن يُحفظ الملف لدى النيابة يعني ألاّ يُحوّل إلى المحكمة لتنظر في التهمة، وهو ما يزيد من التأكيد على استخدام التوقيف كعقوبة. يقول المحامي كراجة، متحدثاً عن عددٍ من الملفات التي تعامل معها: “حين يتمّ توقيف المعتقل ولا يتم التحقيق معه سوى في أول جلسة، ورغم طلبات إخلاء السبيل المتكرّرة من المحامي، وفي المقابل تُقدّم النيابة طلبات تمديد بحجة التحقيق ولا يكون هناك ملفُ تحقيقٍ فعليّ، ولاحقاً يُفرَج عن المعتقل بعد حفظ الملف، فإن أفضل تفسير لهذه الحالة هو اعتبار التوقيف في القضايا السياسية عقوبة لعدم وجود فعل جرمي”.

فنجان قهوة

“أنت مدعو إلى فنجان قهوة في الجهاز الأمني”، تعني هذه الجملة أنك تتعرّض لإجراء شائع يُعتبر أقلّ من الاعتقال؛ وهو الاستدعاء الذي قد يكون هاتفياً أو خطيّاً مروّساً وموّقعاً من جهازٍ أمنيٍّ.

أصدرت “مؤسسة الحق” بياناً صحافياً العام الماضي توضّح فيه بأن كافة أشكال الاستدعاءات تلك غير دستورية دون “مذكرة قضائية”، أي من النيابة العامة أو المحكمة، وأوصت “الحق” حينها الفلسطينيين برفض التعامل مع تلك الاستدعاءات.

قد يتبع الاستدعاء توقيفٌ بلا مذكرة من النيابة العامة كما حصل في 30 أكتوبر/ تشرين الأول في اعتقال الأمن الوقائي للصحافي محمد عوض لمدة يوم بعد استدعائه دون مذكرة، وأفرج عنه دون عرضه على النيابة العامة أو المحكمة، أي بدون أي إجراء قانوني، أكان صحيحاً أم شكليّاً. المادة 30 من قانون الإجراءات الجزائية تحصر إمكانية توقيف شخص دون مذكرة بحالات التلبس في الجنايات، ومعارضة مأمور الضبط القضائي أثناء قيامه بواجباته، أو إن ارتكب جرماً ورفض إعطاء اسمه أو عنوانه، أو كان عنوانه خارج فلسطين.

يبقى خطاب السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية مُراوِحاً منذ سنوات مكان النفي لوجود اعتقالات سياسية، والقول إن الاعتقالات لا تتجاوز القانون وملاحقة المخالفين للقانون، لكن من السهل تفنيد هذا الخطاب، والاستنتاج أن الواقع هو استخدام واستغلال إجراءات قانونية لتمرير ملاحقة المعارضة، لكن حتى هذه الإجراءات يتمّ تخطّيها في كثير من الحالات.