fbpx

طقوس التَّشريب وأهازيج "شِحدة" المطر

طقوس التَّشريب وأهازيج
صورة لـJose Antonio Alba، مشاع إبداعي: pixabay.com.

يبدأ الفلاحون بترّقب الأمطار وانتظار أُولى بشائره، بعد انقضاء النصف الأول من شهر سبتمبر/ أيلول. لانتظار المطر ومحاولة استجلابه، حكاياتٌ وعاداتٌ شعبيّةٌ فلسطينيّة، يمتدّ بعضُها في التاريخ، ليرتبط بطقوس ورموز من الديانات القديمة.

التشريب و"شحدة" المطر بعضٌ من تلك العادات، وإن كانت قد اندثرت مع الزمن، إلا أنّ ذاكرةَ كبار السِّن لا تزال تحفظُ أشتَاتاً من سيرتِها وتفاصيلها، نوّثق هنا بعضها، كما نُقلت عمّن أدركن وشاركن في هذا الطقس في قرية عقربا، شرق نابلس.

في أواخر شهر سبتمبر/ أيلول أو أوائل شهر اكتوبر/ تشرين الأول، اعتاد الناسُ أن يضعوا أكواماً متفرقةً من الملح في العراء ليلاً. تكون في العادة سبعة أكوام، كلُ كوم يُمثّل شهراً، من شهر اكتوبر/ تشرين الأول إلى أبريل/ نيسان، وهي أشهر المطر التي تعرفها بلادنا.

ينتظر الفلاحون أكوام الملح حتى تذوب بفعل الرطوبة في الجوّ، ويدّل مستوى ذوبان تلك الأكوام على منسوب المطر، إذ يعكس كل كوم مقدار المطر في الشهر الذي يُمثله بحسب القدر الذي ذاب فيه الملح.

تُسمّى هذه العادة التّشريب، وفي اللغة نقول: تشريب الإسفنج أيّ إشباعه بالماء، ومثله تشريب المنسف بالمرق، وتشريب الخيل أي إشباعها ماءً، وتشريب الملح بمعنى إذابته إذا شرب الماء.

يجمع الأطفال هذا الملح من بيوت القرية عصر يوم التشريب، وهم يغنّون:

"أعـطونا بالغُـربال .. يا الله هَــداة البال

أعطونا بالمُنخل .. يا ريت وليدكم يدخل".

ومن يمتنع عن إعطائهم لانشغاله أو لعدم وجود الملح عنده، تُنظمُ أمام بيته موشّحات الهجاء والردح:

"دار أبو كُراكه .. طابخين إركاكه".

وإذا تأخر نزول المطر، أو شعروا بأنّ شهورهم الأولى قليلة المطر، تظهر الحاجة للاستسقاء أو الاستمطار، وهو ما يعرف شعبياً بـ"شِحدة المطر". ولهذه الشحدة تقاليد تبدأ بموكبٍ غنائيٍّ يسير فيه الأطفال وهم يطوفون بيوت القرية:

"يا ربنا يا ربنا .. واحنا أطفال إشْ ذَنبنا

طَلبنا الفَتّه من أُمنا .. ضَـربتنا عَ كُمنا".

وحين يصلون لباب دار الشـيخ أحمد في حارة "العطايشة" في عقربا، يرتفع صوتهم بالغناء، ولا يسكتون حتى تخرج إحدى النساء وترشّ الماء خلفهم:

"اسقونا يا دار الشيخ .. والميه عليكم زيح".

لسكب الماء في أثر هؤلاء الأطفال أو تحت أقدامهم، دلالةٌ واضحة على الاستبشار بنزول المطر، وهو ما يُعرف في المجتمعات القديمة بـ"سحر المُحاكاة":

"كبـوا الميه باب داركـم .. تا يـُحرث فدانـكم

كبوا الميه باب سقيفتكم .. تا تُحرث بكيرتكم".

تلي هذا الطقس الكرنفالي مسيرة أخرى تقودها النسوة أو بعض العجائز، وقد اصطحبن معهن مذارة قمح خشبية، وقد أُلبِسَت طرحة بيضاء كأنها عروس، وتُسمّى في هذه الحال "زَرافة"، ويُشار إليها في الموروث الشّعبيّ بأنها "أم الغيث". يكون معهن أيضاً ديك وجاروشة قمح (طاحونة)، بالإضافة إلى أكوام أخرى من الملح.

تسير النّسوة نحو عين الماء (عين البلد)، أو مقام الشيخ صنيبير (وهو مقام يعود للفترة المملوكيّة يقع شرق عقربا)، لاعتقاد الناس أنّه يَحسُنُ طلب المطر في حضرة الأولياء الصالحين.

يضع الموكب أكوام الملح عند المقام، أو العين، بحضور الأطفال الذين جمعوه من البيوت في عصر ذلك اليوم، وسط غناء أهازيج أشهرها مقطوعة "شوربني"، التي وردت بصيغ مختلفة:

"شـوربني يا شـوربه  .. والشـعلـوبه حرقتنا

شـعلوبه روحي عنـا .. خلي الغيـن يصلنـا

يصلنا حسن لقرع .. طول الليل وهو يزرع

يزرع في قمح بري .. افرجها علينا يا ربي

حط القمحه في الجره .. طلعت حمره محمره

خبزي قحمش في عبي .. افرجها علينا يا ربي

***

يا أم الغيث غيثينا ..جيبي المطر واسقينا

وبلّي بشيت راعينا .. راعينا حسن الأقرع

لا بشبع ولا بقنع .. طول الليل وهو يزرع

يزرع في قمح وشعير.. تا يعبي خوابينا

***

شـيخ أحمد نسترجيك .. رشق المطر يعبر فيـك

يا شـيخ ارفاعي يا جارنا .. بالله لا تضيع بذارنا

يا الله الغيث ســماوي .. بجاه شــيخنا القـرقفاوي

***

يا ربي تمطر ع الهيش ..مشان نعمل كراديش

يا ربي تمطر ع الغور .. مشان نعمل بحبثون

يا ربي بل الشُوشة .. كرامه لسيدنا أبو شوشة".

ثم تقوم إحدى العجائز بالضغط على رقبة الديك كي يبدأ بالصراخ بصوت عالي، فَيُلهِم المُشاركين بالقول:

"شو بده صيّاح الليل .. بده مطر بدو سـيل

شو بده ديك الجاجات .. بده يبل الدرجات

اطلب من ربك يا ديـك .. اطلب من ربك يسـقيك

اطلب من ربك طلبات .. اطلب من ربك العلفات".

وفي بعض الروايات ورد ذكر قيام إحدى العجائز بحرق طرف ثوبها، ومن ثمّ مسارعتها لإطفائه أمام الأطفال الذين يثيرهم الأمر ويلفت انتباههم. ثمّ تُديرُ إحدى النساء الرحى (الجاروشة) وهي فارغة كي تصدر صوتاً كالرعد. فيبدأ الغناء:

"ليش بتطحني بالليل يا اعجيز .. من قلة المطر والسيل يا اعجيز".

ويستمر هذا الطقس الشّعبيّ عند مقام الشيخ صنيبير على رأس التلة التي تُطلّ على غور الأردن، ويتواصل الغناء الشعبي والأهازيج التي يُشحد من خلالها المطر إلى وقت متأخر. مساءً تعود النسوة ومعهن الأطفال إلى القرية في ذات الحماس الغنائيّ، مترقبين صباح اليوم التالي للتأكد من ذوبان أكوام الملح والاستبشار بنزول المطر.

"ما انتلاش بير الجناين .. من كثرة الحمايل

ما انتـلاش بيـر الوادي .. من كبـرة العبادي

من انتلاش بير الحـارة .. من بَطَـر الأمـاره

***

يا الله الغيث ويا رحمن .. واسقي زرعنا العطشان

يا الله الغيث ويا كاشف .. اسقي زرعنا الناشف

يا الله الغيث ويا دايم .. اسقي زرعنا النايم

يا الله الغيث ويا بصير .. اسقي زرعنا القصير

يا الله الغيث ويا معين .. اسقي زرع الفلاحيين".

لا تنتهي شحدة المطر إلا بنزوله، إذ تُعاد طقوسها مرةً تلو أخرى إلحاحاً في طلب المطر. وفي حال لم ينفع الذهاب إلى مقام الشيخ صنيبير، تذهب النسوة والأطفال لمقامات الأولياء الأبعد عن القرية، كمقام الشيخ محمد بين قريتي عقربا وبيت فوريك، أو للأولياء الذين يُعتقد بأن لهم شأن أكبر عند الله.

ويُبدي الفلاحون خوفهم من تأخر المطر، أو أن يأتي بعد فوات الأوان للزراعة، التي هي مصدر دخلهم وحياتهم وحياة دوابهم:

"راحت أم الغيث تجيب الزمازم .. ما أجت إلا الزرع طول السنابل

راحت أم الغيث تجيب رعود  .. ما أجت إلا الرعد طول القاعود

راحت أم الغيث تجيب الرياح .. ما أجت إلا الزرع طول الرماح

راحـت أم الغيـث تجيب المطر .. ما أجـت إلا الـزرع طـول البقـر".

كانت هذه العادة الشعبية سائدةً في عموم فلسطين وبلاد الشّام، على اختلاف تفاصيلها، وهناك مئات الأبيات والأهازيج التي وردت في موضوع شحدة المطر وطلبه، ووصف شقاء الناس وضيقهم بسبب تأخره.

حمزة العقرباوي
حكواتيّ مهتمّ بالثقافة والموروث الشعبيين

إقرأ أيضاَ