fbpx

رايح أزور أبوي.. مقطع من "حكاية سرّ الزّيت"

رايح أزور أبوي.. مقطع من
الصورة الأصلية: borgenproject.org. تعديل وتحرير فنّي: متراس.

"حكاية سرّ الزيت" روايةٌ للفتيان، كتبها الأسير وليد دقّة في سجن "جلبوع" عام 2017، وتنشرها "مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي". تحكي الرواية مغامرةَ الفتى جود، وخطّته التي تتطلّب مساعدةً من أصدقائه: الأرنب السمّور، والعصفور أبو ريشة، وبراط الحمار، وأم رومي شجرة الزيتون، والقط الخنفور، والكلب أبو ناب.

"حكاية سرّ الزيت"، عملٌ يُخصّصه الأسير وليد دقّة لهذه الفئة العمريّة المنسيّة أدبياً على الصعيد العربيّ لا الفلسطينيّ فحسب، كما أنّها تختطّ لنفسها تصنيفاً ثانياً باعتبارها عملاً يندرج ضمن خانة "أدب السجون" أيضاً.

وُلد وليد دقّة في باقة الغربية، عام 1961، واعتقل عام 1986، وحُكم بالسجن المؤبّد، بعد اتّهامه بأسر الجندي الإسرائيليّ موشي تمام عام 1984 وقتله، بمعيّة إبراهيم بيادسة، وإبراهيم ورشدي أبو مخ. صدر له وهو في السجن أعمالٌ تراوحت بين المقالات والدراسات والأعمال الأدبيّة، من بينها: "صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب" (2010)، و رسالة "الزمن الموازي" (2005) التي تحوّلت إلى عمل مسرحي عُرض نهاية 2015، و"حكاية سرّ الزيت" (2018)، التي ينشر منها "متراس" هذا المقطع (ص 36-40):


"رايح أزور أبوي".

"وين أبوك؟".

"أبوي في السجن"، ردَّ جود بكلِّ بساطة.

"بدَّك تزوره في السجن؟!"، سألت المرأة باستهجانٍ شديدٍ بعد أن سمعت إجابة جود. "كيف بدَّك تزوره بدون تصريح؟ لأ ما بصير"، ثم واصلت حديثها بعد أن بقي جود صامتاً، وقالت: "إلي ابن في السجن، كل سنة تا يطلعلي تصريح، ومرَّات بصل باب السجن وما بيخلُّوني أزوره. إنتَ لازم ترجع على بيتكم، إنتَ بعدك صغير، هذي مخاطرة!".

"واللِّي بتعملوه مش مخاطرة؟ كلنا بنخاطر. لو كنت بنظرهم صغير كان أعطوني تصريح! أنا من يوم ما انولدت وأنا بنظرهم كبير، وخطر أمني ممنوع من الزيارة"، ردَّ جود بلا تردُّدٍ أو تفكير.

"يا خالتي مخاطرة عن مخاطرة بتفرِق. أنا بحبّ ابني اللِّي في السجن، وربنا يعلم قدِّيش، بس ما بخاطر مشان أزوره، اللّي بخاطر عشانهِن خواتُه التنتين، بشتغل عشان أعلّمهن، الشوق مَقدور عليه، بَس الفقر والجهل لأ".

ظلّ جود مُنصتاً يُفكّر في حديث المرأة التي قالت إنَّها تدرِّس ابنتيها في الجامعة، وأنّها المُعيل الوحيد للأسرة بعد اعتقال ابنها ووفاة زوجها بعد هدم بيتهم "شقا عمرهم" بأشهرٍ قليلة.

"عُمرُه البيت، اللِّي بناه ببني غيره، وما بِعمِّر البيوت إلا تربية الولاد وعلامهم [تعليمهم]، روح يا خالتي لإمّك ودير بالك على مدرستك".

عمل لـ فؤاد اليماني

عمل لـ فؤاد اليماني

كاد جود أن يقتنع بضرورة عودتهم، فهو يدرك ما تقوله الخالة، لكنّه شعر بالحرج الشديد من أصدقائه. فبعد كل هذا الجهد الذي بذلوه، سيعودون أدراجهم دون أن يحقّقوا ما جاؤوا من أجله! ظلَّ جود ساهماً إلى أن جاء حديث أبي ناب الذي أنقذه من الحرج ومن عناده الذي قد يعرِّضهم للخطر الحقيقيِّ، عندما قال إنّهم حسبوا حساباتٍ صحيحةً ودقيقةً في عبور الجدار، وهذا الجزء من الخطّة نفّذوه بالكامل ودون عراقيل، ولكنه كان الجزء الأسهل، وأنَّهم لم يحسبوا حساب سور السجن الذي ظنّوا أنّه كالجدار، وأنّهم سيتمكنون من اجتيازه بنفس الطريقة. لكن، وكما قال أبو ناب، فإن اجتياز جدار السجن يحتاج إلى تفكيرٍ وجهدٍ خاصٍّ ومختلف.

أكّد السمّور والخنفور على كلام أبي ناب، وأكّدوا لجود أنّهم لم يفشلوا، والدليل أنّهم تجاوزوا الجدار ووصلوا إلى هنا، ثم أخبروه أن الفتحة التي عبروا منها ستظلُّ موجودة، ويُمكنهم عبور الجدار منها متى شاؤوا، وتعاهدوا على أن يبقوا أصدقاء أوفياء له، وأنّهم سيكونون معه دائماً حتى يزور والده في السجن.

خرج الجميع من الكهف، ولم تخرج الخالة إلّا حين خرج جود واطمأنت أنه عاد أدراجه نحو الجدار، فقد لمست من حديثه عزّة نفسٍ وعناداً وشوقاً شديداً لوالده، وخشيت أن يقوده الأمر إلى مخاطرةٍ غير محسوبة، وظلت واقفةً تُراقبه إلى أن ظهر أبو ريشة مُجدّداً، وبدأ في استطلاع طريق عودتهم.

غطّ جود في النوم قبل أن يصل فراشه ويخلع حذاءه، فقد نام على كنبةٍ قديمةٍ وضعتها أمّه في ساحة البيت تحت شجرة التوت. استيقظ فزعاً والحمار براط يشدُّه من نعله بأسنانه الكبيرة. سحب جود ساقه ونهض وهو يتراجع إلى الخلف متعثّراً.

"شو بدّك؟" قال جود وهو يتصبّب عرقًا، "بدّك تاكل توت كل على راحتك".

"ما جيت آكل، صحِّيتك من النوم لأحكي معك بموضوع مهم".

"وهيك بيصحُّوا الواحد من النوم!؟".

"وليش هيك الواحد بينام بالصُّرماية!؟ [نعل/ حذاء]".

"إنت آخر واحد يا براط بيحكي عن النوم بالصُرماية، ليش عُمرك شَلَحت من رِجلك!؟"، ثم التقط جود أنفاسه وقال: "شو هالموضوع المهم اللِّي بدَّك تحكي عنُّه؟".

"موضوع زيارة أبوك".

"شو عرَّفك؟"، سأل جود باندهاشٍ شديد.

"أبو ريشة…".

"يلعن أبو ريشة ويلعن ثرثرته"، صاح جود بصوتٍ عالٍ.

"مع مين بتحكي يمَّا؟"، صاحت أم جود من داخل البيت وهي جالسةٌ في غرفة الضيوف مع عمَّته خديجة، ثم جاء صوتها وهي تقول لعمَّته: "شايفة الولد، من كُثُر قهرُه على منع الزيارة صار يحكي مع حاله ويشكي همُّه للشجر والحجر!".

ابتسم جود بسماعه كلمات والدته، فأخفض صوته موشوشاً الحمار براط في أذنه: "شو بدَّك تحكي عن زيارة أبوي؟".

"اليوم حرثت في خلِّة العجوز، وحكيت أنا وإم رومي في الموضوع بعد ما عرفت بمحاولتكم الفاشلة".

قاطعه جود قائلاً: "المحاولة مش فاشلة، المحاولة ناقصة. بعدين مين هاي إم رومي؟".

"إم رومي زيتونة عمرها ألف وخمسميّة سنة، قالتلي حلّك عندها".

"كيف؟".

"ما بعرف، ما حكتلي، بس قالت لازم يزورني ضروري".

وليد دقّة
كاتب فلسطيني في الأسر

إقرأ أيضاَ