27 يوليو 2021

"حربٌ" بعد الحَرب: مصانعُ مُعطَّلة وأرزاقٌ مقطوعة

"حربٌ" بعد الحَرب: مصانعُ مُعطَّلة وأرزاقٌ مقطوعة

زفرَ بضيقٍ، وقال: "بعد الحرب، إلي شهر تقريباً، مقضيها عالشط، لا شغلة ولا عملة ولا حتى مصروف الأولاد في جيبتي". أماطَ ملامح الجديّة عن وجهه، وأشار بيده إلى الأمام، وأكمل ساخراً: "منيح ما مية البحر بتيجي عن طريق الاحتلال، كان حتى بحر ما عنا".

نهاية مايو/أيار الماضي، تعطّل يونس أبو مسامح (27 عاماً) و40 عاملاً غيره عن عملهم في إحدى مصانع الخياطة في قطاع غزّة، وذلك بعد توقّف العمل فيه إثر منع الاحتلال إدخالَ الأقمشة إلى القطاع. كانت الأقمشةُ واحدةً من جملة البضائع التي حُرِمَ منها قطاعُ غزّة بفعل تشديد الحصار الإسرائيليّ وإغلاق المعابر بعد العدوان الأخير.

يقول أبو مسامح إنّه يعيش بلا دخلٍ منذ قرابة شهرين، ودون أن يجدَ في يده مقوِّمات ماديّة لفتح أي "بسطة أطعمي أولادي منها". يضيف: "نجونا من حرب ودخلنا في حربٍ على لقمة أولادنا". يروي أبو مسامح بذلك حكايةَ غالبية العمّال وأصحاب المصانع في غزّة الذين نجوا من التدمير والقتل خلال العدوان الأخير، لكنّ الاحتلال حفظ نصيبَهم من التجويع والإفقار.

اقرؤوا المزيد: قصفُ الاحتلال لغزة: "أقصف الآن، ليموتَ لاحقاً"

حربٌ على الصِّناعة

يقول محمد المنسي، رئيس اتحاد الصناعات الهندسيّة والمعدنيّة في قطاع غزّة، إنّ الاحتلال استهدفَ في عدوانه الأخير (مايو2021) ما يزيد عن 300 مرفقٍ تجاريٍّ وصناعيّ وخدماتيّ، دُمّر منها بشكلٍ كامل قرابة 30 مصنعاً ومنشأةً حرفيّة، فيما كانت الأضرار على المرافق الأخرى جزئيّة. 

في المنطقة الصناعيّة شرق مدينة غزّة مثلاً، دَمَّر الاحتلال 10 مصانع بشكلٍ كليّ، منها مصانع للأخشاب والأثاث، والمُنظفات، والصناعات الغذائية. وفي المنطقة ذاتها، تضرّر 14 مصنعاً بشكلٍ جزئيّ إثر القصف الإسرائيلي. 

من تلك المصانع مصنع "أبو عميرة"، وهو المصنع الوحيد في غزّة لإنتاج الأدوات البلاستيكية. يقول كريم أبو عميرة، أحد أصحاب المصنع: "إنّ الاحتلال تعمّد تدمير أهم آلة في خط إنتاج المصنع، والتي يصعب تعويضها إثر منع الاحتلال إدخال المعدات التكنولوجيّة والصناعيّة إلى غزّة". وما زال المصنع متعطلاً عن العمل إلى اليوم. 

أما المرافق التي لم تنلها صواريخُ الاحتلال فقد نالتها سياسةُ الحصار، إذ أدّى منع إدخال المواد الأوليّة إلى تعطيل عشرات المشاريع الإنتاجيّة والصناعيّة. وفق رئيس اللجنة الشعبية لرفع الحصار عن غزّة، جمال الخضري، فقد تعطَّل أكثر من 90% من مصانع غزّة عن العمل، فيما تعمل الـ10 % بأقل من قدرتها، إثر منع إدخال البضائع والمواد الأوليّة.

تُشير هذه الأرقام المجرّدة إلى حياة الآلاف من الفلسطينيين في القطاع الذين فقدوا إثر هذا التدمير مصادرَ دخلهم. هنا، يقول رئيس اتحاد العمال في غزّة سامي العمصي، إلى أنّ 20 ألف عامل - على الأقلّ - من مختلف مجالات العمل، تضرّروا بصورةٍ مباشرة وغير مباشرة، بفعل العدوان الأخير على القطاعات الصناعيّة والتجاريّة، وتبعات تشديد الحصار. 

من جهةٍ أُخرى، وحسب وزارة الصناعة في غزّة، فإنّ القطاع الصناعيّ يشكّل ما نسبته (8-10%) من مصادر الدخل المحليّ لقطاع غزّة، وهي النسبة التي ستخضعُ لمتغيراتٍ عميقة بفعل العدوان الإسرائيليّ الأخير. تُشير الوزارة كذلك إلى أنَّ نسبة البطالة في القطاع في ظلّ جائحة كورونا وصلت إلى 53%، وفي ظلّ تبعات العدوان فإنّ النسبة مرشحةٌ للارتفاع أكثر. 

المنطقة الصناعيّة والشوارع الحيويّة: "سلامٌ" وقت الحاجة

بدأ العمل على تأسيس المنطقة الصناعيّة الواقعة على الشريط الحدوديّ الشرقيّ لغزّة عام 1996، بدعمٍ أميركيّ وأوروبيّ، وبالشراكة مع شركة "باديكو القابضة" التي يرأس مجلس إدارتها بشار المصري، لتكون أوّل منطقة صناعيّة تأسس بعد إنشاء السّلطة الفلسطينيّة ضمن مشاريع "السلام الاقتصاديّ"، ويعمل فيها اليوم حوالي 2500 عامل.

فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي أصابت حي عمر المختار في غزة ، 12 مايو/ أيار 2021 . تصوير: مصطفى حسونة / وكالة الأناضول.

قدّمت هذه المنطقة الصناعيّة، التي بدأت عملها رسمياً عام 1999، ميزاتٍ استثماريّة لجذب رؤوس الأموال في غزّة، بدءاً من الضمانات الضمنيّة بعدم استهدافها على اعتبار أنّها "تابعة للسلطة الفلسطينيّة"، وصولاً إلى تسهيل إصدار تصاريح المرور للتجار عبر حاجز بيت حانون (إيرز)، وإعطائها الأولوية في تصاريح الاستيراد والتصدير. كما أنها خضعت لترتيباتٍ محدّدة: يحظر دخول أيّ شخص بلا تنسيق مع إدارة المنطقة، وتخضعُ لمراقبة إسرائيلية مستمرة، وبالكاد يتواجد فيها عسكريون أو أفرادٌ من الشرطة الفلسطينيّة.

كان قصفُ الاحتلال لهذه المنطقة الصناعيّة في العدوان الأخير هو الاستهداف الأول لها، إذ لم تتعرّض طوال الحروب وجولات التصعيد الماضية لأيّ استهداف. أما شارع عمر المختار، فقد وُصف أكثر من مرة على أنّه "أهم المناطق التجاريّة في غزّة"، وإلى جانب حيويته كونه الشارع الرئيس في مدينة غزّة، فإنّه لم يتعرض طوال الحروب أو جولات التصعيد، لضررِ كبير كالذي حدث في العدوان الأخير، الأمرُ الذي كان سبباً في تشجيع الكثير على الاستثمار والتجارة فيه.

قد يُشير هذا التحول، إلى جانب استهداف المنشآت التجاريّة والخدماتيّة في شارع الوحدة وسط غزّة، إلى مستويات جديدة من ضرب البنى التحتية والحاضنة الشعبيّة، يتعمّد فيها الاحتلال إدخال مناطق جديدة وشوارع تجاريّة حيويّة إلى دائرة الاستهداف، بهدف تدفيع الناس الثمن. هذا الاستهداف يُفقد المزيد من العمّال مصادر رزقهم، ويزيد من عبء الحصار وتكاليفه، ويُشكّل نوعاً من التهديد الذي تستخدمه "إسرائيل" للقول إنّها مستعدة لمزيد من التدمير. 

فلسطينيون يتفقدون شارع الوحدة والأضرار التي حلّت به جراء قصف الاحتلال في العدوان الأخير على قطاع غزة. 21 مايو/
أيار 2021. تصوير: Laurent Van der Stockt.

ما بعد الحرب: آثارٌ مُزمنة

حسب تقدير اللجنة الحكوميّة العليا لإعمار غزّة مطلع يوليو/تموز الجاري، فإنّ إجمالي الأضرار المباشرة لقطاع التنمية الاقتصاديّة بفعل العدوان بلغ 156 مليون دولار، وفق التقسيم التالي: 74 مليوناً و200 ألف دولار في قطاع الاقتصاد (يشمل المنشآت الصناعيّة)، و3 ملايين و640 ألف دولار في قطاع السياحة (يشمل الفنادق والمطاعم)، و78 مليوناً و250 ألف دولار في قطاع الزراعة.

لا تقتصر آثارُ عدوان الاحتلال على الضرر المباشر الذي تتعرّض له المنشآت الصناعيّة والاقتصاديّة، بل تمتدُّ هذه الآثار لسنواتٍ طويلة، إثر غياب التعويض وعرقلة إعادة الإعمار من طرف الاحتلال. يدفعُ ذلك بعضَ أصحاب المصانع إلى إغلاقها في انتظار التعويض، فيما يتكبَّدُ آخرون ثمن إعادة إعمار منشآتهم على نفقتهم الخاصة.

منذ عدوان 2014 حتى الآن، لا تزال 1033 منشأةً في القطاع الصناعيّ تنتظر عملية إعادة إعمارها، وفق المنسي، رئيس اتحاد الصناعات. يقول المنسي أيضاً إنّ غالبيةَ المصانع التي تدمَّرَت في العدوان عام 2014 لم تتلقَ من وزارة الاقتصاد تعويضاً يتجاوز الـ 7% من قيمة الأضرار.

حتى المصانع التي أعيد إعمارها بعد 2014، فإنّها لم تعد للعمل بكامل قدراتها، وهو ما يترك آثاراً مزمنة على مستويات البطالة والفقر. حسب المنسي، كان عددُ العاملين في القطاع الصناعيّ نحو 130 ألف عامل، فيما يصل إجمالي عددهم الآن بفعل تدمير وتعطل المنشآت إلى حوالي 12 ألف عامل فقط.

يريد الاحتلال بهذه السياسة، تدمير أقدام غزة، ومقومات الصناعة في غزة وبقاء غزة، مُستهلِكًة، ومرهونة باقتصاد الاحتلال، كما يقول المنسي.

تعويض؟ لا يدّ تُمد لأصحاب المصانع والورش

كان على إياد السوافيري، نهاية العام الماضي أن يلملم شتات "مصيبته"، وأن يستدينَ ليعيد استصلاح ورشة النجارة التي تدمرت إثر غارةٍ إسرائيلية في جولة التصعيد التي حدثت بين المقاومة والاحتلال في 15/12/2020.

يقول السوافيري: "زارتنا الجهات المختصة، وعاينت الأضرار. وسلَّموني ورقة! وبعدها ولا أيّ خبر عنهم". تحمّل السوافيري قيمة ترميم منشأته، التي وصلت لـ8 آلاف دولار على حسابه الشخصيّ. وأعادها إلى العمل، لكن، بنصف قدرتها الأصلية، إذ بعد أن كان يعمل لديه 6 عمال، أصبحوا الآن ثلاثة تقريباً".

السيناريو ذاته، يتكرّر الآن مع شقيق إياد السوافيري، صاحب مصنع ضخم للأثاث، في المنطقة الصناعية، دمِّر في العدوان الأخير. بلغت قيمة خسائر المصنع مليوناً و200 ألف دولار، وفق السوافيري الذي يضيف: "كان في شغل بقيمة 350 ألف شيكل جاهز للتسليم، وهاد كله إحنا رح نتحمله. لأنه الجماعة بيجوا يعاينوا الأضرار وبقولونا السلام عليكم".

صورة تظهر حجم الدمار الذي حلّ بمصنع السوافيري للأثاث، المنطقة الصناعية، شرق غزة. 25 مايو/ أيار 2021. تصوير: مجدي فتحي.

المشكلة أيضاً لا تقتصر على الأضرار، بل في ما بعد ذلك، إذ يمنعُ الاحتلال إدخال المعدات الصناعية الثقيلة إلى غزة، التي يحتاجها قطاع الصناعة على اختلاف مجالاته في غزة، كـ: الصناعات الغذائية، والأثاث والبلاستيك، بحجة أنها آلات ثنائية الاستخدام (مدني/عسكري).

بحسب السوافيري: "يمنعُ الاحتلال إدخالَ آلات النجارة إلى غزة. ويحتاجُ إدخال آلةٍ واحدة لتنسيق طويلٍ عريض، يمكن أن يقابل بالرفض في النهاية". يؤدي نقص المعدات وعدم تحديثها، إلى تحجيم قدرات المصانع أيضاً، ووأد أي فرصٍ لتوسعة مشاريعهم.

اقرؤوا المزيد: "غزّة والصيد المُلَغَّم.. هكذا نُحاصَر في بحرنا"

يعترضُ طريق تعويض أصحاب المصانع وإعادة أعمار المدمرة منها كثير من العراقيل، إذ تعتمد بشكلٍ أساسي على المنح الخارجية وقيمتها. ولدى سؤالنا وزارة الاقتصاد وهي الجهة الحكومية المختصة بالموضوع، عن آلية التعويضّ وإعادة الإعمار، قال المتحدث باسم الوزارةّ عبد الفتاح أبو موسى، إنّ عملية التعويض مرهونة بحجم المساعدات والمنح الخارجية المقدمة من الجهات المساهمة، خاصّة في ظلّ الحصار الشديد. 



16 مايو 2020
التهمة: توزيع طرود غذائيّة!

في الوقت الذي أدّت فيه إجراءاتُ حالة الطوارئ في الضّفة الغربيّة إلى توسيع دائرة العوز والاحتياج، لم تتوانى أجهزةُ السّلطة…