6 أكتوبر 2019

تهويد وطرد وتفاوض

سيرة الخرائط الإسرائيليّة

سيرة الخرائط الإسرائيليّة

رَكَّزَ المشروعُ الاستعماريُّ الاستيطانيّ في فلسطين على مصفوفة الضّبط والسّيطرة بهدف تطويع الفلسطينيّين واحتوائهم وتأمين تبعيتهم والسّيطرة على حركتهم.1راسم خمايسي، “مصفوفة الضبط الممارسة لإحداث التغييرات الديموغرافية والحضرية الفلسطينية في القدس،” المركز العربي للأبحاث ودارسة السياسات، ملف ندوة قرار نقل السفارة الأميركية ووضع القدس القانوني والسياسي، 24 فبراير/ شباط 2019، شوهد في 22/9/2019، في https://bit.ly/2II21NJ.. قبل النكبة وبعدها، اعتمدت الحركةُ الصهيونيّةُ وأتقنتْ أدواتٍ عدّة لتحقيق أهداف الضّبط والسّيطرة، من بينها صناعة الخرائط. 2Elia Zureik, “Strategies of Surveillance: The Israeli Gaze,” Jerusalem Quarterly, no. 66 (2016), p. 16.. تُمكّنُ صناعةُ الخرائط الصهيونيّةَ من شرعنة أيّ تغيير للوقائع الديموغرافيّة والجغرافيّة على الأرض، وتثبيتها كمعطىً سياسيّ وتوثيقها قانونيّاً، بحيث تُوَظَّف في خدمة أهدافها الاستعماريّة؛ في خدمة السّيطرة على الأرض وطرد أهلها، ولتغيير الواقع الجغرافيّ عبر سياسات التهويد.

صنعت الحركةُ الصهيونيّة أولَ خارطةٍ مطبوعةٍ لفلسطين في مايو/ أيار 1865، وقد تزامنَ ذلك مع تأسيس “صندوق استكشاف فلسطين” Palestine Exploration Fund بهدف الكشف عن آثار فلسطين وطبوغرافيتها وجغرافيتها وجيولوجيتها وتاريخها الطبيعيّ. احتوت هذه الخارطة على 26 خريطة تفصيليّة تشمل مسحاً جغرافيّاً دقيقاً ومفصّلاً لأسماء المواقع القديمة والخرب والقرى والآبار والمزارات والينابيع والقلاع والأنهار. وقد اعتمد الصندوقُ في مسحه جغرافيا فلسطين على عملٍ أنجزه المستشرق السويسريّ تيتوس توبلر Titus Tobler، ومن بعده المستشرق الفرنسيّ فيكتور جويرين Victor Guérin منتصف القرن التاسع عشر الميلاديّ.

تعتبر صناعةُ الخرائط أداةً مُهِمَةً لممارسة السّيطرة الحقيقيّة على الأرض وفي عملية التوسع الاستعماريّ الأوروبيّ. فقد استخدمت أوروبا الاستعماريّة صناعة الخرائط بوصفها أداة مهمة في توسيع الهيمنة والنفوذ، من خلال تسهيلها عملية السيطرة والاستيلاء على أراضي الغير، وتبرير غزوها واحتلالها واستعمارها للعديد من المناطق في العالم3Jeffrey C. Stone, “Imperialism, Colonialism and Cartography,” Transactions of the Institute of British Geographers, Vol. 13, No. 1 (1988). pp. 57-64 (8 pages).. تناقش الكتابات عن الاستعمار والاستعمار الاستيطانيّ، كيف عمل المستعمِر البريطانيّ على صناعة أول خريطة لأفريقيا لتسهيل استعماره لها. كما تناقش دورَ صناعة الخرائط في منح المستعمِر الأوروبيّ “شرعيةً” لفرض سيطرته وهيمنته على المستعمرات في العالم، ودورها في منحه القدرة على إعادة تشكيل جغرافيا أماكن عدة في العالم.4Allison Meier, “How Cartography Helped Make Colonial Empires,” Hyperallergic, November 3, 2013, accessed on 10/9/2019, at: https://bit.ly/2kCd3fr

توثيق التهويد، تنظيم التهجير

مهّد المستشرقون الأوروبيّون الطريقَ بهذا المسح أمام الحركة الصهيونيّة لتغيير الأسماء العربيّة للمناطق الفلسطينيّة إلى أسماء توراتيّة. في العدد الأول لمجلة “صندوق استكشاف فلسطين” الصادر عام 1869 ظهرت على غلاف المجلة العبارةُ التالية: “جمعية من أجل البحث الدقيق والمنظّم في الآثار والطبوغرافيا والجيولوجيا والجغرافيا الطبيعية والتاريخ الطبيعيّ وعادات وتقاليد الأرض المقدسة لغاية التوضيح التوراتيّ”.5للمزيد ينظر في: أحمد الدبش، “اختلاق تاريخ وجغرافيا “إسرائيل” (1)،” باب الواد، 27/10/2017، شوهد في 14/9/2019، في: https://bit.ly/2mfPt8L/.. بفضل خرائط “صندوق استكشاف فلسطين” حصلتْ الحركةُ الصّهيونيّةُ على فرصةٍ تاريخيّةٍ لإجراء عمليةِ مسحٍ وتنقيبٍ ضخمة عن جغرافيا وتاريخ فلسطين من جهة، وإحداث تغييرات جذريّة في الوثائق المعتمدة، بحيث تغيّر أسماء المناطق العربيّة وتمنحها أسماءً توارتيّةً من جهة ثانية، وهي مهمة ساهمت في تسهيل الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها منها لاحقاً.

خارطة فلسطين عام 1880 بحسب صندوق اسكتشاف فلسطين.

..

استمر اهتمام المشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ بصناعة خرائط عن فلسطين. في أوائل القرن العشرين تأسس “الصندوق القوميّ اليهودي” بوصفه وكالةً لجمع المال من يهود العالم بهدف استملاك أراضي الفلسطينيّين والاستعلام عنها وشرائها. أنشأ الصندوق سجلاً مُفصّلاً عن جميع المدن والقرى والمناطق في فلسطين بهدف تسهيل استعمارها. وقد ظهرت نتيجة السّجل المفصّل من خلال خرائط للمدن والقرى الفلسطينيّة أواخر ثلاثينيات القرن المنصرم، مع إنشاء ما عُرِفَ باسم “ملف القرى”، وهو ملف يحتوي خرائط وصوراً ومخططاتٍ هيكليّةً وطبوغرافيّةً مُفصّلةً لكلّ القرى الفلسطينيّة، بما يشمل خريطة القرية وموقعها الجغرافيّ، وعددَ سكانها، والطرقَ المؤدية إليها، ومواردها الطبيعيّة، ونوعية أراضيها، ومصادر دخلها وتكوينها الاجتماعيّ والسياسيّ. 6Ronit Lentin, “Race and Surveillance in the Settler Colony: the Case of Israeli Rule Over Palestine,” Palgrave Communications, vol. 3, no. 17056 (2017), p. 6.

شكّلت تلك الخرائط المدوّنة في “ملف القرى” مصدراً أساسياً للمعلومات لدى العصابات الصهيونيّة، فمن خلالها عرفوا الطرقَ المؤديةَ إلى المدن والقرى، وعرفوا قدراتها البشريّة وخصائصها الطبوغرافيّة، الأمر الذي سهّلَ مهمة الهجوم عليها ومن ثمّ تهجير الفلسطينيّين منها عام 1948.

من النكبة حتّى أوسلو: من يرسم صورة الواقع؟

بعد النكبة، استفادت “إسرائيل” في حكمها العسكريّ من الخرائط التي أنتجها الصندوق القوميّ اليهوديّ. ساعدت هذه الخرائط دولة الاحتلال في تنفيذ العديد من السياسات الاستعمارية أهمّها: تقسيم الأراضي التي سيطرت عليها إلى ثلاث مناطق (شمال ووسط وجنوب)، ومنع الفلسطينيّين من التحرك من قراهم ومدنهم دون الحصول على تصريح من الحاكم العسكريّ، وإعلان مناطق محددة بوصفها مناطق عسكريّة مغلقة، ومصادرة الأراضي المتروكة، وتسميّة المدن والقرى والمواقع العربية بأسماء يهوديّة توراتيّة. بواسطة خرائط الصّندوق القوميّ اليهوديّ ثبّت ووثّق وشرعن المستعمِرُ الصّهيونيّ واقعاً جغرافيّاً وديموغرافيّاً غير مسبوق. سهّل هذا الواقعُ حُكَمَ الاستعمار الصهيونيّ، ومنعَ عودةَ اللاجئين إلى أراضيهم، وسرّع في عملية تغيير جغرافيا المناطق العربيّة وتهويدها. وقد طُبّقت السياسات ذاتها على الأراضي المحتلّة عام 1967.

لاحقاً، في النصف الثاني من السبعينيّات تصاعد اهتمام “إسرائيل” بصناعة الخرائط، وارتبط ذلك بالبناء الاستيطانيّ في فلسطين. استفادت “إسرائيل” من فرض سيطرتها المباشرة على الضّفة الغربيّة من أجل زيادة عدد المستوطنين والمستوطنات من 26 مستوطنة عام 1977 إلى 118 مستوطنة عام 1990. 7.Yotam Berger, “How Many Settlers Really Live in the West Bank? Haaretz Investigation Reveals,” Haaretz, 15/6/2017, accessed on 24/9/2019, at: https://bit.ly/2TyAly9. .وبالتوقف عند طبيعة التوسع الاستيطانيّ الحاصل حتى مطلع تسعينيات القرن المنصرم، أدرك المستعمِر الإسرائيلي في حينه حجم التغيُّر الجغرافيّ الذي خَلَقه على الأرض، والحاجة إلى توثيق وتثبيت هذا التغيير الجغرافيّ الهائل بواسطة الخرائط. ونرى ذلك في استعجال المفاوض الإسرائيليّ فرض الخرائط المصنوعة إسرائيليّاً على طاولة المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينيّة في أوسلو، والتي تحتوي على رسوم وصور وبيانات عن الأرض والسّكان.

اعتمدت “إسرائيل” في أوسلو على الخرائط التي أنتجها مركز ترسيم الخرائط الإسرائيلي، وهو مركز يتبع لوزارة البناء والإسكان الإسرائيلية، ويهتم بعملية الإشراف والتخطيط والتنفيذ لعملية صناعة خرائط مساحة وخرائط جغرافيّة وفقاً للاحتياجات الاستعمارية.8“مركز ترسيم الخرائط في اسرائيل، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”، شوهد في 9/9/2019، في: https://bit.ly/2m8lY8R

.قدّم المفاوضُ الإسرائيلي خرائطه بوصفها أمراً واقعاً لا أمراً خاضعاً للنقاش، وأخضع أي إجراءات إلى الواقع الجغرافيّ القائم. منح ذلك المفاوض الإسرائيلي إمكانيةَ فرضِ شكلِ وطبيعةِ تقسيم البانتوستونات الفلسطينيّة والإسرائيليّة في اتفاقيات أوسلو، دون المساس بالوقائع الاستيطانية التي خلقها المستعمِر في فلسطين. وضع هذا التقسيم الفلسطينيّين في معازل جغرافيّة تفتقر للموارد الطبيعية. في مقابل ذلك، منح الإسرائيليين معازل جغرافيّة غنيّة بالموارد الطبيعية، ما يعني أن الفلسطينيّين في أوسلو وقعوا على اتفاقية، مرجعها خرائط أنتجها المستعمِر الإسرائيلي، سجنتّهم في مجموعة من الأقاليم الفقيرة، غير المتجانسة والمعزولة عن بعضها البعض، دون أن يُدركوا ماهيّة تلك الخرائط وتأثيراتها.

خاتمة تصل يومنا هذا

وظّفت الحركة الصهيونيّة، ومن بعدها “إسرائيل”، الخرائط في سبيل  فرض واقعٍ استعماريّ استيطانيّ. بدأ ذلك مع أول خارطة هدفت إلى تغيير الوقائع الجغرافيّة والديموغرافيّة على الأرض، ومن السيطرة على الأرض وطرد الفلسطينيين منها، ومنع عودتهم إليها، وتهويد وعبرنة وأسرلة المناطق التي بقي الفلسطينيون فيها. بفضل صناعة الخرائط، تشرّعن “إسرائيل” الوقائع التي تخلقها على الأرض، بالسيطرة على أراضي الفلسطينيين، وهدم المباني والمساكن الفلسطينية وطرد أهلها منها، والتوسع الاستيطاني، وتغيير أسماء المدن والقرى والشوارع العربية إلى يهودية.

في السنوات الأخيرة، ومنذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئاسة الأميركيّة، سعت “إسرائيل” إلى إقناع الإدارة الأميركية بضرورة الاعتراف بالسيادة الإسرائيليّة على القدس والجولان، ومن المرجح غور الأردن قريباً. في مساعيه لتثبيت تلك  السيادة، نرى رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، مدعماً بخرائط تؤكّد على الوجود الإسرائيليّ، وتُقنع باستحالة تقسيم الأرض إلى دولتين فلسطينيّة وإسرائيليّة. هذا قد يُفسر هوّس نتنياهو في العامين الأخيرين باستعمال الخرائط المصنوعة إسرائيليّاً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأمام لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، وأمام المؤتمر الاقتصادي السنوي في تل أبيب، وأخيراً أمام الإعلام الإسرائيلي عندما أعلن نيّته ضمّ مناطق غور الأردن في حال فاز في الانتخابات. ويبدو أن “حمى” الخرائط تلك انتقلت إلى غيره، فعندما أراد ترمب أن يُقدّم هديةً لنتنياهو تؤكّد الدعم الأميركيّ لـ”إسرائيل”، قدّم له خارطةً تَظهرُ فيها مرتفعاتُ الجولان بوصفها جزءاً من حدود “إسرائيل”.