7 سبتمبر 2019

المقدسيّون والجنسيّة الإسرائيليّة

كالمستجير من الرمضاء بالنار

كالمستجير من الرمضاء بالنار

في العام 2018، قدّم أكثر من 1,000 فلسطينيّ مقدسيّ طلباتِهم إلى وزارة الداخليّة الإسرائيليّة للحصول على جنسيّة إسرائيليّة. يعكسُ هذا العدد تصاعداً غير مسبوقٍ في التوّجه لطلب الجنسيّة الإسرائيليّة، إذ لم تكن الطلبات قبل أقل من عقدين، عام 2003 تحديداً، تتعدّى الـ70 طلباً1الأرقام كما وردت في تقرير للصحفي نير حسون، على جريدة "هآرتس"، بتاريخ 15.01.2019، تحت عنوان "بالنسبة لسكان شرقي القدس، كلّ الطرق تؤدي إلى رفض طلب التجنس"، بالعبرية هنا. كذلك حصلنا على معلومات من مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، والتي أشارت إلى أنه إلى تاريخ 31.06.2018 قدّمت 908 طلبات للتجنس في مكتب وزارة الداخليّة الإسرائيليّة في وادي الجوز (مراسلة داخليّة مع مدير المركز رامي صالح). هذه الأرقام لا تشمل الأطفال الذين قدّم أهاليهم طلباتٍ للتجنس، كما لا تشمل من ينتظرون موعدهم للمقابلة الشخصيّة في الوزارة بغرض تقديم طلب التجنس. هذا يعني أن الأرقام التي تنتظر سنوياً النظر في ملفاتها للحصول على الجنسيّة أعلى من المذكور..يعبّر هذا التصاعد المقلق عن تراجع ما على صعيد الموقف المقدسيّ من "إسرائيل" وجنسيّها، وتجاوزاً لما كان يوماً ما خطّاً أحمراً مُغلظاً. 

بعد أن هُجّر من هُجّر من المقدسيين خلال حرب حزيران 1967، ووُضِعَت الحافلات عند باب العامود تنقل الناس مجاناً إلى شرقيّ النهر2يذكر الكاتب الإسرائيلي أمنون رامون في كتابه "مقيمون لا مواطنون"، ص 77، أنّ حكومة الاحتلال حاولت في الأشهر الأولى بعد حرب 67 تشجيع هجرة الفلسطينيين من سكان القدس نحو الضفة الغربية والأردن. في ديسمبر/كانون الأول 1967 تحديداً أصدرت ما تُسمى "اللجنة المحدودة" التي كانت تحوي ضباطاً مسؤولين عن أمور فلسطينيي القدس قراراً بدفع ألف دولار لكل فرد يقرر الهجرة، و5 آلاف دولار للعائلة. كما شمل القرار إعفاء المهاجرين من ضريبة السفر.، بقي في القدس، شرق القدس تحديداً، ذلك العام ما لا يزيد عن 70 ألف فلسطينيّ. وجدت "إسرائيل" نفسها في مواجهة سؤال التعامل مع هؤلاء الفلسطينيّين الذين يعيشون فوق أراضٍ أعلنت ضمّها إلى حدود "عاصمتها الموحدة"؛ هل تُـجـنِّسُهم؟ أم تكتفي بإعطائهم بطاقات إقامة دائمة؟ وقد شهدت جلسات حكومة الاحتلال ما بين 11-27 يونيو /حزيران 1967 النقاش حول "الحلّ" الأنسب. لكنّها في نهاية المطاف، قررت أن تعدل عن منح الجنسيّة، وأن تكون "الإقامة" هي الصفة القانونيّة للفلسطينيّين في القدس، مع المحاولة المستمرة لتقليل أعدادهم قدر الإمكان.

في المقابل، شهدت القدس موقفاً سياسيّاً ومجتمعيّاً قطعيّاً رافضاً للتجنس منذ احتلالها عام 67، وما زالت حتى اليوم، وإن ظهر أنّ ذلك الموقف بدأ يتزعزع عند البعض. عام 1968، أشاعت سلطاتُ الاحتلال -دون إعلانٍ رسميّ- بين أهالي القدس عن "تسهيلات" تُقدّمها لهم للحصول على الجنسيّة الإسرائيليّة. لكن هذه "التسهيلات" لم تجلب أحداً تقريباً إلى مكاتب وزارة الداخليّة بغرض التجنس؛ بداية عام 1973 كان هناك 66 مقدسيّاً متجنساً فقط3كتاب "مقيمون، لا مواطنون: إسرائيل وعرب شرق القدس، 1967-2017"، للباحث أمنون رمون، بمشاركة ياعيل رونين، إصدار معهد القدس لأبحاث السياسات، 2017، ص 83. بالعبرية: "תושבים, לא אזרחים: ישראל וערביי מזרח-ירושלים, 2017-1967".. من ناحية، لم يكن الحصول على جنسيّةٍ إسرائيليّةٍ في ذلك الوقت من مصلحة المقدسيين، الذين لم يكن قد مرّ على احتلالهم أكثر من عام، والمرتبطين بعلاقاتٍ تجاريّةٍ واجتماعيّةٍ مع الأردن تحديداً وغيرها من دول العرب، الكويت مثلاً. ومن ناحيةٍ أخرى، كان الموقف الوطنيّ حينها حازماً جداً ضدّ التجنس.

ما هي الإقامة الدائمة؟

يقول الكوميديان المقدسيّ علاء أبو دياب في إحدى منشوراته على "فيسبوك" ساخراً إنّ "الإثبات الرسميّ الوحيد على كونه هو، وأهل القدس، فلسطينيّين، هو شهادة التوجيهيّ، الثانوية العامّة". أما بقية ما يحمل المقدسيّ من أوراق رسميّة، فهي إما إسرائيليّة أو أردنيّة، لا يرقى أيّ منها إلى مستوى "الجنسيّة"، وبالتالي لا يوفّر أي منها استقراراً معيشياً و"ثباتاً" للمقدسيين.

تعني الإقامة الإسرائيليّة أنّ لحاملها حق السّكن والعمل في "إسرائيل"، وأنّ له حقوقاً اقتصاديّة واجتماعيّة، لذلك يحصل المقدسيون على مخصصات الضمان الاجتماعيّ (تُسمى إسرائيليّاً "مخصصات التأمين الوطنيّ")، وهم يدفعون بالمقابل الضرائب للسلطات الإسرائيليّة. سياسياً، يحقّ للفلسطينيّين في القدس التصويت في انتخابات البلدية، والترشّح لعضوية مجلسها البلديّ (دون الترشح لرئاستها)، ولكن لا يحقّ لهم التصويت أو الترشح في انتخابات الـ"كنيست".

كما "يحقّ" للفلسطينيّين في القدس الحصول على بطاقة سفر إسرائيليّة، يُمكن أن يستخدموها للسفر عن طريق مطار بن غوريون الإسرائيليّ. وهي بمثابة وثيقة عبور، لا جواز سفر رسميّ. إضافةً إلى أن المقدسي يحمل بطاقة سفر أردنيّة (جواز مؤقت) وذلك بحكم أن الضّفة الغربيّة، بما فيها شرقي القدس، كانت تحت حكم الأردن ما بين عام 1948 و1967.

الإقامة: تهديد الثبات 

ينطوي هذا التعريف "القانونيّ" الإسرائيليّ للفلسطينيّين في القدس على الكثير من القلق؛ سلسلة طويلة من التعقيدات والإجراءات الرسميّة البيروقراطيّة. أولى هذه التعقيدات تتعلق بضرورة أن يُثبت المقدسيّ أمام وزارة الداخلية الإسرائيليّة، وبشكلٍ مُتكررٍ، "أحقّيته" في هذه الإقامة، فللإقامة شروط، في حال لم تُلبى فإنها مُعرضّة للإلغاء. أهم هذه الشّروط، أن يُقدّم المقدسيّ الدلائل التي تؤكد أن "إسرائيل" هي "مركز حياته" الأساسيّ؛ أيّ أنه يقضي غالبية نشاطاته الإنسانيّة من عمل وسكن وتعليم وحياة أسريّة داخل "حدودها" (ولا يشمل ذلك الضّفة الغربية وغزّة)، وتشمل هذه الدلائل فواتير الكهرباء والمياه وعقود إيجار البيوت وغيرها من الإثباتات.

كما أنّ صفة الإقامة لا تُوّرث للأبناء بشكل أوتوماتيكي؛ فمن يدور شك حول "مركز حياته" ولا يقدّم ما يكفي من الإثباتات؛ كأن يكون كثير التنقل إلى خارج البلاد، أو يعيش بشكلٍ أساسي داخل مناطق الضّفة الغربيّة، أو متزوج ممن لا يحمل بطاقة الإقامة، فإنّ هناك سلسلة من الإجراءات والتعقيدات عليه أن يمرّ بها ليضمن أن يُسجّل أولاده أمام وزارة الداخليّة ويحصل منها على "صكّ الاعتراف" أنّ لهم "حقّ" الإقامة في القدس. 

هكذا، باتت "الإقامة" مرتبطة بالقلق المستمر والتهديد الدائم لإمكانية التواجد والعيش في القدس. وتحت حجج مختلفة، ألغت وزارة الداخلية الإسرائيلية منذ احتلال شرق القدس عام 67 وحتى نهاية عام 2018، إقامات أكثر من 14,600 مقدسيّ. 

لماذا يتصاعد طلب الجنسيّة؟

يمكن للمقدسيين أن يُقدّموا طلباً للتجنّس وفقاً للبند رقم 5 من قانون الجنسيّة الإسرائيليّ. حسب هذا البند، على كلّ من يرغب بالتقدم للحصول على الجنسيّة أن تتوفّر فيه عدة شروط منها: أن يُتقن اللغة العبريّة بمستوى جيّد، وأن يكون مقيماً في "إسرائيل" في السنوات الثلاث الأخيرة، وأن يُقسم قسم الولاء لدولة "إسرائيل"، وأنّ يتنازل عن جواز السّفر الأردنيّ المؤقت، والأكيد أن يكون ملفه الأمنيّ "نظيفاً" من معاداة "إسرائيل". لذلك فإن جميع طلبات المقدسيين تخضع لفحص المخابرات الإسرائيليّة- "شاباك" قبل الموافقة عليها من قبل الداخليّة، وهو ما قد يُفسّر التأخر في الردّ عليها.   



يبرّر المتقدّمون بطلبات التجنس خطوتهم بأنّها تنبع من "اضطرارٍ" وليست -بالنسبة لهم- سوى "حلٍّ إجرائيٍّ" لتسهيل الحياة. بل بات هناك من يستخدم تبرير "البقاء في القدس" ليفسّرَ حصولَه على الجنسيّة الإسرائيليّة. يندرج ضمن هؤلاء من يطمح للبحث عن وظائف ومستقبل مهنيّ أو أكاديميّ خارج فلسطين، ويريد في الوقت ذاته الإبقاء على إمكانيّة التنقّل بحريّة والعودة إلى القدس. كذلك توجد فئة شبابيّة تجد أن تكاليف الحياة في مدينة القدس تفوق طاقتها، وبالأخصّ عندما يتعلق الأمر بالحصول على شقة سكنيّة تلبي الحاجات الإنسانيّة الأساسية (يصل سعر الشقة السكنية، بمساحة 90 متر مربع في القدس إلى ما يقارب 350 ألف دولار). 

عليه، يكون الحلّ لدى كثيرين بالبحث عن خيار شراء شقة سكنيّة في مناطق الضّفة الغربيّة، وهو خيار أقل تكلفةً بدرجات. في حال ظلّت الإقامة الدائمة وثيقته الوحيدة، فإن الانتقال إلى الضفّة الغربيّة قد يحول دون تمكّنه من مواصلة التنقّل والعمل داخل "إسرائيل" ومن ضمنها، بحسب التعريف القانونيّ، القدس. أما في حال كان حاملاً للجنسية الإسرائيليّة، فيُمكن الانتقال إلى الضفّة الغربيّة دون تحمّل هذه المجازفة، ولا يشترط حينها إثبات "مركز الحياة" أمام وزارة الداخليّة.

يمكن القول إن هؤلاء، في جلّهم، ينطلقون من الرغبة الشّخصيّة في تحسين أوضاعهم المعيشيّة وفي الوقت ذاته الإبقاء على إمكانيّة الحركة في المناطق "الإسرائيليّة" ومن ضمنها القدس. أو مثلما يقول أحدهم: "أنا لا أجرؤ أن أفكر بعرض عمل مُجدي خارج فلسطين، لأن ذلك يعني خسارتي لبطاقة الإقامة... أما في حال كنت أحمل الجنسية، فإنّه بإمكاني البحث عن تطوريّ الشخصيّ، بما يرتبط من ذلك من خروج من البلد فترة غير محددة، ومن ثمّ العودة متى شئت دون أن أدخل في دوامة المتطلبات الإسرائيليّة".

آخرون يتخيّلون -على نحو عجيب-  أنه في حال حملوا الجنسية الإسرائيليّة، فإنّ ذلك سُيسهل عليه مختلف المعاملات الرسميّة أمام الجهات الإسرائيليّة، مثل تراخيص البناء، والتسجيل للجامعات الإسرائيليّة، أو الحصول على وظائف معينة. وبعضهم يُبرر -دون خجل- تأييد الحصول على جنسيّة لمجرد متعة امتلاك إمكانية السّفر إلى غالبية دول العالم دون الحاجة للانتظار للحصول على تأشيرة (فيزا)، وهو أمرٌ يُتيحه جواز السّفر الإسرائيليّ.

كيف تتعامل إسرائيل مع تصاعد طلبات المقدسيين؟

كما كان الإسرائيليّ متردداً في صيغة الصفة القانونية التي سيصبغ بها المقدسيين بعد احتلال 67، يبدو أنه كذلك اليوم. فمن ناحية، لا تستجيب وزارة الداخليّة الإسرائيليّة لغالبية الطلبات المقدمة لها. وتزخر صحف إسرائيلية بمقابلات صحافيّة مع أفراد رُفض طلبهم بالحصول على جنسيّة، غالبهم لأسباب تتعلق بالأمن، كأن يكون أحد أقربائه البعيدين أسيراً سابقاً أو حالياً، أو كأن يكون هناك شكوك حول مركز حياته -كأن يكون مقيماً أغلب وقت في الضّفة الغربيّة-، أو أن لا يكون قد أتقن العبريّة بشكل كافٍ. ومن ناحية ثانية، فإنّ الوزارة تُعطّل بنداً من قانون الجنسيّة يُمكن آلاف المقدسيين من الحصول على الجنسيّة تلقائياً ودون اشتراط موافقة وزير الداخليّة. 4حسب البند 4 أ الذي أضيف عام 1968، يمكن لكلّ شخصّ أن يحصل على جنسيّة إسرائيليّة بشكل فوريّ، ودون اشتراط موافقة وزير الداخليّة (إلا في حال قضى الشخص 5 سنوات في السجن لأي تهمة، أو قام بعمل ضدّ أمن "إسرائيل")، في حال توافرت فيه المعايير التاليّة: "وُلد بعد إقامة الدولة، في مكان يقع تحت سيطرتها في يوم ولادته، ولم تكن له مطلقاً أية جنسية أخرى،… في حال طلب ذلك في الفترة بين يوم ميلاده الـ18 إلى يوم ميلاده الـ21، وفي حال كان مُقيماً في إسرائيل في آخر خمس سنوات متواصلة من يوم تقديمه للطلب". لكن فعليّاً، ترفض وزارة الداخليّة الإسرائيلية "منح" الجنسية لأهالي القدس بناء على هذا البند بحجة عدم وجود طلبات رسميّة معتمدة داخل وزارة الداخليّة تعمل وفق صلاحية هذا البند.

إلا أن الجديد، هو أن المحكمة الإسرائيلية العليا ألزمت في فبراير/ شباط الماضي وزارة الداخليّة على الإسراع في النظر في طلبات المقدسيين، وذلك بعد دعوى رفعها محامون إسرائيليّون ممثلون عن مقدسيين تقدموا بطلب التجنّس. بعد هذه الدعوى، التزمت وزارة الداخليّة الإسرائيليّة أن تردّ حتى نهاية أبريل/ نيسان الماضي على كل الطلبات التي قُدّمت عام 2016، وحتى يوليو/ تموز على كلّ الطلبات التي قُدّمت عام 2017، وحتى نهاية العام الجاري على كل الطلبات التي قدمت في 2018. أما طلبات عام 2019، فالتزمت الوزارة أن تردّ عليها خلال عام 2020. حسب تقديرات الصحافة الإسرائيليّة، فإن مثل هكذا تغيير سيُسرّع في الردّ على طلبات التجنس، وسينتج عنه ارتفاع مفاجئ في عدد المجنسين، وسيؤدي في نهاية المطاف إلى تقصير زمن الانتظار للحصول على جنسيّةٍ إسرائيليّةٍ من حوالي 6 سنوات إلى سنة واحدة لا أكثر.

مع ذلك، يبدو أن وزارة الداخلية، كما كانت "إسرائيل" عام 67، مرتبكة أمام هذا التصاعد. من ناحية، من الجيّد سياسياً -بالنسبة لـ"إسرائيل"- أن يتجنس الفلسطينيّون في القدس، فهذا سبب إضافيّ للتأكيد على أنّ إمكانية استعادة القدس أصبحت بعيدة المنال، فبعد أن يُصبح سكانها "إسرائيليين"، لا وجاهة سياسية في المطالبة بها عاصمةً لدولة فلسطينيّة في أي مفاوضات أو مطالبات كانت. من جهة أخرى، فمن المرجح أن وزارة الداخلية، ومن خلفها الأجهزة الأمنيّة الإسرائيليّة، تريد أن يبقى هذا التصاعد تحت السيطرة، وأن تبقى عملية ضبطه ممكنة، من خلال التدقيق في أي طلب يمكن رفضه استناداً للأسباب الأمنيّة، وهو تصوّر يمكن لإسرائيل أن تراكم عليه لترسم صورة مفادها أن البقاء هنا مرتبط بالخضوع السياسيّ وقبول ذلّ القوانين والممارسات الإسرائيليّة، والتنازل عن السعي للتنظيم السياسيّ ومواجهة الاحتلال.

معضلة يفرضها الاحتلال: إما المعيشة وإما الموقف

أياً كانت الدوافع، وأياً كانت الفئة المجتمعية التي تطرحها، فإنّ هذا التصاعد يطرح عدة أسئلة تتشابك مع بعضها البعض، وتستدعي التفكير الجماعيّ على مستوى أهل القدس والحركة الوطنيّة الفلسطينيّة. من ناحيةٍ، نجد أن أدوات الاحتلال الإسرائيلي في خنق المقدسيين وفصلهم عن امتدادهم الفلسطينيّ في الضّفة الغربيّة بالذات قد تعمّقت وازدادت وحشيتها واتساعها. في ذات الأمر، نجد مخططات إسرائيليّة سنويّة تُجدد كل فترة، بميزانيات هائلة، عنوانها الأول أسرلة المجتمع المقدسيّ، أو بالتعبير الإسرائيليّ الأقل حمولةً: "تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمقدسيين". تعمل هذه الميزانيات جنباً إلى جنب مع أدوات الفصل الوحشية الظاهرة (كالجدار والحواجز وغيرها)، على خلق هوية فرعيّة منفصلة للمقدسيين، تٌخضعهم للاضطرارات المعيشيّة بما يربط استقرارهم الحياتيّ باستقرار النظام الصهيونيّ.

من ناحيةٍ ثانية، لا يجد المقدسيّون في مواجهة أدوات العزل والضبط الخفية وغير الخفية من يساندهم إلا ذواتهم. أدّى القمع الإسرائيليّ إلى عدم وجود حركة وطنيّة فاعلة في القدس، وغاب من يطرح هذه الأسئلة بجديّة ويبحثها ويدرس تفاصيلها، ويضع خططاً ومقترحات للتصديّ لها، أو يفرض موقفاً حازماً اتجاهها، بعيداً عن تكرار ما قيل قبل عقود طويلة، وبعيداً عن التناول السطحيّ أو الإسراع للتخوين. لا شكّ أن طلب الجنسية الإسرائيلية كان وما زال وسيبقى مرفوضاً على الصعيد الوطنيّ السياسيّ في القدس، إلا أن الاكتفاء بالردّ بالتخوين، أو الردّ دون الخوض في تفاصيل القضية لن يؤدي إلا إلى مزيد من تأزيمها. هكذا، وفي غياب حركةٍ وطنيّة فاعلةٍ تتحمّل مسؤوليّة هذه الحالة وتوجّهها، وتقف أمام مشاريع الأسرلة والتهويد الكثيفة، يجد البعض تبريراً جاهزاً يتعلق بـ"الاضطرار"، وهو تبرير يقودهم للبحث عن المنافذ الأسهل التي تتيحها "إسرائيل". وهكذا، تُصبح "المصلحة الشّخصيّة أولاً" شعاراً براغماتيّاً تندرج تحته مختلف الحجج لتبرير المرفوض سياسيّاً واجتماعيّاً. وتبقى الخشية أن ينفرط العقد شيئاً فشيئاً.