17 نوفمبر 2019

العنف ضد النساء.. هل نسعى لحماية من "السلطات"؟

العنف ضد النساء.. هل نسعى لحماية من "السلطات"؟

تُعيد قضايا العنف المجتمعيّ في فلسطين عموماً، والعنف ضدّ النساء خصيصاً، طرح أسئلةٍ مُلحّةٍ وكثيرة. أريد هنا التوقّف عند ثلاثة محاور أراها مركزيّة؛ المحور الأوّل حول الصّعوبة التي تواجهنا كمجتمع ونساء في معالجة القضيّة، والمحور الثاني حول ممارسة العنف ومقاومته، والمحور الثالث حول التوجّه لشرطة الاحتلال الإسرائيليّ باعتبارها وسيلة يتكرر الحديث عنها في سياق التعامل مع قضايا النساء.

تكمن أحد أوجه الصّعوبة التي تواجهنا كمجتمع وكنساء عند معالجة قضية العنف في كوننا نُحبّ الجاني. إنّه أخ، أبّ، مُربي، شريك، جار، إنسان نعرفه أو تربطنا به علاقة مهنيّة، وقد يكون أيضاً رفيقاً في الأحزاب والمؤسسات الوطنيّة. لنشرح العبارة: تكمن صعوبتُنا في أحد أوجهها في استحالة نفيّ الجاني من وجداننا، أو من محيطنا، أو من عاطفتنا الإنسانيّة. يستحيل أن نرتاح منه ويرتاح منّا إلى غير رجعة، فهو قريبٌ وسيبقى كذلك، وهو جزءٌ من شبكة علاقاتنا في الحاضر والمستقبل. ويختلف هذا، مثلاً، عن المستعمِر الذي يُصبِحُ نفيّه والتخلّص منه ضرورةَ بقاءٍ وحياة.

علاوةً على ذلك، هناك مسؤوليّة أخلاقيّة فرضتها النسويّات على أنفسهنّ. تتلخّص هذه المسؤوليّة تحديداً في أنّ كلّ ما يفعله النضالُ النسويّ عليه أن يصبّ في تغييرٍ أفضل للعالم؛ تغييرٍ أفضل لنا ولِشبكة العلاقات المحيطة بنا، ومن ضمنها الرجال. يتطلّب ذلك عدم الرضوخ لطرقٍ تقليديّةٍ في محاولة تفكيك الحالة وتقديم الحلول، وهي الطرق التي أثبتتْ فشلَها عندنا وفي أماكن أخرى. كما يتطلّب ذلك التفكير والتعلّم المستمرّين لكيفيّة التعامل مع حالات التحرّش وتعنيف النساء. وقد يكون أول الدروس وأهمّها: استحالة تصدير الأزمة واستيراد الحلول من خارج حيّز وقوعها – أيّ المجتمع.

اقرأ/ي المزيد: "طالعات.. نضالنا لاستعادة السياسة "منهم" ".


مقاومة من غير قصد

بانتظار إجراء أبحاثٍ سوسيولوجيّةٍ جديّةٍ حول ازدياد جرائم قتل النساء في المجتمع الفلسطينيّ، فإنّ الإشارةَ الأولى التي يبعثُها هذا التصاعد هو ازديادُ مقاومة النساء لجميع أشكال الهيمنة الذكوريّة المفروضة عليهنّ في المجتمع، حتّى وإن كان ذلك من خلال أبسط الأمور، كَمِثل أن تنشرَ فتاةٌ صورةً لها مع شابٍ علناً. إنّ هذا الفعل "البسيط"، هو في عيون حرّاس (وحارسات) النظام الاجتماعيّ القائم، خروجٌ على دائرة الخوف، حتّى وإن كان خروجاً مصحوباً بكثيرٍ من الخوف أيضاً.

وعلى المهتمّين والمهتمّات بتغيير النظم الاجتماعيّة، أن يروا بهذا الفعل، وما يشبهه من أفعالٍ "بسيطة"، مقاومةً في اتّجاه التغيير. وفي هذا، تُقدِّم النساء نماذج وأوجهاً جديدةً لفكرة "التغيير"، إذ تَحدُث المقاومةُ حتّى وإن لم تكن مقصودةً ومخططاً لها. بل أكثر من ذلك، فقد لا ترغب وكيلةُ التغيير أصلاً بإحداث أيّ تغييرٍ كان، إنّما تتلخّص رغباتُها في أنّها ببساطة "تُريد أن تعيش"، فتصطدمُ رغبتُها البسيطةُ هذه باستحالة أن "تعيش" دون أن يتغيّرَ العالمُ من حولها.

هُنا تنهار الفكرةُ القائلةُ: "لا أريد أن أُغيّرَ العالم، ولا أريدُ للعالم أن يُغيّرني"، تنهارُ إلى غير رجعةٍ. تعرِفُ النساءُ أنّ كلّ ما حولهنّ يعاملهنّ كزائراتٍ غريباتٍ على هذا العالم، ويعرفنّ أنّ العالم إذا لم يتغيّر -عالمهنّ الصّغير المحيط بهنّ قبل كلِّ شيء- فإنهنّ سيتغيّرنّ قسراً، ويُصبِحنّ على نقيضِ أفضل وأجمل رغباتهن. كابوسٌ أن يُغَيّرك الخوفُ، وألّا ينجحَ حبُّك في أن ينتشلَكَ، هو ذاته الكابوس الكامن في قلب وروح المقولة النسويّة الشّهيرة من ستينيّات القرن الماضي: الشّخصيّ هو السّياسيّ.

إذاً، ترى النسويّة الجذريّة السّياسةَ رغبةً وشغفاً في أن أتغيّر أنا والعالم معاً، فلا معنى في أن يتغيّر أحدُهما دون الآخر. والسّياسة هي أداة التغيير ومكانه أيضاً. وهي عمل مضنٍ وشاق، تحدث غالبيّتُه ببطءٍ وتراكميّة، في العلن أو في السرّ، في مجموعات التوعية، في المؤسسات، في نقاشات واصطدامات بين أصدقاء، في ملاجئ لحماية النساء المعنّفات، في تبادل أطراف الحديث بين المارّة، في البيت أو في مكان العمل، في كلّ مكان. يتطلّب ذلك منّا الكثيرَ؛ الكثيرَ من التفكير والتشكيك، من المحاسبة والمسامحة، ومن خوض معارك لا نهائيّة، نشعرُ أحياناً أنّها على كلّ الجبهات، كلّها. لا يتطلّب الأمر منّا إذاً أن نفهم الصّراعَ فحسب، إنّما كذلك أن نتمسّكَ به وبجدواه، وبضرورته وحيويّته، وفي نفس الوقت ألّا نُصَدِّرَه ونطلبَ حلولاً من خارجه، أو نُقايضَه مقابل سلامٍ وأمنٍ وهميّين – على الأرجح.


إعادة تعريف القوّة

لا يفهم الرجلُ العنيفُ بأنّ العالم مقسومٌ إلى قسمين: الأوّل مُسيطِر، والثاني مُسيطرٌ عليه. لأنّه لو اقتنع بأنّه يُحكِمُ السّيطرةَ لما احتاج العنفَ وسيلةً لفرضها مرةً تلو الأخرى. تكون السّيطرةُ مُحكمةً وكليّةً فقط عندما تنعدم كلُّ أشكال وإمكاناتُ مقاومتها، وهو الشّيء الذي ثبتتْ استحالتُه في كلّ التجارب البشريّة. العنف أداةٌ تتدخّل في شبكة العلاقات الإنسانيّة كي تفرض السّيطرةَ هنا والآن. أما القوّة فتُستَـقى من ممارسة العنف في الحاضر، تُشحذُ في لحظتها ولذا لا يمكن تخزينُها، أو الاحتفاظ بها أو تأجيل منفعتها إلى وقت الحاجةِ في المستقبل. لا يُمارس الإنسانُ العنفَ انطلاقاً من كونه قوّياً، بل يُمارسه كيّ يحصلَ على "القوّة"، لذا لا يمكن فصلُ القوّة عن إمكانية ولحظة ممارستها. فعل العنف هو الذي يفصّل خانات الهيمنة والاستضعاف بهذا الشّكل، وإلى حين. مما يعني أن بقاء معادلة "قوي وضعيف" تتطلّب أن يستمر العنف أو التهديد به بشكلٍ أو بآخر.

حين يصارعُ الجاني بشكلٍ مستمر، ويمارسُ عنفَه من أجل الحصول على المزيد من القوّة، إنّما هو يصارع داخل المجتمع وداخل الحلقات الاجتماعيّة التي ينتمي إليها. هذه هي الحلقات التي يوّد إخضاعها والحصول من خلالها على ما يراه "معنى" لوجوده. وبدل أن تتنازل النساءُ عن قدرتهنّ على مقاومة هذا العنف في حيّز ولحظة وقوعه، بتصدير صراعهنّ إلى جسمٍ خارجيّ كالدولة أو الشرطة، نستطيع أن نتمسك بجدوى الصراع، وأن نستعمل هذه الحلقات الاجتماعيّة ذاتها لنُعيد تقسيم موارد القوّة، وألّا نقبل بالتقسيمة الناتجة عن العنف أو عن معنى وشكل العالم الذي يفترضُه ذلك العنف.

لذلك، من المستغرب أن تتنازل الجهاتُ التي تحارب العنفَ وشتّى أشكال الظلم الأخرى عن القوّة الكامنة داخل الحلقات الاجتماعيّة. فكما يستحيل تخزين مفعول وطائل القوّة أو الاحتفاظ به أو تأجيله، فإن قوّة المقاومة بحاجة ماسّة إلى سياقات تُعيد شحذها واستخدامها. بناءً على ذلك، فإنّ تصدير الصّراع إلى خارج المجتمع، وطلب الحلول من الدولة الاستعماريّة وأجهزتها الأمنيّة، ينمّ عن الاعتقاد بأنّه من الممكن نفيّ العنف دون نفي مقاومته، نفي جدواها والقدرة على ممارستها. يعني هذا، في جملة ما يمكن أن يعنيه، بأنّه يستحيل ألّا نرى العنف جزءاً من تشكّل وعينا وهويّاتنا، فقد تبلورت هذه الهويّات من خلال التوجيه، والاضطهاد، والتهميش والعنف أيضاً، ولكنها تبلورت أيضاً من خلال مقاومتها لهذه الأشكال من الصقل.

إنّ كلَ ما يُحرزه العنفُ من قوّة له معنى وتأثير فقط داخل الدوائر التي يحدُثُ بها، هذه الدوائر هي سياقه، وهي وحدها القادرة على بلبلة خانات الهيمنة والاستضعاف المرجو خلقها من خلال العنف. تتطلّب هذه البلبلة سلسلة من الإجراءات، تبدأ بضغطٍ وعزلٍ اجتماعيّين للرجال المعنِّفين والمتحرّشين، كأداة أولى وسريعة في يد محيطنا الاجتماعيّ. لكن، كي تنجح هذه علينا أن نكف عن تدوير وهم الانسجام المجتمعيّ، فالمجتمعات والبشر ليسوا منسجمين، الانسجام هو الوجه الآخر للسلطة. الشكل الوحيد الممكن للوجود الإنساني هو الصراع، وشروطه العقلانية والتفاوض، والتحسين والتعلّم.

في المحصلة، فإنّ المقاومة هي تشكيكٌ ماديٌّ مستمرٌ بنجاعة العنف والخوف، وتذكيرٌ لنا، نحن من يعيش في هكذا مجتمع ومن يودُ أن يغيّره، أنّ التغيير أبطأ من المُتخيّل وأسرع مما نفقه، وأن ما نبحث عنه وما نستشهد به هي المقاومة بحدّ ذاتها. أهمّ ما في فعل المقاومة أنّه يحافظ على الصراع حيّاً، وعلى مكامن ضعف المجتمع مرئيةً وواضحةً، وعلى إمكانات إحياء أطرافه التي تبحث عمّا هو مختلف ومنفتح ومتغيّر. أكثر لحظات الفكر النسويّ راديكالية، هي تلك اللحظة التي لا يُتنَازل فيها عن هشاشة الإنسان، وهشاشة البناء المجتمعيّ، وهشاشة علاقتنا البشريّة، ومن ثم يُبني على أن تتيح هذه الهشاشة إمكانيات بديلة واعترافات من نوع آخر، نبدأها بأن نتنازل، ولو إلى حين، عن وهم الأمن والحماية.

الحماية المرجوة

من الطبيعي بعد حادثة قتل أن يدور الحديث عن الإجراءات القانونيّة، وعن تدخل الشّرطة وتأخر القضاء ومكان الجريمة، وما إلى ذلك. نهتم جميعنا بتفاصيل الجريمة ودقة التحقيقات، والفكرة هي ذاتها: وهم أن تتحقق العدالة. لا عدالة لمن قُتلت. نهاية الحياة هي موت العدالة أيضاً. تستحيل العدالة حينها إلى فكرة يوتوبيّة، إلهيّة، أقرب منها إلى خلاصٍ مقدّس من إمكانيّةٍ مادية يتداولها بشر أحياء ويتفاوضون بشأنها. سؤال العدالة بترجمته النسويّة هو: كيف نعيش مع هذا القتل؟ والتحرش؟ والعنف؟ ليس "بعده" فحسب، بل "معه". وهذه فكرة علينا أن نشدِّد عليها كي نكف عن إيهام أنفسنا بوجود "دوائر آمنة". فالدائرة الآمنة الوحيدة التي يُمكن أن نعترف بها هي الدائرة التي تعترف جليّاً بأنّها ليست كذلك، هي الدائرة التي تعرف أن الأمن ممارسةٌ فاعلةٌ وليس نيشاناً ممنوحاً، وأنّ هشاشة العلاقات البشريّة من صلب الإنسانيّة، ولا دافع لدحض هذه الهشاشة والتخلّص منها.

اقرأ/ي المزيد: "انتظار التحقيق.. طلب لإعادة دفن قضيّة إسراء".

على مدى عقود طويلة اختارت النسويّات أكثر من غيرهن ما آمنّ به؛ طريق العمل الجذريّ في المجتمع أمام الظلم اليوميّ، من التوعية حتّى الصّدام المباشر. اخترنّ عملاً مضنياً وشاقاً. لم يتوهمنّ يوماً بأن رأس الهرم والممرات الطويلة داخل المؤسسات الرسميّة الإسرائيليّة قد تُخلّصنا من آفتنا. أمّا حين تقع المصائب الكبرى، حين تقع جرائم القتل، ويستدعي العنفُ الخوفَ على أنفسنا وعلى من حولنا، فإننا نشهد مطالباتٍ بتدخل الشّرطة، والمزيد من الحماية الأمنيّة من خارج المجتمع، من "الدولة". لكن استراتيجيّات العمل في ساعات الشدّة هذه يجب ألّا تختلف عن استراتيجيّات العمل في مواجهة القهر في الحياة اليوميّة. عليها أن تتكثّف، ليس إلا.

عنف وسلطويّة وذكوريّة "إسرائيل" وأجهزتها لا يقلّ خطورةً عن الجرائم التي نحاول مواجهتها، ويشمل ذلك عنف السلطة الفلسطينيّة كمشروع يخدم مصالح الاحتلال وفاقد للشرعيّة الأهليّة. وإذا ما طالبنا، نحن النساء، ألا تُغيَّب قضايانا وتُهمّش إلى ما بعد تحرير الوطن، فلا يمكننا كذلك الاعتقاد بأن شرطيّاً يلقي القبض على مقاومٍ يمكنه أن يحمي امرأةً تقاوم قهراً من نوعٍ آخر.

تفكيك المنظومات الأخلاقيّة المعتمدة على الردع والسطوّة باسم العنف أو القانون هو في النهاية روح المشروع النسويّ ودافعه، وبينما ستبقى أدوات هذه العمليّة محطّ دراسة وتأمل، فالشيء الأكيد أنّها لا تدير ظهرها لقدرتنا على المقاومة، وقدرة المقاومة على بناء مفاهيم إنسانيّة قابلة للحياة، تسمح لنا بتواصلٍ إنسانيٍّ ليس مُنّزهاً عن ترف العيش مع بشر آخرين. فبينما نحاول أن نُخلِص لذواتنا ونحن نعيش مع آخرين مختلفين عنا، لا توجد قوّة، لا باسم العدالة، ولا القانون/العقاب بإمكانها أن تنفي وجعنا أو هشاشتنا وألا تنفي معه جواز عيشنا في عالم نصارع ونقاوم فيه لقيم هي في صلب وجودنا.



27 مارس 2019
مخيم شاتيلا أو مجزرة كل يوم

مخيم شاتيلا الذي كان للاجئين الفلسطينيين، تحول إلى مساحة مختلطة المعالم من الهويات والجدران، يخيم عليها ضجيج الأماكن الضيقة وصراخ…