2 أكتوبر 2024

الردّ القادم من الجنوب: كيف شاركت الخليل في الطوفان؟

الردّ القادم من الجنوب: كيف شاركت الخليل في الطوفان؟

مساء الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2024، وبالتزامن مع صافرات الإنذار التي دوّت في مختلف أنحاء فلسطين إثر هجوم الصواريخ الإيراني، كان الشابان محمد مسك (19 عاماً) وأحمد الهيموني (25 عاماً) من مدينة الخليل، يتجوّلون في وسط يافا المحتلة بسلاح رشّاش من نوع M16، بعد أن قتلا 7 مستوطنين وأصابا 16 آخرين، قبل أن يستشهد الأول ويُصاب الثاني بجراح خطيرة.

كانت هذه واحدة من عدة عمليات نفّذها أبناء محافظة الخليل ضمن مشاركتهم في معركة "طوفان الأقصى"، فكيف بدت هذه المشاركة 

الأسد النائم؟ 

تعتبر الخليل أكبر مدن ومحافظات الضفّة الغربيّة من حيث التعداد السكاني، وقد كانت تُوصف إلى فترة قريبة بأنّها "مدينة حماس"، إذ خرجت منها شخصيات بارزة في العمل السياسيّ والدعويّ  والعسكريّ، كأمثال الشيخ محمد جمال النتشة، والشهيد عبد الله القواسمي، والشيخ نايف الرجوب، والدكتور عزيز الدويك، وغيرهم.

وقد شهدت المدينة منذ انطلاق الطوفان، حملات اعتقال وملاحقة متتابعة وواسعة، استهدفت تنظيمات المقاومة وحاضنتها. وفي الوقت نفسه، بقيت المدينة وقراها تُوصَف كمنطقة "هادئة"، فلم تشهد مظاهرات حاشدة ولا تفاعلاً شعبيّاً واسعاً مع الطوفان، حتى وُصِفَت بـ"الأسد النائم".

إلا أنّ الخليل التي بدت صامتةً، كانت تغلي على جمر الصبر والإعداد، ثمّ قالت كلمتها بشكلٍ مفاجىءٍ ونوعيّ أيضاً. برز ذلك تحديداً خلال العدوان المكثّف الذي شنّه الاحتلال نهاية آب/ أغسطس الماضي على مدن شمال الضفّة؛ جنين، وطولكرم، وطوباس، تحت عنوان عملية "المخيمات الصيفيّة"، بهدف القضاء على مجموعات المقاومة وتأليب الحاضنة المجتمعيّة عليها من خلال تدمير البنية التحتيّة وتهجير الناس1بدأ العدوان الإسرائيلي على مخيمات شمال الضفّة يوم 28 آب 2024، واستمر حتى 6 أيلول، 2024، وخلّف 36 شهيداً بحسب مرصد شيرين

"جاءكم الردّ من الجنوب"

بدت إحدى مؤشرات ذلك مع حلول مساء الثلاثين من آب/ أغسطس 2024، حين انطلقت سيارتان مفخّختان من بوابة الخليل الشمالية، كان يستقل إحداها محمد مرقة (19 عاماً)، طالب الهندسة في جامعة بوليتكنك فلسطين، والأخرى استقلها الشاب زهدي أبو عفيفة (19 عاماً)، طالب المحاسبة في جامعة الخليل، ومن هناك واصلا طريقهما شمالاً. 

عند مفرق مجمع مستوطنات "غوش عتصيون" افترقت السيارتان، فمضى مرقة شطر محطة محروقات داخل مستوطنة "غوش عتصيون" وترجّل من المركبة قبل انفجارها، في مشهد كأنّه مقتطعٌ من فيلم سينمائي، وكما ظهر فقد أحاط به عدد كبير من جنود الاحتلال بأسلحتهم، وظلّ الشاب النحيل واقفاً أمامهم حاملاً روحه على راحته، متراقصاً بين الرصاص كي لا يقع أسيراً بين أيديهم، مؤثِرَاً الشهادة. أما رفيقه أبو عفيفة، فقد اقتحم مستوطنة "كرمي تسور" بعد دَهسه حارسها ثم فجّر المركبة، إلى أن قضى نحبه شهيداً. 

أسفرت العمليتان بحسب الإعلام الإسرائيلي عن أربع إصابات، إحداها كانت إصابة طفيفة للعقيد في جيش الاحتلال غال ريتش، قائد وحدة "عتصيون"2وحدة "عتصيون" هي إحدى وحدات جيش الاحتلال المسؤولة تحديداً عن حماية منطقة مستوطنة غوش عتصيون ومحيطها، شمال الخليل. إلا أنّ أهمية الحدث لا تكمن بإحصاء ما أحدثه من خسائر ماديّة وبشريّة في صفوف العدو، بل بالرسالة التي حملتها العملية بأداتها وتوقيتها. من حيث الأداة؛ إذ لجأ فيها المنفذون إلى أداة السيارات المخففة، ومن حيث توقيتها؛ فقد جاءت كاسرةً لمحاولات عزل شمال الضفّة -في ذروة استهدافه- عن جنوبها، ولاطمئنان الاحتلال بأنّ "الجنوب هادئ".

جيش الاحتلال يغلق معظم الحواجز العسكرية المحيطة في مدينة الخليل، وينشر قواته في أرجائها. (تصوير: مأمون وزوز/الأناضول)

كانت "كتائب القسّام" قد توعدت الاحتلال منذ اليوم الأول للعدوان على شمال الضفّة، بأن الردّ على جرائمه سيأتي من وسط الضفّة وجنوبها والداخل المحتل. وبعد انفجاري "عتصيون" و"كرمي تسور"، عقّبت الكتائب من خلال قناتها على "تيليغرام" بمقطع فيديو جاء فيه: "جاءكم الرد من جنوب الضفة الأبية وللحديث بقية"3بعد هذه العملية، شدّد الاحتلال قبضته على الخليل من خلال حواجزه وبواباته، وأُضيفت بوابة أخرى بالقرب من بلدة بيت كاحل وبالتحديد أسفل جسر بيت كاحل، كما يعرفه أهل المنطقة، لقطع طريق على بلدات بيت أولا وحلحول وترقوميا إلى الخليل، وطال التطويق والتضييق المسجد الإبراهيمي الذي يشكو الاحتلال وإجراءاته وتقسيمه الزماني والمكاني.

بعد أقلّ من 30 ساعة على هاتين العمليتين، تقدّم الشباب مهند العَسود لينفّذ عمليته على شارع 35 الاستيطانيّ، على بُعد كيلو متر واحد من حاجز ترقوميا العسكري، شمال غرب الخليل. هذا الحاجز الذي يعج بالكاميرات وبمركبات جيش الاحتلال وشرطته، وبجانبه البرج العسكري الجاثم على مدخل البلدة المغلق بالبوابة الحديدية. دوّى صوت الرصاص مجدداً ليقول: هُنا جنوب الضفّة. 

أطلق العسود 11 طلقة من سلاح M16، فقتلت ثلاثة من عناصر شرطة الاحتلال تواجدوا في مركبة لهم على طرف الطريق، ثمّ اختفى الرجل مطارَدَاً. ذهب العسود إلى مقرات الأجهزة الأمنية في مدينة الخليل كي يسلّم نفسه، إلا أنهم رفضوا استقباله، وما كان له إلا أن تحصن في منزل قديم ومهجور بالقرب من مبنى المقاطعة. وقبيل أذان ظهر ذلك اليوم، تسلّلت وحدة خاصة إلى محيط المنزل القديم والمهجور وحاصرته، وبعد اشتباكٍ قصير، قصف الاحتلال المنزل بقذيفة "انيرجا" ليُعلَن فيما بعد عن استشهاده، وقد صادر الاحتلال جثمانه، فيما شُيعت بعض أشلائه على أكتاف من شهدوا استشهاده مُقبلاً غير مدبر.

قوات الاحتلال تحتجز جثمان الشهيد مهند العسود بعد ملاحقته والاشتباك معه إثر تحصنه في مبنى قديم في مدينة الخليل، في في 1 أيلول/ سبتمبر 2024. (تصوير: حازم بدر/ وكالة فرانس برس)

الثلاثيني المُتدين مهند العسود، المولود في الأردن والعائد إلى بلدته الأم إذنا قضاء الخليل عام 1998، تحيل التقارير الإسرائيلية مهارته في الرماية لكونه انضم لجهاز حرس الرئيس في السلطة الفلسطينية عام 2013، والذي استقال منه عام 2015 ليبدأ عمله الحُر في كهرباء المنازل (كهربجي). ويُجمع أصدقاء الرجل على خُلقه، وعلى رشاقته لكونه يمارس الرياضة، وقد تداولت وسائل إعلام محلية صورة لمنزل العسود الجميل وسيارته الفارهة.

الطريق إلى القدس

ظن كثيرون أنّ هاتين العمليتين يتيمتان في جعبة الخليل خلال الطوفان، إلا أنّها شاركت بأكثر من عملية على مدار العام، وربما لم يحظَ بعضها بالتغطية الإعلامية المناسبة. وكانت فاتحة هذه المشاركة في اليوم الواحد والأربعين للطوفان، وتحديداً في السادس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023. يومها استقل عبد القادر القواسمي (26 عاماً)، وهو نجل الشهيد القائد في كتائب القسام عبد الله القواسمي، ومعه نصر الله القواسمي (18 عاماً)، وهو شقيق الشهيد القسامي أحمد عبد العفو القواسمي، وثالثهما حسن مأمون قفيشة (28 عاماً)، نجل الأسير المُحرر في صفقة "وفاء الأحرار" والمُبعد إلى تركيا مأمون قفيشة؛ سيارةً من نوع "سكودا" تحمل لوحة تسجيل إسرائيلية، محمّلة بأسلحة M16 ومسدسين وفأس وملابس للجيش الإسرائيلي. 

عبد القادر ونصر الله القواسمي في صورة تجمعهما في باحات المسجد الأقصى. (المصدر: سوشيال ميديا)

وبينما كان ثلاثتهم يستعدون لعبور حاجز "النفق" المؤدي إلى القدس، اشتبه بهم أحد الجنود وأمرهم بالتوقف، إلا أنّهم ردّوا بالنار فقتلوا جندياً وأصابوا 7 آخرين. لم تشأ الأقدار أن يصل الأصدقاء الثلاثة إلى القدس، للرباط اشتباكاً بالسلاح، فاستُشهدوا على أبواب المدينة التي دعتهم لواجبها. 

يروي الشيخ شفيق القواسمي عم الشهيد عبد القادر، ووالد الشهيدين القساميين التوأم باسل وحاتم (من شهداء "انتفاضة الأقصى")، في حديثه لـ"متراس"، بأن "عبد القادر كان قد رأى في المنام أنّ والده عبد الله ينتظره في القدس، لذلك ربما اختار أن تكون وجهته في العملية مدينة القدس". ومما ترويه العائلة أيضاً عن عبد القادر، أنه أوصى زوجته التي كانت حاملاً في شهرها الثامن بأن تسمي مولودها قُدس تيمناً برؤيته والده الشهيد.

استنفار قوات الاحتلال في حاجز النفق بالقرب من بيت لحم، بعد عملية إطلاق نار أُصيب فيها سبعة مستوطنين، في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023. (تصوير: هشام أبو شقرة/ الأناضول

وبحسب ما يقال عن الشهيد عبد القادر رحمه الله، فإن مشاركته بالطوفان لم تكن سوى محطة من محطات وفائه للأقصى، وهو المرابط الذي نادى بضرورة الاعتكاف في العشر الأوائل من ذي الحجة، ناهيك عن دوره بالحشد للاعتكاف خلال شهر رمضان وتسييره للحافلات، ولم يكن يرضى بأن يضيع أجر الاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، وهو الذي ردد في ساحاته، كما يروي أصدقاؤه: "هدول أهل الأقصى يا رسول الله، هدول اللي دافعوا عنه وفدوه بكل شي عندهم، هدول زمرة الأقصى يا رسول الله".  ويصفه أصدقاؤه: "رجل جلدٌ تقيٌ نقيٌ خفيٌ ولا يخشى إلا الله"، الأمر الذي يؤكده عمه الشيخ شفيق: "عبد القادر لا يرضى بالظلم، ولا يخشى قول الحق مهما كان المقام".

وبعد ذلك، جاءت عملية الطالبين في المدرسة الصناعيّة في الخليل، حاتم القواسمي ومعتز أبو غلمة (18 عاماً)، في شارع "تكليت مردخاي" غرب القدس المحتلة، فيما يبدو استكمالاً لطريق الفداء، فحاتم من أقارب الشهيد عبد القادر، وخاله الشهيد مجاهد الجعبري، أمّا معتز فعمه الشهيد القسامي جهاد أبو غلمة، وخاله الشهيد القسامي مروان أبو رميلة. 

في 22 نيسان/ أبريل الماضي، تمكن الطالبان من الوصول إلى القدس، وبالقرب من كنيس يهوديّ دهسا مجموعة مستوطنين ثمّ ترّجلا من سيارتهما، إلا أنّ سلاح "الكارلو" الذي كان بحوزتهما أصابه خلل ولم يطلق الرصاص، فهربا من المكان، وتحصّنا في مبنى قريب، لكن الاحتلال قبض عليهما وزجّ بهما في السجن. 

التسلّل إلى المستوطنة

كذلك، لا يمكن المرور على محاولات فتيان جبل الخليل السباحة عكس التيار، وإدامة حرارة المواجهة والاشتباك. ومن تلك المحاولات، تسلّل أبناء العمومة محمد عرفات (15 عاماً) وعدي إسماعيل (17 عاماً) وإسماعيل أحمد أبو جحيشة (19 عاماً)، إلى مستوطنة "أدورا" المقامة على أراضي بلدتي ترقوميا وَإذنا، وبعد تبادل لإطلاق النار داخل المستوطنة، استشهد الثلاثة، وبحسب إعلام العدو أصيب اثنان من المستوطنين. 

وفي حادثة أخرى، يرد اسم أبناء العمومة الأربعة من بلدة ترقوميا: مراد ومحمد وأحمد وحسين مرقطن، وهم الشباب الذين اعتقلهم الاحتلال في 7 كانون الثاني/ يناير الماضي، ليعلن جهاز "الشاباك" بعد مرور شهرين من اعتِقالهم: أن الخلية كان بحوزتها 100 عبوة ناسفة وسلاح M16 وكارلو، وكانت تنوي اقتحام إحدى المستوطنات. 

ملصق يجمع الشهداء أبناء العمومة، الشهداء الثلاثة: محمد عرفات، وعدي إسماعيل، وإسماعيل أحمد. (المصدر: السوشيال ميديا)

لم يتوقف الأمر عند التفكير بالتسلل إلى المستوطنات، بل وصل الأسير أحمد محمد زيدات (25 عاماً) رفقة عمه الأسير محمود علي سالم زيدات (44 عاماً) من بني نعيم شرق الخليل، في 15 كانون الثاني/ يناير الماضي، إلى منطقة رعنانا في الأراضي المحتلة عام 1948، وتمكّنا من تنفيذ عملية دهس قُتلت فيها إسرائيلية وأصيب 4 بجروح خطيرة و9 آخرين بجروح متوسطة قرب الرملة.

أما الشهيد مؤمن المسالمة (20 عاماً) من دورا جنوب الخليل، فقد استطاع اقتحام إحدى صالات الرياضة في أسدود المحتلة، ونفّذ عملية طعن أصيب بها ثلاثة إسرائيليين أحدهم بجراح خطيرة.

لماذا لم تولد في الجنوب مجموعات مسلحة؟

ذكّرت العمليات الأخيرة بالبيئة شديدة التعقيد التي تنشط فيها حالة المقاومة في الخليل، إذْ لم تَسمَح القَبضَةُ الأمنية المحكمة عليها ولا الاختلاف الجغرافي والديموغرافيّ؛ بتطور حالة شبيهة بمخيمات شمال الضفة. 

وفوق ذلك هُناك مسألتان لهما دورٌ مُهم مُرتبط بالقَبضة الأمنية في الخليل وإضعاف حالة المقاومة عبر ملاحقتها المتواصلة، وهما: 1- الاستيطان في قلب مدينة الخليل والذي يُحشد له أمنياً، ولا تدّخِر دولة الاحتلال آلية ووسيلة لحمايته وجعله أمراً واقعاً، ثمّ 2- استعانة السلطة بِعَباءة العَشائر، ذات الأثر العميق في الخليل، لتطويق ومنع انبثاق أي حالة قد تولد لِتُعبّر عن نبض الشارع الذي يغلي غضباً في كل فلسطين، من ذلك مثلاً؛ الاجتماع الذي نظّمته محافظة الخليل مع الأجهزة الأمنية وبعض رجال العشائر ورجالات الخليل.

لكن، أمام هذه المُتغيرات في المَشهد ومع استمرار حرب الإبادة وسياسة اجتثاث الخلايا وملاحقة النشطاء، وفي ظلّ التطوّرات الميدانية شمالاً وجنوباً من فلسطين، لا يمكن حسم التوقعات بما تحمله الأيام في قابلها.