fbpx

التمويل الصغير.. عندما ينسى "البديل" نفسه

التمويل الصغير.. عندما ينسى

إذا استطعنا منحَ المزارعين والحرفيين والعمال من الفقراء وذوي الدّخل المحدود تمويلاً محدوداً لفتراتِ سدادٍ قصيرةٍ، بفوائد رمزيّة أو حتى بدون فوائد، فمع الوقت ومع تكرار الأمر بعد كلّ فترةِ سداد سنُمَكِّنَهم من امتلاك رأس المال الخاصّ بهم. هذا يعني مساعدتَهم في تأسيس أو تطوير مشاريعهم الخاصّة التي تؤمّن لهم دخلاً ثابتاً، وتُخرِجهم من هوّة الفقر.

تُمكّن هذه الطريقة في الإقراض الفقراءَ من الحصول على ما يلزمهم من أموال لتنفيذ مشاريعهم، وتُعفيهم من استغلال المرابين وكبار التّجار، وتكون بديلاً عن المصارف التي ترفض إقراضَهم لعدم امتلاكهم الضّمانات اللازمة لأيِّ قرضٍ تقليديٍّ.

هذه هي باختصار فكرةُ التّمويل الصّغير أو الأصغر Micro Finance كما بدأتْ مع رائدها دكتور الاقتصاد البنغالي محمد يونس، مؤسس ما عُرِفَ بـGrameen Bank أو مصرف الفقراء، أول مؤسسة متخصصة في التّمويل الصّغير في العالم بدأت بالعمل كمصرفٍ مستقلٍ عام 1983. عام 2006 حصل يونس ومصرِفُه على جائزة نوبل للسّلام تقديراً لجهوده في محاربة الفقر من الأسفل عبر التّمكين الاقتصاديّ للفقراء في بنغلادش والعالم.

تميّزت صناعة الإقراض الصّغير منذ نشأتها بسرديتها الأخلاقيّة المتجاوزة لفكرة الربح فقط، وبشّرت بالإقراض الموّجه لأغراض تنمويّة حقيقيّة ومباشرة، تستهدف الفقراء والمهمّشين. في هذا النوع من التمويل اعتُبِرت مسائل من قبيل الحماية من الإغراق في الدَّين، والحماية من الاقتراض الاستهلاكيّ، وسياسات التّحصيل العادلة، ونسب الفوائد المنخفضة، مُسلَّماتٍ تحكم عملَ مؤسسات الإقراض ولا يتم تجاوزها.

لا تبقى الأمورُ ورديّةً كما تبدأ. مع انتشار صناعة الإقراض الصّغير وتوّسعها، تسلَّلت إليها آفاتُ ومشاكلُ الإقراض الاستهلاكيّ التقليديّ، ووقعت العديدُ من مؤسسات الإقراض في المحاذير التي جاءت لتتجنبها. مثلاً، عام 2010 انتحر في الهند مئات المقترضين من بعض مؤسسات التمويل الصّغير، نتيجة تراكم الديون عليهم وتعثرهم في سدادها. أثار ذلك جدلاً حول سياسات مؤسسات الإقراض وانحرافها عن سرديتها الأخلاقيّة الأولى وتبشيرها بمحاربة الفقر.

التمويل الصغير في الضّفة والقطاع

على الرغم من حداثة عمر التّجربة الفلسطينيّة في سوق الإقراض الصّغير، إلا أنها شهدت منذ انطلاقها في التّسعينيات نموّاً سريعاً في فترة قصيرة نسبيّاً. منذ ذلك الحين، توّسع نطاق عمل مؤسسات التّمويل وزاد عددها، وسُنَّت القوانين والإجراءات لتنظيم عملها، واستطاعت الوصول لشرائح واسعة من الفلسطينيين.

حتى نهاية عام 2018، بَلَغ عددُ مؤسسات الإقراض المعتمدة في الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة تسع مؤسسات، بمحفظة إقراض إجماليّة نشطة تُقَدَّر بـ269 مليون دولار، وعدد مقترضين تجاوز الـ87 ألف مقترض.1.

تتنوّع مؤسسات التّمويل الصّغير في الضّفة والقطاع من حيث أوضاعها القانونيّة وطبيعتها الاعتباريّة وطبيعة القروض ومنتجات التّمويل التي تُقدِّمها2.. معظم هذه المؤسسات مُسجّلة كشركات مساهمة خاصّة غير ربحيّة3.لدى وزارة الاقتصاد الوطنيّ الفلسطيني، وبعضها نشأ كامتداد لبرامج تمويل وإقراض دوليّة افتتحت فروعاً لها في فلسطين، وتمّ بعد ذلك تكييف أوضاعها القانونية وفقاً للقوانين الفلسطينيّة.

تتنوّع طبيعة التّمويل والقروض المقدّمة من خلال هذه المؤسسات بين التّمويل التجاريّ والتّمويل الإسلاميّ القائم بالدرجة الأولى على عقود المرابحة. كما تتخصص بعض المؤسسات في تقديم أنواع محددة من التّمويل مثل التّمويل الزراعيّ. أما الشّرائح المستفيدة، فهم غالباً أولئك الذين لا توافق البنوك الفلسطينيّة على إقراضهم، من روّاد الأعمال الشّباب وأصحاب المشاريع الصّغيرة، وخصوصاً المشاريع الزراعيّة في القرى والبلدات والمخيّمات الفلسطينيّة، وكذلك الحرفيين وأصحاب المهن.

التمويل صغير والفائدة كبيرة!

رغم السّيرة الطّيبة التي كسبتها مؤسساتُ الإقراض الصّغير منذ انطلاقها، إلا أن ممارساتها لا تخلو من إشكاليات جوهريّة تُهدّد رسالتها في دعم وتمكين الفئات الأقلّ حظّاً. تزداد هذه الإشكاليات خطورةً لأن الفئة المتضرّرة هي الأضعف اقتصاديّاً في المجتمع، والتي يُمكِن أن تُسبّب سياسات التمويل والتحصيل المجحفة بحقّها خسارةً فادحةً وفقداناً لكلِّ المقدرات والأصول المحدودة بالأساس.

أولى هذه الإشكاليات هي الفوائد. بشكلٍ عامٍّ تكون أسعار فوائد الإقراض الصّغير أعلى من فوائد الإقراض التّـقليديّ المُقدَّم من المصارف العادية، لاعتباراتٍ عديدةٍ تتعلق بطبيعة زبائن الإقراض الصّغير ومحدودية دخلهم وممتلكاتهم، وقلّة الضّمانات التي يمكن أن يقدِّموها. في حالة العديد من مؤسسات الإقراض الفلسطينيّة، فإنّها تعرض نسبة فوائد أعلى بكثير منها في المصارف المحليّة. مع نهاية عام 2018 تراوح متوسط سعر الفائدة لدى مؤسسات الإقراض بين 18-24%.4.، بينما بلغ متوسط سعر الفائدة لدى المصارف حوالي 6%.5. مع ذلك، فإنّ هذه النسبة هي أعلى من مثيلاتها في الأردن، على سبيل المثال، حيث يتراوح معدل سعر الفائدة لقروض التمويل الصّغير بين 10-18%.6.

ومع أنّ ممثلي مؤسسات التّمويل الصّغير لا يكفون عن القول بأنّ معدلات الفائدة عندهم تظلُّ أقلَّ من المعدلات العالميّة، إلا أن هذه المقارنة تبدو مجحفة. ذلك لأنّ أغلب القروض الممنوحة من قبل مؤسسات الإقراض الفلسطينيّة هي القروض ذات الفائدة المرتفعة ومدة السّداد القصيرة، أيّ القروض من فئة المبالغ الصغيرة؛ أقل من 3000$، الأمر الذي يجعل النظر فقط للمعدل العام لأسعار الفوائد مُضلِّلاً.

ضمانات مُكلفة

من الجهة الأخرى يُطالَبُ المقترِضون بتوفير ضماناتٍ كثيرة وإضافيّة عند الحصول على القروض، إذ تَشترط غالبيةُ المؤسسات على المقترضين التوقيع على شيكات وكمبيالات إضافةً إلى إحضار كفلاء موظفين أو تجار، مما يقلّص هامش المخاطرة لحدودٍ دنيا مع بقاء الفوائد مرتفعة بالمقابل.

ما سبق يُفسّر نسب الربح العالية التي تحققها مؤسساتُ الإقراض الفلسطينيّة، مع تدني نسبة القروض المُصنَّفة كمُتَعثِرَة أو في خطر التعثر. لكنّ الأمر لا يقف عند ذلك. رغم أنّ مؤسسات التمويل تروّج لذاتِها كمُسَاهِمٍ أساسيٍّ في دعم أو خلق نشاطٍ اقتصاديٍّ بديلٍ للاقتصاد المدعوم أو المرتبط بالقطاع العامّ والقطاع المصرفيّ، إلا أنّ حرصها على الربح المضمون وعدم المخاطرة، يدفعها مُجدداً للالتصاق بالقطاع العامّ. ذلك لأنّ غالبية القروض الممنوحة من مؤسسات التّمويل يُشترَط فيها على المقترضين توفيرُ كفالاتٍ بنكيّةٍ من موظفي القطاع العامّ. في الغالب الأعمّ لا تُجدي كفاءة أيّ مشروع يُقدّم لأجله طلب القرض ولا قوّتُه الماليّة في تعزيز فرصه في الحصول على التمويل، إذ أن المجدي أكثر هو وجود كفالاتٍ بنكيّةٍ من قبل موّظفي القطاع العامّ كضمانٍ لسداد القرض.

لعل هذا السّلوك لا تتحمل وزره مؤسساتُ التمويل وحدها، إذ أنّ تساهل القطاع المصرفيّ وسلطة النقد الفلسطينيّة وعقم الإجراءات القانونيّة في مسألة الشيكات البنكيّة والكمبيالات وغيرها من الضمانات الشخصيّة، يدفعُ مؤسساتِ الإقراض لزيادة تمسّكها بسلوكها الحمائيّ والإصرار على اشتراط كفالات الموظفين، والإحجام عن تمويل المشاريع بغض النظر عن نجاحها وجدواها الاقتصاديّة.

من ملامح ابتعاد مؤسسات التّمويل الصّغير عن أهدافها الأصلية، أنّها لا تتورع عن تقديم قروض لا تراعي مستويات الدخل لدى المقترضين ولا قدراتهم على السّداد، مما يعني مساهمتها في زيادة إغراق الناس بالديون. هذه المؤسسات، على سبيل المثال، تُقدِّم قروضاً لمن هم مُقترضون أو مدينون أساساً، بشرط توفير الكفالات المناسبة، حتى وإن كان هؤلاء مقترضين حاليين من مصرف أو مؤسسة تمويل أخرى.

تلجأ المؤسسات إلى بعض الحيل في ذلك، منها تسجيل القرض باسم فردٍ آخر من أفراد الأسرة، وخصوصاً النساء، كنوع من التحايل على القوانين الخاصّة بعدم زيادة مديونية الأفراد. يُفسّر ذلك، جزئيّاً، ارتفاع أعداد المقترضات النساء بين زبائن مؤسسات الإقراض.

إقراض النساء.. مصلحة لمؤسسات الإقراض             

بما أن عدداً كبيراً من مقترضي مؤسسات الإقراض هم من النساء7، فإنّ تلك المؤسسات تستخدم -بشكل كبير- في دعايتها لنفسها أفكاراً تتعلق بدورها في تمكين المرأة من دخول سوق الاقتراض، ودعم النساء العاملات وصاحبات المشاريع. بعيداً عن الدعاية، وبعيداً عن حقيقة أن مؤسسات الإقراض فعليّاً تُقدّم تمويلاً لصاحبات المشاريع، لكن ذلك لا يُفسِّرُ العدد الكبير من القروض المسجلّة بأسماء نساء، فكيف ذلك؟

يعتبر موضوع دعم النساء العاملات وتمكينهنّ اقتصاديّاً عاملاً جاذباً لمؤسسات وصناديق التمويل العربيّة والدوليّة التي تُقدّم تمويلاً لمؤسسات التمويل الصّغير الفلسطينيّة. تُدرك الأخيرةُ ذلك جيّداً، وبالتالي تحرص على تسجيل أكبر عددٍ مُمكنٍ من القروض بأسماء نساءٍ، بغض النظر عن كون المرأة المُقترضة هي صاحبة المشروع أو المعنية بالقرض، إذ غالباً ما يكون القرض فعليّاً لزوج المُقترضة لا لها.

تُحقق الحيلةُ السّابقة مصلحةً مزدوجةً لمؤسسات الإقراض؛ فمن ناحيةٍ تستجلبُ الدّعمَ والتمويلَ اللازمين لتوسيع أعمالها من الصّناديق والمصارف الدوليّة والعربيّة تحت شعار "دعم النساء"، ومن ناحيةٍ أخرى تضمن تلك المؤسسات سداد القرض كون المقترضة هنا سيدة. إذ كون المقترض هنا سيدة يشكّل ضمانةً إضافيّة لسداد القرض، فمؤسسات الإقراض تفهم جيّداً السّياق الثقافيّ والاجتماعيّ في المجتمع الفلسطينيّ وموقع المرأة منه، وتدرك أنَّ توقيع المرأة على العقود القانونيّة والكمبيالات وغيرها من الوثائق المتعلقة بالقرض سيكون بمثابة ورقةٍ رابحةٍ للضغط على الأُسرة في حال تأخر أو تعثر سداد القرض، عبر التهديد بالملاحقة القانونية للمقترضة. لهذا السبب نرى على سبيل المثال حالاتٍ تشترط فيها مؤسسةُ الإقراض تسجيل القرض باسم زوجة سائق سيارة عموميّة كشرط ٍأساسيٍّ لقبول منحه قرضاً لتملك السّيارة.

يا ليتها قروض إنتاجيّة!

بعيداً عن الأهداف المُعلنة بدعم القطاعات الإنتاجيّة، فإنّ أغلب القروض في مؤسسات التمويل الصغير تذهب لصالح حاجات استهلاكيّة آنيّة، تشجّع المقترضين على المزيد من الاستهلاك فوق طاقاتهم الماليّة، مما يعني مزيداً من دوامة الاستهلاك وقتل الإنتاج. وفقاً لإحصاءات شبكة شراكة، ما زالت قروض المشاريع الإنتاجيّة، المتمثلة بقطاعات الزراعة والصّناعات الحرفيّة الخفيفة تحديداً، تحتل الحصةَ الأكبر من قروض مؤسسات التمويل، إذ تبلغ نسبتها 63% تقريباً من حجم القروض المقدمة.

إلا أنّ هذه النسبة لا تبدو مطمئنةً على كلّ حال، إذ أنّ 37% من قروض التمويل الصّغير يذهب لأغراضٍ استهلاكيّةٍ غير إنتاجيّةٍ -كأن يأخذ أحدهم قرضاً لشراء هاتفٍ ذكيّ أو تجديد أثاثه المنزليّ!-، وهو رقم مُقلق بحدّ ذاته، خاصّةً أنّه يجري الحديث عن تمويل يهدف لخلق فرص عمل أو دعم الإنتاج، ويستهدف في الوقت ذاته فئات ضعيفة اقتصاديّاً ومُعرَّضة لخطر الإغراق في الدّين والتعثر في السّداد.

من ناحية أخرى، أشار تحقيق أجراه عام 2016 الائتلاف من أجل النزاهة والمساواة "أمان" إلى أنّ العديد من القروض المسجّلَة كقروض مشاريع إنتاجيّة هي في حقيقتها قروضٌ استهلاكيّة، تعمّد المقترضون فيها تضليل موظفي الإقراض لتسهيل الحصول على القرض. كما أشار نفسُ التحقيق إلى مشاكل عديدة تتعلق بضعف بعض إجراءات مؤسسات التّمويل في دراسة وتقييم القروض، وإعداد دراسات الجدوى والتحليلات الماليّة اللازمة للمشاريع.

لا تبدو لدى السّلطة الفلسطينيّة أو القطاع المصرفيّ التقليديّ نيّة، فضلاً عن وجود القدرة،  على خلق اقتصادٍ وطنيٍّ مُتحرّرٍ من اقتصاد الاحتلال وسيطرته. في المقابل، لدى مؤسسات الإقراض والتمويل الصغير الإمكانية للمساهمة في دعم المشاريع الاقتصاديّة الوطنيّة، خاصّةً تلك المرتكزة على الأنشطة الإنتاجيّة الزراعيّة والصناعيّة والتجاريّة التي تخفف من ارتهان السّوق المحليّ للخارج وللسوق الإسرائيلي. لكن ذلك لن يتأتى إلا إذا عملت تلك المؤسسات بفلسفةِ وروح التّمويل الصّغير، كما نشأت في بداياتها، مع الالتزام بسياسات تمويل وتحصيل عادلة ومُيّسرةً لا تُسبِّبُ تفاقماً للديون ولا إرهاقاً واستغلالاً للمقترضين.

هوامش:

  1. حسب معلومات الشبكة الفلسطينية للإقراض الصغير ومتناهي الصغر-“شراكة” عبر موقعهم: http://www.palmfi.ps/site/
  2. للاستزادة حول مؤسسات التمويل وطبيعتها القانونية ومنتجاتها، يُمكن مراجعة موقع سلطة النقد الفلسطينية http://www.pma.ps/ar-eg/home.aspx، وموقع شبكة شراكة http://www.palmfi.ps/site/
  3. المقصود بالشركات غير الربحيّة وفق ديوان الرقابة المالية الفلسطينيّ: هي شركات مساهمة خاصّة تمارس نشاطاً “اجتماعيّاً، اقتصاديّاً، ثقافيّاً، تنمويّاً …الخ”، ويساهم هذا النشاط في تحسين ظروف المجتمع وحياة المواطنين في مجالات مختلفة، على ألا تكون الشّركة هادفة للربح، وفي حال تحقيق أرباح او عوائد تتم إعادة رسملتها ولا يجوز توزيعها على المساهمين. للاستزادة: https://www.saacb.ps/BruRpts/ComapniesNonProfetReport.pdf
  4. حسب معلومات الشبكة الفلسطينية للإقراض الصغير ومتناهي الصغر-“شراكة” عبر موقعهم: http://www.palmfi.ps/site/
  5. حسب بيانات سلطة النقد الفلسطينية.
  6. جريدة الغد الأردنية  https://alghad.com
  7. وفقاً للشبكة الفلسطينية للإقراض الصغير ومتناهي الصغر “شراكة”، فإنّ ما يقارب 40 % من المقترضين هم من النساء.
عبد الله حرب
طالب دكتوراه، مختصّ في التمويل والبنوك

إقرأ أيضاَ