fbpx

اغتيال عمر النايف.. حكايةٌ لم تنتهِ بعد

اغتيال عمر النايف.. حكايةٌ لم تنتهِ بعد
من تحقيق "سفارة الموت" لـ أحمد البيقاوي.

نشر المدوّن الفلسطينيّ أحمد البيقاوي مساء اليوم (الثلاثاء، 18.8.2018) تحقيقاً يسعى لإعادة فتح ملف اغتيال الشهيد عمر النايف، الذي أُريد له أن يُطوى. وهو تحقيق استقصائيّ يُعيد مساءلة كل ما روّج عن الأمر وصُرّح به وكُتب عنه، وما أنجز من تحقيقات صحافيّة أخرى كذلك. هذا التحقيق، كما واجب الاستمرار في البحث عن الحقيقة والمطالبة بحقّ الشهيد المغدور، يقعُ في صميم الهمّ الوطني والإنسانيّ، ويتمسّك بحقّ المناضلين علينا، يصرّ على ألّا تموت قضاياهم، وألّا يُفلِت المجرمون.

من سوّق إشاعة "الانتحار"؟

ينفي التحقيقُ السيناريو القائل بأن استشهاد عمر النايف كان عمليّة انتحار، ويستدلّ على ذلك بحسمِ القضاء البلغاري ورفضه لهذا السيناريو. في المقابل، يكشفُ التحقيق عن مصدر الترويج لهذا السيناريو: منذ الساعات الأولى بعد الاغتيال، استخدم السفير الفلسطيني ورقة ادّعى أنّها كُتبت بيد عمر النايف، على أنّها وصيّته. خلال عمل لجنة التحقيق البلغاريّة تبيّن وجودُ تناقض كبير جدّاً في الإجابة على سؤال: "من وجد الوصيّة أوّلاً؟". تراجع السفير الفلسطينيّ أحمد المذبوح عن هذه الورقة وشكّك أمام لجنة التحقيق في أن يكون من كتبها هو عمر النايف فعلاً، رغم أنّه استمر في التأكيد على أنّها الوصية أمام أبناء الجالية الفلسطينية في بلغاريا. يؤكّد التحقيق ويثبت أنّ السفير المذبوح عارض منذ اليوم الأوّل وجود عمر النايف داخل السفارة، وضغط بشكلٍ دائمٍ لإخراجه منها.

من عبث بمسرح الجريمة؟

يكشف التحقيق، أيضاً، عن حالة من العبث في مسرح الجريمة، وتواجد العشرات داخل مسرح الجريمة لساعات قبل دخول الأمن البلغاري، كما تواجدت شخصيّات دون أي صفة رسميّة: جمال عبد الرحمن الذي عبث بهواتف عمر النايف، ونجله رامي عبد الرحمن وإبراهيم دغمش، وهم من حرّكوا جسد عمر النايف رغم إصابته الحرجة وقبل استشهاده. كما وليد العطّي وهشام رشدان الذي صوّر من داخل ساحة الجريمة تسجيلات فيديو طلبها الوزير أحمد مجدلاني. كما زهير الأشوح، وهو أوّل الواصلين إلى ساحة الجريمة. بحسب التحقيق، تمّ تنظيف بقع آثار (دم أو قيء) قبل التأكّد من ماهيّتها، كما داس المتواجدون على آثار أقدامٍ مجهولة.

من زار عمر النايف ساعات قبل اغتياله؟

من خلال مقابلة مع والدة عمر النايف، يؤكّد التحقيق أن النايف أجرى اتصالاً مع والدته مساءً قبل مقتله، وأنه اعتذر منها حتّى يُعدّ القهوة لضيوفٍ ينتظر زيارتهم. تطابقت شهادة الوالدة مع وجود فناجين قهوة في ساحة الجريمة فعلاً، مثلما أكّد شاهدان ممّن تواجدوا في السفارة. كما أكّدت زوجة الشهيد وجودَ محاولة لإخراجه قسراً، كما أكّد شقيقه بأنّ عمر اتصل بياسين مراغة طالباً وصول عناصر من الجبهة الشعبيّة لحمايته. أكّد التحقيق، كذلك، وجود شاهد بلغاري يسكن بمحاذاة السفارة شهد وصولَ سيارة "بيجو" صغيرة، وسيّارة أخرى إلى باب السفارة تمام الثالثة والنصف بعد منتصف الليل، نزل منها شبّان ودخلا السفارة. يؤكّد التحقيق على أنّ الشاهد الذي صوّر تسجيل فيديو، وأدلى بشهادته للشرطة، اختفت آثاره ونُقل مكان سكنه من العمارة.

ما هي خطّة إخراجه من السفارة؟

تمكّن التحقيق من الحصول على تسجيل صوتيّ لهشام رشدان، أحد المقرّبين من الوزير أحمد مجدلاني، والعامل في شركة "بولينز" المرتبطة بشبكات الجريمة المنظّمة في بلغاريا. يروي هشام رشدان في هذه التسجيلات خطّة التهريب التي اقترحها بموافقة جهات من "الداخل"؛ أي من السلطة الفلسطينيّة: "في جماعة بدهن خمسة [آلاف] دولار وبيوصل على تركيا. التسليم من باب السفارة وبوصلولك إيّاه على تركيا. وعندي أوامر أنا من الداخل (…) حكيت مع الجماعة قلّي المعلم "ماشي" (…) بيحطوه بالسيارة بطلع بس يوصل على أضنة [تركيا] بنزلوه هناك". بعد الاغتيال، ادّعى رشدان عبر صفحته على فيسبوك (!) أنّ خطّة الهروب هذه أُلغيت قبل يومين من اغتيال النايف.

يشير التحقيق، كذلك، إلى أحد الشهود الذي اعتمد عليهم التحقيق دوراً لوليد العُطّي الذي تربطه علاقات مع الأمن البلغاري كما مع مافيات بلغاريّة. ويفيد شاهد آخر بمرافقة وليد العُطي للسفير الفلسطيني بشكل شبه دائم. كما يؤكّد التقرير سفر وليد العُطّي إلى الأردن وعودته إلى بلغاريا يوماً واحداً قبل الاغتيال.

لن ننتظر خمسين عاماً!

في نهاية التحقيق، يقول هشام رشدان في التسجيل المسرّب الآتي: "ما في شي مخبى ولو بعد خمسين سنة راح تعاود تضرب القصّة الحقيقيّة إلي صارت. ليش نستنى 15 سنة، 20 سنة عبين ما يموت أبو محمد [زهير الأشوح] أو جمال [عبد الرحمن] لحتّى يحكي الحقيقة، لا احكوا هلأ (…) أنا بقولك الموساد ما إله علاقة (…) ولا بعمليّة قتله ما في لا موساد ولا "خرا"، ولا هنّي جماعتنا كلاب خايفين. جماعتهن بالسفارة بدهن يطلعوه من السفارة بأي طريقة".

من هو عمر النايف؟

اعتقل عمر النايف، أحد مُناضلي "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، نهاية الثمانينيّات بعد قيامه بعمليّة قُتل على إثرها أحد الإسرائيليين. بعد ذلك بسنوات قليلة وفي عام 1990، نجح في الهرب، بعد أن تدبّر حيلة نقله إلى أحد مستشفيات بيت لحم بداعي المرض.

قادته رحلة الخروج من فلسطين، والتي دامت أربع سنوات تقريباً، من الضفّة الغربية إلى غزّة ومنها إلى سيناء وليبيا ودول أخرى عربيّة ليستقرّ أخيراً في بلغاريا.

بعد حوالي الـ20 سنة من استقراره هناك، وبعد صدور مذكّرة دوليّة باعتقاله، كانت وراءها حكومة الاحتلال، طالبته السلطات البلغاريّة بتسليم نفسه، كي تقوم بتسليمه بدورها لسلطات الاحتلال. لجأ النايف لسفارة بلاده في العاصمة صوفيا، وظلّ مُقيماً فيها لحوالي الشهرين ونصف الشهر، قبل أن يوجد مقتولاً صبيحة يوم 26 فبراير/ شباط عام 2016، داخل أسوار السفارة الفلسطينيّة.

مجد كيّال
كاتب وروائي من فلسطين، مهتمّ بالدراسات الفلسطينية
معاد بادري
مُحرّر صحافيّ ومترجم

إقرأ أيضاَ