12 أكتوبر 2019

أين تتعثر الكتابة؟

أين تتعثر الكتابة؟

منذ انطلاق متراس في مايو/ أيار 2018، وبعد تجربة قصيرة شهدت الكثير من النقاشات بين محرري الموقع وبين الكتاب والصحافيّين، يقدّم متراس في هذه القائمة جزءاً من الإشكاليّات والإخفاقات التي تكرّر ظهورها في النصوص التي وصلتنا للنشر. كتبنا هذه المادّة لتوضيح العوامل، على مستوى الشّكل والمضمون، التي تَحولُ أحياناً دون نشر النصوص، وذلك سعياً منّا إلى مشاركة القرّاء والكتّاب في الاعتبارات والمعايير التي توجّهنا في اختيار النصوص وفي أسلوب تحريرها.

يميل بعضُ الكُتـّاب إلى "تكبير حجرهم"، فيختارون مواضيعَ فضفاضةً، وعناوينَ واسعةً، تحتاجُ إلى كُتبٍ لاستيفاء حقّها وإشباعها. كأن يُفكِرَ أحدُهم بالكتابة عن "القطاع الصحيّ الفلسطينيّ في الضّفة الغربيّة" مثلاً، دون أيّ تركيز في جانبٍ معينٍ، أو قطاعٍ ما. تحويل مثل هذه العناوين الفضفاضة إلى مقالاتٍ يجعلها، بالضرورة، تتسم بالعموميّة والجرد المعلوماتيّ غير المُعَمّق، ولا تكون أكثر من نبذةٍ عامّةٍ تبقى على السّطح.

نسعى في "متراس" إلى إنتاج مقالاتٍ تتناول أفكاراً مُحددةً عينيةً تشكّل مدخلاً يوضّح ويشرح للقارئ القضيّة الأكبر، وأن تُحدّد هذه الأفكار بزمنٍ أو جغرافيا أو زاوية تحليل. ويُمكن التفرّعُ من كلِّ عنوانٍ كبيرٍ إلى عدّة محاور وحالاتِ بحثٍ وجوانب مختلفة يُمكن تناولها في مقالاتٍ منفصلة.

لو تناولنا قضية القطاع الصحيّ مثلاً، يمكننا تقسيمه إلى عدة مقالات ومحاور، كأن يكتب أحدهم عن سياسات التحويلات إلى المستشفيات الإسرائيلية وغيرها من المستشفيات خارج الضّفة الغربية، كيف يسير خطّ هذه التحويلات، كم تستغرق من الوقت؟ من يُعطي الموافقة عليها، كم تُكلّف السّلطة سنوياً؟ هل من شبهات فساد في شأنها؟

يمكن كذلك الكتابة عن أوضاع المستشفيات الفلسطينية: أي الأمراض تعالج، لماذا لا يوجد علاج لأمراض مستعصية في بعض المستشفيات؟ كيف تتوزع هذه المستشفيات جغرافيّاً وهل تكفي الحاجة السكانيّة؟ من الممكن كذلك أن يتناول صحفيّ مسألة أكثر تحديداً، كأن يتتبع قضية إهمال طبيّ ما ويدقق في تفاصيلها ويكشف عن خباياها.  

المعلومة هي اللبنة الأولى في مختلف الأنماط الصّحافيّة وإنتاج المحتوى الالكترونيّ. واهتمامنا في "متراس" بالمعلومة يمكن أن يُقسّم إلى ثلاثة جوانب: الاهتمام بدقة المعلومات، والاهتمام بأن تكون المعلومات مُحدّثَة ولا تتجاهل تطوّرات شهدها موضوع المقال قبيل نشره، وأخيراً الاهتمام بمصداقية مصادر تلك المعلومات وتنوّعها.

دقّة المعلومة من شروط النزاهة الصحافيّة، ولا جدال فيها. أما حداثة المعلومة فقد تنبع من عدم الاطلاع الكافي على موضوع المقال وتطوّراته وآخر مستجداته. أمّا مصداقيّة المصادر فتعود غالباَ إلى الاعتماد على مصادر تقليدية (مصادر الجهات الرسمية مثلاً) وعدم السّعي للبحث في مصادر محتملة أخرى.

هنا يهمنا أن لا يكتفي الكاتب فقط بالاتصال بمصدرٍ مرتبطٍ بالشأن المطروح بهدف الحصول على المعلومة، كأن يتصل فقط على مدير العلاقات العامّة في جهة رسميّة ما. إنما يشجع متراس، إضافةً إلى ذلك، على التوجه إلى مصادر متنوعة وموّسعة، مثل البحث في الأراشيف المتنوعة، أو في مصادر الصّحافة المتنوعة، بالإنجليزيّة والعبريّة، وغيرها من اللغات، أو الاطلاع على دراسات لمراكز متخصصة، مثل المؤسسات الحقوقيّة، أو النسويّة، وغيرها أن توفر ذلك. 

بعد أن يُلخّص الكاتبُ أهمَّ المعلومات حول الفكرة التي حدَّدَها بدقّة، نجد النصّ ينتهي فجأةً! بعض المواد تكون غنيّةً بالمعلومات، لكنّها لا تحتوي على تحليلٍ أو ربطٍ للمعلومات ببعضها البعض، أو تعليقٍ عليها يشرح أهميّةَ هذه القضيّة وأثرَها الاجتماعيّ أو السياسيّ. 

مثلًا، قد يتطرّق مقالٌ إلى الأبحاث الراهنة عن التغيير المناخيّ ويُجمِلُها، ويُرفق أخباراً دقيقةً وإحصائيّات حول الشأن، دون استكمال ذلك بتحليل أو تعقيب. يهتم متراس بالاطلاع على التحليل والتعقيب على هذه المعلومات، ومساءلة دقّتها وتناولها من وجهات نظر نقديّة.

في مثالٍ آخر، قد يُجمل نصٌّ كافّة المعلومات المطلوبة عن أجندة المستوطنين في المسجد الأقصى، دون أن يُضيف تحليلاً يفسّر تصاعد الاقتحامات مثلاً، أو دون تعليقٍ على تلك الأجندة وأفقها وارتباطاتها. وقد يراجع النصّ كتاباً صدر حديثاً، ويعرض فيه أهمَّ ما ورد من معلومات وادعاءات، لكنّ لا يقدّم تعليقاً أو رأياً، ولا يشرح أهميّة هذا الكتاب (أو عدم أهميّته) في المجال الذي يبحث فيه. 

من المهم أن نُقدّم تحليلاً، لكنّ الأهمّ أن يكون هذا التحليل مؤسَسَاً بشكلٍ منطقيّ، وأن يكون الاستنتاجُ بناءً على المعلومات، وأن تكون المحاججة مقنعةً. قد لا تتبنى هيئة التحرير أو جمهور القراء، تحليلاً أو موقفاً معيّناً بشكل كامل (دون أن يتعارض ذلك مع رؤيتها العامّة)، لكنّها تنشره لأنّه متماسك ورصين، ومعروض بشكلٍ منطقيّ، ويكون الكاتب فيه قادراً على الدفاع عن ادعاءاته. 

يقترب متراس في نمطه من نمط المجلة الرقميّة. لذلك لا ينشر الأخبار أو التقارير الإخباريّة المرتبطة بحدثٍ آنيّ راهن. كذلك، لا ينشر متراس المواد التي تقع ضمن تصنيف "مقالات الرأي" التي لا تستند إلى معطيات جديدة وتحليل متماسك.

كما لا ينشر "متراس" قصص النجاح الشخصيّ التي راجت في السّنوات الأخيرة في الكثير من منصات الإعلام، والتي تصلنا على شاكلتها عشرات المقترحات شهريّاً. كذلك، لا ينشر متراس نصوصاً أدبيّة وتدوينات شخصيّة لا تستند إلى مرجعٍ معرفيٍّ ما بل تقوم على المشاعر والمشاهدة الشخصيّة فقط لا غير.

الإنترنت شبكة واسعة كثيرة المنصات، ما تم تداوله وإشباعه نقاشاً وعرضاً لا داعٍ لمعاودة تكرار ذات المحاولات، فالهدف الأساسيّ إثراء النقاش بما هو مستجد. نؤمن أن جهودنا تراكم فوق جهود غيرنا من المواقع التي تحمل هموماً ومواقف قريبةً مما يراه متراس. لذلك، فإننا نرى بأن عملنا يجب أن يُكمّل المحتوى المُقدّم عربيّاً، لا أن يحاول تكريره وإعادة إنتاجه بذات النمط، طالما لا يحملُ مستوياتٍ وزوايا جديدة من التحليل، وطالما لم يطرأ جديدٌ على مستوى المعلومات.

واحدة من الإشكاليّات التي نواجهها في النصوص هي الإنشغال باللغة أكثر من الإنشغال بالفكرة وشرحها وتبسيطها لتكون مفهومة ومتاحة للجميع. يعمد بعض الكتّاب إلى تبنى أسلوبٍ كتابيّ منشغل بالتنظير واللغة المعقدة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى أن يقفل القارئ المتصفحَ بعد ثوانٍ من الضغط على رابط المادّة.
نحبّ الاعتناء باللغة وتجويدها وتنويع التعابير في النص، بعيداً عن التكرار والصرامة، إنما دون التعقيد اللغويّ وإقحام الاصطلاحات التي يُمكن الاستغناء عنها لصالح نصٍّ أكثر سلاسةٍ وقُربٍ للقارئ.

في بعض الحالات، يضطر المُحرِّرُ إلى رفض المادة في حال أصرّ الكاتب على استخدام مصطلحات لا تتوافق مع رؤية الموقع، وموقفه وسياسته، كتلك التي تنطوي على توجّه عنصريّ ومهين اتجاه جماعةٍ معيّنة أو شخصٍ معيّن. مثل الإشارة إلى المثليين جنسيّاً باعتبارهم "شواذ"، أو الإشارة إلى الأفارقة بتسمية "عبيد" وغيرها.