كتب كارل شميت قبل ما يقارب قرناً متسائلاً: ما هو السياسي؟ ما السمة الأساسية لهذا الشيء الذي يتحدث عنه الجميع؟ جاءت إجابته حاسمة وبسيطة في آن: السياسي هو التمييز بين الصديق والعدو. فإذا كانت الأخلاق تُبنى على ثنائية الخير والشر، والجماليات على الجميل والقبيح، والاقتصاد على الربح والخسارة، فإن السياسة هي عملية تحديد الصديق (نحن) والعدو (هم).
إنّ التفرقة بين الصديق والعدو، مفاصلة وجودية، فالعدو هنا ليس مجرد خصم نختلف معه في السياسات أو القيم، بل هو العدو العام الذي يهدد وجود الجماعة نفسها، وبالضد تُعرّف الأشياء وتكتسب معناها.
معنى "الوجود" هنا لا يُقصد به مجرد الحضور المادي، بل موقعنا في هذا العالم: علاقاتنا به، وكيف نراه ونفهمه. الدين، مثلاً، هو مكوّن من الوجود أو مُشكّلٌ له، والوجود بهذا المعنى، هو جملة ما نتعامل معه كمسلّمات؛ ما لا نحتاج في حياتنا اليومية إلى تبريره أو شرحه، لأنه يشكّل أرضيتنا البديهية.
لكن هذا الوجود ليس جوهراً ثابتاً لا يتغيّر، بل هو في حالة تشكّل دائم، يتغيّر بفعل تفاعلات الداخل وتحوّلاته، هو ما يمكن تسميته بـ "شكل الحياة" عند لودفيغ فيتغنشتاين، أي مجموع أنماط العيش والتفكير والتفاعل، وهو، عند طلال أسد، ما يميّز الناس في طرائق كلامهم وسلوكهم ورؤيتهم للعالم، أما عند إمام الحرمين الجويني في كتابه "الغياثي"، فيتجلى في كليات الشريعة: الفروض الخمسة وبعض المعاملات.
وعليه، فإن العدو ما يهدد هذا كلّه. هو احتمال انهيار هذه المسلّمات، أو تآكل تلك الكليات التي يقوم عليها وجود الجماعة؛ ومن هنا بالذات يغدو تهديداً وجودياً.
اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟
على هذا الأساس، يمكن فهم الحرب بوصفها القرار السياسي الحاسم في مواجهة العدو، بهدف الحفاظ على شكل الحياة والوجود الذي نحياه، لكن، هل العدو، بالضرورة، شرير أو قبيح؟ لا، ولكنه "الآخر" الذي يهدد وجودي. صحيح أننا كثيراً ما نستدعي لغة الأخلاق والجماليات للتجييش والتعبئة ضد العدو، لكن هذه اللغة تظل مُتفرّعة من سؤال السياسي، لا سابقة له.
الإنسان بطبيعته يميل إلى تصوير عدوه كقبيح وشرير، لكن هذا ليس شرطاً لقيام العداء، في التاريخ، لم يكن المسلمون بحاجة إلى توصيف الصليبيين بالشر أو القبح لكي يقاتلوهم؛ يكفي أنهم قوة جاءت من خارجهم لاحتلال أرضهم، وفي المقابل، قد يمتدح الأوروبي خصمه المسلم لشجاعته أو نبله، كما قد يفعل المسلم، من دون أن يغيّر ذلك من حقيقة أنهم سيتقاتلون حتى النهاية.
العدو لا يتحدد بالفعل ذاته، كالقتل أو السرقة، فهذه أفعال يُحكم عليها أخلاقياً، وقد تُبرَّر سياسياً في سياق حرب يحددها السياسي، لذا، ليس القتل في ذاته ما يصنع العدو، بل إمكانية الإفناء؛ أي القدرة على تهديد وجود جماعة ما أو إنهائه. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم العداء التاريخي مع الأوروبيين على الضفة الأخرى من المتوسط، لا لأن القتل كان واقعاً دائماً، بل لأن احتمال الحرب ظل حاضراً بوصفه إمكانية مفتوحة.
أخلقة السياسة وحدود الحرب الأهلية
هل تسود الأخلاقُ السياسة؟ نعم، لكن في حالاتٍ مخصوصة: حين تُقتل السياسة بفعل الليبرالية والهيمنة العالمية، أو بفعل الحرب الأهلية.
عملية "أخلقة السياسة" هذه، هي عملية ليبرالية تسعى إلى تمييع التمييز بين الصديق والعدو، وإخضاعه لمعايير أخلاقية وجمالية، وبهذا، لا يعود العدو من يهدد وجودك، بل من يخالف منظومتك القيمية. يجري ذلك عبر خلق إجماع ليبرالي محلياً، وفرض هيمنة عالمية، بحيث يصبح كل من هو خارج هذا الإجماع، أو خاضع لهذه الهيمنة؛ مارقاً أو عدواً، حتى إن لم يُشكّل تهديداً.
اقرؤوا المزيد: "فلسطين الكبرى".. عن استحالة التسوية
في هذا السياق، يمكن فهم عبارة جورج بوش الابن الشهيرة: "إما أن تكون معنا أو مع الإرهابيين"، فهي لا تُعبّر عن تهديد مباشر، بل عن إعادة تعريف للعدو على أساس الاصطفاف ضمن منظومة قيم محددة. وبالمثل، قد تُصنَّف سياسات اقتصادية حمائية، أو سياسات اجتماعية معارضة للمثلية الجنسية، إشاراتِ عداء، لا لكونها تهديداً وجودياً، بل لأنها تقع خارج الإطار الليبرالي السائد.
وهنا تتبدّى مسألة محورية: إن توظيف لغة "الإنسانية" أو "عالمية حقوق الإنسان"، إنما هو إحدى وسائل الليبرالي للهيمنة، واعتبار من يخالفه خارجاً عن "الإنسانية".
بهذا المعنى، فإن إمطارنا بلغة الأخلاق، والإنسانية، وحتى المنفعة الاقتصادية، هو محاولة لقتل السياسة، عبر حجب سؤالها الأساسي: من العدو؟ ومن الصديق؟ ولعل ذلك يظهر بوضوح في توظيف هذه اللغة في توصيف الأعداء وتبرير التدخلات العسكرية، كما في حالات أفغانستان والعراق، وصولًا إلى إيران في الوقت الراهن. وبطبيعة الحال، لا تُمثّل أيّ من هذه الدول تهديداً وجودياً للولايات المتحدة، لكن هذه هي آلية عمل الأخلاق الليبرالية، بوصفها أداة لخلق العدو الوهمي لتبرير الإمبريالية والهيمنة.
الحرب الأهلية، بوصفها تعبيراً عن تَسَيُّد الأخلاق على السياسة، لا يُقصد بها هنا معناها الدارج المرتبط بحدود الدولة القُطرية، بل يُقصد بها معنى أوسع: كل حرب تدور داخل وجود جمعي واحد، بهذا المعنى، فإنّ أي حرب تقع داخل دار الإسلام، بمعناها الكلاسيكي، هي حرب أهلية. كما أن الحروب الدينية في أوروبا في القرن السادس عشر وما تلاها، هي أيضاً حروب أهلية، وقد انتهت تلك الحروب ببروز مبدأ "السيادة الويستفالية"، ومحاولة حصر الديني والوجودي داخل حدود الدولة الحديثة التي انبثقت عنها، ومنذ ذلك الحين، بدأ تحديد العدو والصديق يُعاد ضبطه ضمن هذه الحدود.
الحرب الأهلية امتدادٌ لفكرة الحرب العادلة أو "الأخلاقية"، في ظل غياب تهديدٍ وجودي واضح، إذ يصبح التحفيز فيها قائماً، أساساً، على خطاب أخلاقي، وهي، في جوهرها، حربٌ لا رابح فيها، لكن هل يتساوى أطرافها؟ قطعاً لا، لكن ذلك لا ينفي أن الحرب الأهلية - من حيث نتيجتها - خسارة للجميع.
اقرؤوا المزيد: إسلام المستشرقين وإسلام المجاهدين.. لماذا لا يمكنهم فهمنا؟
غالباً ما تنتهي هذه الحروب إمّا بإعادة بناء سلطة سيادية تستعيد النظام تدريجياً، كما في تجربة صلاح الدين الأيوبي حين أسّس الدولة الأيوبية من داخل بنية الدولة الفاطمية، وإما بتفكك السيادة إلى كيانات متعددة، كما شهدت أوروبا في أعقاب حروبها الدينية، وفي كلتا الحالتين، قد يمتد انهيار السيادة لعقود، بل لقرون.
وهنا المفارقة: ففعل الحرب الأهلية ذاته يتحول إلى تهديدٍ للوجود، حتى وإن لم يكن أطرافها يمثلون، في الأصل، تهديداً للوجود الجمعي، وفي النهاية، لا تُحسم نتائجها أخلاقياً بقدر ما تُحسم سياسياً، تبعاً لما يطرأ على السيادة من تفكك أو إعادة تشكّل.
هكذا، فإنّ أي صراعٍ بين مكوّنات الأمة الإسلامية هو، بحكم اشتراكها في وجود جمعي، حربٌ أهلية، وما أكبر أبواب الفتن في تاريخنا، وما أكثر السفّاحين فيها؛ دماءٌ غزيرة سُفكت، وآلافٌ مؤلّفة قُتلت، باسم وحدة المسلمين أو حفظ الدم أو نصرة آل البيت.
اقرؤوا المزيد: عرب جابوتنسكي وواجب الوقت
وبهذا، فإنّ تاريخنا حافلٌ بالحروب الأهلية، فالصراع الصفوي - العثماني كان صراعاً على الإسلام وتمثيله، لا ضده كما في الحروب الصليبية، وفي العصر الحديث، تمثّل مجازر أنظمة مثل نظام صدام حسين ونظام آل الأسد في حق شعوبها حروباً أهلية، وحتى التدخل الإيراني يُفهم، في هذا السياق، بوصفه امتداداً لحربٍ أهلية، بكل ما رافقه من طائفية الميليشيات وكرهها وعنفها الدموي، حتى لو قيل: "هم أسوأ الناس أخلاقاً وأشنعهم فعلاً".
في المقابل، حتى لو افترضنا – جدلاً - أن "إسرائيل" تمارس القتل "برحمة" وبأدوات تكنولوجية دقيقة (وهو ليس الواقع)، فإن ذلك لا يغيّر من كونها عدواً وجودياً.
الحرب الأهلية قد تكون، في كثير من الأحيان، أشدّ دموية من الحرب السياسية، وكما سبق، فإن أطرافها لا يُمثّلون، في الأصل، تهديداً وجودياً بعضُهم لبعض؛ غير أن فعل الحرب الأهلية ذاته قد يتحوّل إلى تهديدٍ للوجود، عبر إضعافه وتعميق انقساماته (كما في الانقسامات الطائفية) على نحوٍ يمتد لعقود، وربما لقرون. وهنا تحديداً تكمن خطيئة إيران، في مساهمتها بتأجيج حروبٍ أهلية، لا سيما في العراق وسوريا، بما أسهم في تهديد الوجود الجمعي لما اعتدنا تسميته أمةً عربيةً وإسلامية.
تتأجّج في الحرب الأهلية المشاعر على نحوٍ يتجاوز ما في الحرب السياسية، فهي حرب يُعاد فيها تشكيل العدو ليغدو أقبح الناس وأشرّهم، وفيها يُوظَّف الدين أداةً سياسيةً وأخلاقية، لا حاكماً عليهما، لهذا يتصاعد التكفير وتشيع أوصاف الهرطقة في سياقها، فتزداد وحشية القتل والتفنّن في العنف، كما في نماذج مثل تنظيم داعش والميليشيات الإيرانية، وهنا تغدو الوحشية نتيجةً لأخلقة الحرب، وفي الوقت نفسه عاملاً يُغذّيها ويُعيد إنتاجها.
المشاعر VS السياسي
هنا تكمن صوابية المشاعر وإشكاليّتها في آن، فالمشاعر لا تكذب، لأنها جزءٌ أصيل من النفس الإنسانية، تتشكّل عبر التجارب التي يعيشها الإنسان، وهي، بهذا المعنى، ذاتية، حتى لو اتخذت طابعاً جماعياً، إذ ترتبط بخبرة أفراد أو جماعة بشرية، ولا يتشاركها جميع البشر، لكن المشاعر، في الوقت نفسه، عالمية، فالبشر، على اختلاف مواقعهم، بين صداقةٍ وعداوة، وخيرٍ وشر، يشتركون في امتلاك المشاعر؛ وهو ما يجعل المشاعر غير صالحة لبناء السياسي أو الأخلاقي.
مع ذلك، تظل المشاعر وثيقة الصلة بالفعل، ومحركاً أساسياً لتعبئة الناس نحوه، لذا، لا يمكن إقصاؤها من التفكير في السياسي أو الأخلاقي، فالشخص الخالي من مشاعر كالغضب أو الحقد أو الكره أو الحب هو شخص لا يفعل؛ أقرب إلى السكون، إن لم يكن إلى الموت.
اقرؤوا المزيد: ويحكم هُبُّوا!
وبحكم عالمية المشاعر، فإنها متساوية في القيمة، لا سيما داخل الوجود الجمعي الواحد، فآلام الغزّيّين والسوريين واحدة، كما أن آلام الأوكرانيين والفيتناميين وغيرهم واحدة، وليس من الصواب أن نُقيم هرماً للمآسي أو نُميّز بينها، فآلام الناس ليست في منافسة، ومحاولة تفضيل ألمٍ على آخر تُنتج، غالباً، ردّ فعلٍ معاكساً: فالتقليل من ألمي يدفعني إلى التقليل من ألمك، ولا يسلم من ذلك، إلا مَن عقِل، ولعلّهم كُثر في أمتنا.
محاولة التهوين من آلام السوريين عبثٌ وغير أخلاقية، وتبريرها باسم فلسطين لا يستقيم، فبهذا المنطق تُعامَل فلسطين كأنها كيانٌ قُطري منفصل عن جسد الأمة، بل متعالٍ عليه، والصواب أن مركزية فلسطين لا تُبنى على شدة الشعور ولا على أخلاقية القضية فحسب، بل على موقعها السياسي، فهي في صلب الصراع السياسي بين العدو والصديق؛ تُحتل وتُستباح من قِبل عدوٍّ وجودي، وما يمنحها هذه المركزية هو أن هذا العدو، إذ يلتهمها، إنما يهدد وجود الأمة بأسرها، فكل شبرٍ يُحتل من فلسطين هو، في جوهره، تهديدٌ لوجود هذه الأمة.
الإيراني والإسرائيلي.. هل يستويان مثلا؟
بهذا المعنى، لا يتساوى الإيراني والإسرائيلي؛ لا من جهة الأخلاق ولا من جهة المشاعر، بل من جهة السياسة ومعنى أن يكون للأمة عدوٌّ وجودي، وليس في ذلك تقليلٌ من آلام السوريين، ولا من مخاوف إخوتنا في الخليج.
لذلك، من حقّ الناس أن يفرحوا بمقتل من قتلهم، وليس من الصواب المزايدة عليهم، ولعلّه يمكن تفهّم غياب الحياد لدى السوريين، بل وربما فرح بعضهم بضرب إيران، كما يمكن تفهّم خذلانهم وحزنهم ونقدهم لأي دعمٍ يُقدَّم لإيران، هذا حقّهم، فالحنق والغضب مشروعان، ولا يجعلهم ذلك "متصهينين"، في ضوء تاريخٍ دمويٍّ قريب غذّى مشاعر كرهٍ أشد وضوحاً تجاه إيران.
كما أن الفريق الذي يدعم إيران اليوم ليس بالضرورة "محورجياً"، فغالبهم كان داعماً للثورة السورية، وناقداً لإيران والحزب، ورافضاً لدمويتهما في سوريا، لكن جوهر النقاش يظل سياسياً: مسألة تحديد العدو الوجودي. من هنا يمكن فهم الجدل من جهتين؛ الأولى أن "إسرائيل" عدوٌّ سياسي، وهذا مما لا خلاف فيه، بينما تُرى إيران - لدى كثيرين - بوصفها عدواً أخلاقياً قبيحاً، وعلى هذا الأساس لا يتساويان، حتى لو بدا قبحُ الإيراني أشدَّ لدى البعض، لأن المقارنة هنا تجري بين مستويين مختلفين، فليس من يُفسد الدين كمن يهدّد الدين في كليّته.
اقرؤوا المزيد: "وما رميت إذ رميت".. كيف ننظر إلى الحرب؟
أما الجهة الأخرى، فتتمثّل في اعتبار الطرفين عدوّين سياسيين؛ وبذلك يغدو لبّ النقاش نفيَ وجود أمةٍ واحدة أصلاً، وإنما هي أمم متعدّدة، وعلى هذا الأساس، يُنظر إلى التهديد الإيراني السابق لـ "الأمة السورية"، بوصفه تهديداً وجودياً لها، وبهذا، يُخرِج المُثقفون السوريون كلاً من إيران وسوريا من جسم الأمة، وهو لبّ الخلاف.
وهنا لا أتبنّى مفهوم الأمة بمعناه الديني أو حتى العروبي بالضرورة، ففي ظل حقبتي الاستعمار وما بعد الاستعمار، ومع غياب دولٍ ذات سيادة حقيقية في ظل الهيمنة العالمية للولايات المتحدة، تبدو جميع الدول - بدرجات متفاوتة - كياناتٍ قيد التشكّل، لكونها منقوصة السيادة، لكني أدّعي أن مشروع الدول العربية القُطرية مشروعٌ ضعيف وهشّ، لا يتجاوز منطق الحصون أو المدن في التاريخ، وقد تنجح هذه المشاريع مستقبلاً، كما قد ينبثق عنها مشروع أممي، عروبي أو إسلامي أو غيرهما، لكن في اللحظة الراهنة، ليس ثمة قوميات قُطرية مستقلة تمتلك سيادةً كاملة بالمعنى الدقيق للكلمة؛ إذ إن الارتهان لقوى خارجية - كالولايات المتحدة أو روسيا - في طلب الحماية، يكشف حدود هذه السيادة وقيودها.
بقايا الأممية في اللسان
أعتذر عن هذا القدر من التنظير، لكنه - في تقديري - يقع في صلب النقاش، فعدم مساواة إيران بـ "إسرائيل" (الذراع الوفيّة للاستعمار والهيمنة الغربية) يبدو منطقياً إذا أُقرّ بهيمنة أميركا وانتقاص السيادة.
ولعلّ الإشكال يكمن في بقايا اللغة الأممية في ألسنتنا، فما زلنا، بدرجات مقصودة من التفاوت، نتحدث عن "أمة"، ونتداول مفاهيم مثل "الأمن العربي المشترك"، من عامة الناس في الشارع إلى دوائر السياسة، وهذه البقايا ليست عرضية، بل تمتد جذورها في التاريخ المشترك، وفي تشكّلات الناس وتجاربهم تحت مشاريع عروبية وإسلامية، بل حتى ضمن اللغة الدينية الرسمية، غير أنّ إكراهات الواقع، وما تفرضه البراغماتية في التعامل معه، تُعيد تشكيل مواقفنا، مع الإبقاء على شيءٍ مما يمكن تسميته "بقايا الأممية في اللسان".
فالأمة، بهذا المعنى، ليست مجرد شعار، بل واقعٌ متجسّد في التجربة، وفي لغة الناس ومشاعرهم، بل حتى في بعض السياسات. ولعلّ تأميم الثورة السورية - بما له وما عليه - دليلٌ على مادية هذا المفهوم، وعلى أنه يتجاوز كونه خطاباً إلى كونه تجربةً مُعاشة.
اقرؤوا المزيد: اتزان غزة واختلال العالم
وبالتالي، فإنّ الأمة كمفهوم، لها تمثّلاتها في الواقع، لكنها آخذة في الضعف والتفتّت، فنحن نعيش مرحلة ما بعد العروبة وما بعد الإسلاميين، إذ تلقّى كلا المشروعين ضرباتٍ قاصمة عبر العقود الماضية، وما نعيشه اليوم ليس إلا تبعات ذلك، ولا إشكال لديّ في قوميةٍ قُطرية إذا ما أصبحت واقعنا ولغتنا وخيالنا، غير أنّ هذا لم يتحقّق بعد، وإن كانت ملامحه آخذةً في التوسّع.
في الختام، لا وجود لتيار "متصهين" أو "محورجي" داخل ما يمكن تسميته التيار الأساسي في الأمة العربية، فكلا الخطّين هامشيّ، وإن كان الأول آخذاً في التمدّد، ولكن ما أردتُ قوله هو أننا، في جوهر الأمر، نتجادل بشأن السياسي ومعنى وجودنا الجمعي: هل ما تزال هناك أمة؟ أم إنّ ما نسمّيه "أمة" بات ينتمي إلى الماضي، ويحمل اليوم معاني متباينة، وربما متناقضة، حتى إن تشابهت الكلمات؟