13 مارس 2026

أزمة النخبة الأميركية: من وحل إبستين إلى غزو العالم

أزمة النخبة الأميركية: من وحل إبستين إلى غزو العالم

ينظر كثير من المراقبين لتحرك ترامب العسكري ضد طهران كمحاولة للفت الأنظار عن ملفات إبستين وعلاقة ترامب المباشرة بواحدة من أكبر الفضائح النخبوية في التاريخ المعاصر في الولايات المتحدة. ورغم أن شبكة الجريمة المنظمة التي كشفت عنها الملفات تتقاطع مع التدخلات العسكرية الفجّة في الخارج بكونها تشكل نقطة انحدار أخلاقية لنخب الولايات المتحدة؛ إلا أنه وعلى خلاف الحروب المفضوحة، تعمل الشبكة النخبوية التي كشفت عنها الملفات في الخفاء تحت غطاء كثيف من التنظير الأخلاقي.

لم تقتصر قائمة الأسماء المذكورة في ملفات إبستين التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية نهاية كانون الثاني/ يناير المنصرم على شخصيات سياسية من رؤساء ووزراء ومسؤولين عالميين فحسب، بل تعدّتهم لتشمل ثلّةً من نخبة الأكاديميين والقانونيين والأدباء والعلماء والمفكرين الغربيين. شكّل ذلك صدمةً للجماهير العالميّة ممن نظرت إلى كثيرٍ من هؤلاء حتى وقتٍ قريبٍ نظرةَ إجلالٍ وتقدير.

اقرؤوا المزيد: دعارة إبستين تُعيد تشكيل العالم 

كشفت الوثائق المنشورة ما هو أبعد من شبكة جريمة دولية منظمة؛ إذ نفذت إلى عمق المنظومة الفكريّة الأميركية التي أسّست للنموذج الأخلاقي الماديّ طوال العقود الماضية، لا بقائمة الأسماء الواردة فيها فحسب ولكن أيضاً بردود الأفعال اللاحقة لمؤسساتهم وزملائهم والدوائر العلمية والأكاديمية والفلسفية المحيطة بهم؛ الأمر الذي أظهر حجم التقاطع بين عالم الأكاديميا المؤسِّس للنموذج الأخلاقي الحديث وبين دوائر المال والنفوذ والنخب السياسيّة. 

فما أثر ملفات إبستين على النموذج الأخلاقيّ المعاصر في الولايات المتحدة خاصّةً ذلك الذي تتبناه مؤسساتها الأكاديمية الرائدة؟ وكيف تحوّلت تلك المؤسسات الأكاديمية من مُنظِّرَة للأخلاقية إلى شريكة في الجريمة؟ وما الذي نفهمه من ورود أسماء لامعة مثل نعوم تشومسكي؟ وكيف نقرأ ذلك في ظلّ إرثه الفكري والأخلاقي؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها. 

العالم السري للمؤسسات الأكاديمية

كشفت الدفعة الأخيرة من وثائق إبستين عن علاقاته الممتدة بعالم الأكاديميا والمؤسسات التعليمية الرائدة، إذ تضمّنت قائمةً بثلاثين اسماً لعلماء بارزين في مجالاتهم يعملون في جامعات "رابطة اللبلاب" وهي أرفع الجامعات الأميركية. من بين هؤلاء الفيزيائي لورانس كراوس الذي تبرّع إبستين لمؤسسته العلمية بمبلغ 250 ألف دولار أميركي، والفيزيائية من جامعة هارفارد ليزا راندل، وعالم الفيروسات من جامعة ستانفرد ناثان وولف، والبيولوجي الرياضي مارتن نوواك، الذي أدخله إبستين جامعة هارفارد وأسَّس له برنامج الديناميكيات المتطورة PED بتبرع قيمته 6.5 مليون دولار أميركي. 

كما برزت من بين الجامعات الأميركية الدائرة في فلك إبستين جامعتا هارفارد ومعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، وذلك من ناحيتين: ورود أسماء باحثين وعلماء يعملون فيهما، وتمويل وإنشاء برامج ومشاريع فيهما. فقد تبيّن أنّ إبستين تبرّع بملايين الدولارات لجامعة هارفارد بين عامي 1998 و2008 وأسّس فيها اقساماً مرتبطة بالديناميكيات التطورية. سارعت الجامعة لإعلان براءتها من قبول التبرعات من إبستين منذ 2008، بينما بقيت التبرعات السابقة تحت المجهر لأثرها في سياسة وخطّ الجامعة العلميّ والأخلاقيّ.

وقد كان من بين الأسماء البارزة الواردة في الوثائق رئيس جامعة هارفارد السابق لورانس سمرز، والذي شغل سابقاً منصب سكرتير الخزينة للجامعة بين عامي 1999 و2001. وكانت علاقته بإبستين تتخطى حدود العلاقة المهنية إلى تلقي نصائح جنسيّة حول إحدى طالبات سمرز في برنامج الدكتوراه في الجامعة والتي كانت مادةً حيّة لمراسلات الأخير مع إبستين. وقد قطعت العديد من المؤسسات التعليمية والاقتصادية علاقتها بسمرز بعد نشر تلك المراسلات في محاولة لتبرئة نفسها.   

اقرؤوا المزيد: دينٌ متخفٍّ اسمه الإنسانيّة

كما كشف طلاب في جامعة هارفارد ارتبطوا بالبروفيسور مارتن نوواك، أحد أهم الأسماء المرتبطة بإبستين في جامعة هارفارد، كيف استُخدم منتوج أعمالهم للترويج لخيرية إبستين وتلميع صورته المجتمعية عقب إدانته الأولى عام 2008 دون موافقتهم أو علمهم.

الأمر ذاته ينطبق على معهد ماساشوستس الذي تلقى تبرعات بملايين الدولارات الأميركية من إبستين على امتداد العقود الماضية توجّهت في معظمها لمختبر الإعلام التابع للمعهد، والذي تعرّض لانتقادات عدة بعد اتباعه سياسة تضخيمية فيما يتعلق باكتشافات المعهد وإنجازاته، ما قاد لتقديم عدد من مسؤولي المعهد استقالاتهم، بما فيهم جوي إيتو، مدير المختبر، إثر الفضائح المتتالية التي لحقت متبرعهم السخي.

وقد كشف تحقيق قديم لصحيفة النيويوركر عن علاقات مالية عميقة ربطت إبستين بالمعهد، وهو ما أكدّته الوثائق المنشورة حديثاً. ضمن تلك العلاقات تبرّع إبستين للمعهد بمبالغ فاقت 7.5 مليون دولار أميركي، وبعد إدانة إبستين الأولى عام 2008 ظلّ مختبر الإعلام التابع للمعهد يتلقى الهبات منه ولكن تحت مُسمّى "متبرع مجهول".

لا تقتصر علاقة إبستين بهذه المؤسسات التعليمية الرائدة على التمويل، بل تمتد إلى علاقات شخصيّة وثيقة بحزمة من أبرز علماء هذه المؤسسات تخلّلتها لقاءات مهنيّة وحفلات اجتماعية ورحلات مشتركة، كعلاقته بالبروفيسور مارك ترامو، أستاذ علم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، والبروفيسور ليون بوتستين، رئيس جامعة براد في نيويورك، والبروفيسور ديفيد جيليرنتير، أستاذ العلوم الحاسوبية في جامعة ييل، والقائمة تطول من الشخصيات الانتهازية الباحثة عن التمويل والعلاقات والنفوذ. 

 اقرؤوا المزيد: فلسطين في أميركا: جيل Z لم يضل الطريق

يطرح هذا الأمر أسئلة ملحة حول المسؤولية الأخلاقية للجامعات وقدرتها على الاحتفاظ بحريّتها واستقلاليتها بعيداً عن دوائر القوة والنفوذ، والتي من المفترض أن تمنعها  لا من الإنخراط بالجريمة وحسب ولكن أيضاً من تجاهلها والصمت عنها. فمما تكشّف حتى اللحظة، ليست الأزمة فردية بقدر ما هي أزمة مؤسسات اختفت فيها الحدود الأخلاقية، واشتغل خلالها على تطبيع انحرافات النخب، وهو ما يضع النموذج الأخلاقي الأميركي في أزمة أعمق من تلك التي يخلّفها تورط أفراده الرائدين.

وللتذكير، فقد قُدّمت أول شكوى ضدّ إبستين إلى مكتب التحقيقات الفيدرالية عام 1996 من ماريا فارمر، إحدى ضحاياه،  تتهمه بالضلوع في تصوير عارٍ وممارسات جنسيّة لأطفال في بالم بيتش في فلوريدا. ورغم ذلك اختارت المؤسسات الأميركية سواء الفيدرالية أو الشرطية الولائية غضّ النظر عن تلك الشكوك. وفي العام 2005 عندما انطلقت التحقيقات بشكلٍ رسميّ وما رافقها من فضائح على الملأ، لم تبادر المؤسسات الأكاديمية إلى قطع علاقتها بإبستين، الأمر الذي نجم عنه تلميع لصورته المجتمعية وتطبيع لانتهاكاته الأخلاقية المريعة وتصويرها بأنها فوق القانون. 

احتضار الراولزية: بداية النهاية

ابتداءً من ثلاثينيات القرن العشرين، أرسى اليسار العلماني الأميركي بمفكريه وأساطينه العلميّة والفلسفيّة نظاماً أخلاقيّاً استبدل بالعقائد الدينية التقليدية مبادئ إنسانية وعقلانية قائمة على العدالة الإجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان العالمية، مُمهِّداً لما عُرِف لاحقاً بعلمنة الأخلاق، وأدار دفتها باتجاه تقليل المعاناة الإنسانية وتعزيز المساواة بين بني البشر. وقد اضطلعت بإرساء هذا النظام مؤسسات أكاديمية رائدة في الولايات المتحدة وثلة من أساتذتها وروّادها وقادتها على امتداد العقود الماضية. 

وفي رحلتها نحو اليوتوبيا البشرية القائمة على العلم والحداثة، بنت تلك المؤسسات الأكاديمية نموذجها الأخلاقي على الفردية التعبيرية التي تقدّم تحقيق الذات والهوية والإستقلالية الفردانية على المعايير الدينية والمجتمعية، ونبعت سلطتها الأخلاقية من العقل والضمير البشريين والتوافق الإجتماعي لا من سلطة إلهية عليا. كما أطّرت الأجندات السياسية والاجتماعية كضرورة أخلاقية منيطةً بدول الرفاه أداوراً اضطلعت بها الكنيسة فيما مضى من رعاية الفقراء والضعفاء والفئات الأكثر تهميشاً في المجتمع وحاكمتها بناءً على أدائها في هذه الأجندات. 

يقدّم  جون راولز، أستاذ الفلسفة المعروف في جامعة هارفارد في مقال "نظرية في العدالة" 1971، العمود الفقري لفلسفة الليبرالية المساواتية، ومن ثم في مقاله المنشور في مجلة القانون لجامعة شيكاجو صيف 1997 "إعادة النظر في فكرة العقل العام"، الإطارَ الأخلاقي الإجرائي الذي تدور كثير من المؤسسات الأكاديمية الأميركية في فلكه. ترتكز الأخلاق لدى راولز على الإجماع العقلاني، وتتسم بالعالمية المحددة بالعقل وتتأتى من العملية المنهجية للعدالة لا من الفضيلة كما وتقف موقف الحياد من الحقيقة الميتافيزيقية. 

تربّعت الأخلاقية الراولزية هذه طوال نصف قرن على عرش الفلسفة السياسية للنخب في الولايات المتحدة ودارت في فلكها قطاعات واسعة من الأوساط الأكاديمية النخبوية، والتي آمنت بأنَّ النقد الفكريّ النخبويّ متفوق أخلاقيّاً ويؤسّس بذاته نموذجاً أخلاقيّاً متفرداً يرى في الكشف عن نفاق المنظومة عملاً أخلاقياً في حدّ ذاته، كما آمنت بضرورة الاحتكام للعدالة الإجرائية كسلطة أخلاقية قادرة على تصويب المجتمعات الإنسانية. وقد تأثرت مؤسسات القانون والسياسة العامة والمؤسسات الاقتصادية بها على وجه الخصوص.

اقرؤوا المزيد: الإكراه على دين الليبراليّة

غير أنّ تورط مؤسسات التعليم العالي وعدد من قادتها في ملفات إبستين ضرب عقر دار الراولزية؛ إذ يعني ذلك أنّ النخب "الليبرالية في العلن" مارست استغلالاً بشعاً لفئاتٍ مجتمعيّةٍ ضعيفة أو صمتت عن ذلك الاستغلال وبيّضت صفحته فيما بعد. كما تمكّنت بفضل العيوب المتأصلة في نظام العدالة الإجرائية من الفرار من المحاسبة بدعوى أن لا قاعدة قانونية تمّ انتهاكها، وبالتالي لا جريمة تستوجب المحاكمة والعقاب على الرغم من الطبيعة الجليّة للانتهاك الأخلاقي الذي تسبّب في الأذى إن لم يكن الموت لقائمة طويلة من الضحايا ممن لا نعرف أكثرهم.

ليس في نظرية راولز مكان للنوايا المبطّنة ولا للإهمال الأخلاقي ولا للتعامي المقصود، ببساطة لا توجد مسؤولية أخلاقيّة خارج حدود القاعدة القانونية، وحيثما أغمض القانون عينه أمكن للجريمة أن تنمو وتترعرع بلا حسيب ولا رقيب كالعفن الذي يتكاثر في الغرف المظلمة، وعليه تحوّلت المؤسسات التي كان من المفترض أن تكون قوافل العدالة وصاقلة الأخلاق العامة إلى أذرع متواطئة في الانتهاك بالصمت والحماية، وأنهارت الأخلاقية العالمية أمام استثنائية النخب والنظام الأخلاقي المزدوج الذي يعتبر أناساً أكثر تساوياً من أناس آخرين. 

تخلّت العلمانية الليبرالية واليسارية المعاصرة عن معيار الفضيلة والسلطة الإلهية في صياغة نظرياتها، وراهنت على قدرة المجتمع على تصحيح مسار أفراده وجماعاته الضالّة مرتكزة في أغلب الأحيان على خليط من الضمير الجمعي والمبادئ العالمية والعدالة المؤسساتية، فأفلتت في المحصلة نخبها الأكثر ثروةً ونفوذاً من النظرية وتعالت عليها، ووقفت أدوات المحاسبة المصاحبة لهذه النظريات عاجزةً عن تصحيح مسارها ما يؤذن بأفلول عصرها لمناقضتها الجوهر الذي قامت عليه.  

تشومسكي: حين يقع منظّر الأخلاقية في الفخ

ظهور اسم نعوم تشومسكي الفيلسوف والمفكر اليساري الأميركي مناوئ الطبقية والإمبريالية الجديدة، والمحارب العتيد لجرائم الدولة والنخبة ذات المصالح، شكّل على وجه التحديد صدمةً وسط معجبيه والدائرين في فلك فلسفاته ونظرياته. فتشومسكي الذي يشكّل أحد أقطاب النموذج الأخلاقي الأميركي لم يقتصر في علاقاته بإبستين على مراسلات ولقاءات "دافئة"، بل تعدت ذلك لطلب مشورته في المعاملات الماليّة ونصحه بتجاهل نداءات الضحايا ما يوجّه لكمةً موجِعةً لصلب تنظيرات تشومسكي وإرثه الممتد لأكثر من نصف قرن من الزمان. 

لم يوفِّر المنظِّرون الأميركيون من مدارس مختلفة كتلك المحافظة والنسوية ومدارس اليمين فضيحة تشومسكي الأخيرة لينهشه كلٌّ من منظوره؛ فقد اعتبرت الأكاديمية والناشطة النسوية كافيتا كريشنان أنّ علاقة تشومسكي بإبستين تكشف نفاقاً فاضحاً في الفكر اليساريّ التقدمي الذي يسوؤه أن يرى أطفالاً ذكوراً يساقون للعمالة في مصانع الرأسماليين، ولا تحرّك فيه عبودية "الإناث" للخدمة الجنسية للنخب ساكناً. 

كما اعتبره جلين جيرنوالد، الصحفي والقانوني المحسوب على اليمين الأميركي، أحد الضالعين فيما يُعرف بـ"سياسة الخيانة" المرتكزة على العمى الأخلاقي والطمع بالمال والنفوذ الذي يقود المفكر والمثقف لخيانة مبادئه وإرثه الفكري الممتد. 

اقرؤوا المزيد: مخلّص آخر الزمان!

بينما توزّعت أبواق اليسار الغربي بين متشفّعٍ للمفكر العظيم الذي أوردته سنّه المتقدمة موارد الهلاك دون وعيٍ منه بطبيعة الوحل الإبستيني وبين آخرين سارعوا لتبرئة أنفسهم من سلوك تشومسكي المشين، بل إنّ بعضهم سارع لاستقدام كتاب غابريل روكهيل "من دفع لعازفي المزمار في الماركسية الغربية؟" ليتّهم تشومسكي بالانتماء لليسار العالمي الآمن الذي أسسته وكالة الاستخبارات الأميركية، والذي تنفصل النظرية عنده عن الممارسة الثورية ويفشل أمام الاختبارات الأخلاقية والإمبريالية المفصلية فلا يعود يشكّل تهديداً يعتدّ به أمام الهيمنة الرأسمالية الغربية. وهكذا يبدو من هذه الردود أنّ التخلص من هذه الإصبع المتعفنة أسهل لديهم من إعادة محاكمة المنظومة وأساساتها. 

نعوم تشومسكي مع جيفري إبستين، في إحدى الصور المفرج عنها حديثاً من وزارة العدل الأميركية.
نعوم تشومسكي مع جيفري إبستين، في إحدى الصور المفرج عنها حديثاً من وزارة العدل الأميركية.

غير أنّ أزمة النموذج الأخلاقي الأميركي ظهرت حين لم يفوّت رفاقٌ لتشومسكي من اليساريين والتقدميين فرصةَ الدفاع عن "حسن نوايا" الرجل والاستعانة بـ"طول وعظمة" مسيرته العلمية والفكرية للدفاع عن علاقته المشبوهة بإبستين؛ ففي مقال "ماذا تخبرنا رسائل البريد الإلكتروني بين نعوم تشومسكي وجفري إبستين؟" للمؤرخ والأكاديمي اليساري التقدمي غريغ غراندين، تنحو مجلة "ذا نيشن" إلى تلميع تلك العلاقة بوصفها سقطة غير مقصودة من مفكرٍ مُبهرٍ مشغولٍ بجرائم الدولة والجغرافيا السياسية إلى الحد الذي ألهاه عن الانتباه إلى كون إبستين خادماً وضيعاً لطبقةٍ نخبويّة ارستقراطية تسبّبت بمعاناة إنسانية بشعة لشبكة من الأطفال الضحايا! 

الملفت هنا أنّ ذلك المقال الذي يهدف لحشد رأي عام تقدمي ينظر بعين الرأفة والتسامح لسقطة تشومسكي المدوية يتعارض بصورة جلية مع كتاب تشومسكي نفسه وإدوارد هيرمان الشهير "صناعة الرضا: الاقتصاد السياسي للإعلام الجمعي" (1988). بحسب ذلك الكتاب فإنّ إعلام الولايات المتحدة محّمل بالبروباغندا التي توجّه الرأي العام لدعم الحكومة ومصالح الشبكة المتنفذة. ومن هنا يظهر الصدع الممتد في جدار الأخلاقية الذي دأب تشومسكي ورفاقه على تشييده على امتداد مسيرتهم المهنية، حيث نماذج وأنماط العنف التي تنتهجها الحكومة والطبقة الرأسمالية ذات المصالح ليست على ما يبدو عامةً لتشمل الكل على قدم المساواة، بل يبدو أن هناك استثناءات تتعلق، وياللعجب، برجال متنفذين من الطبقات النخبوية! 

وبينما أمضى تشومسكي حياته يندّد بالممارسات الإمبريالية للمستعمرين في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، نكص على عقبيه عندما  طالت ممارسات مشابهة من الاستغلال الجنسي والتهديد بتدمير مستقبل الضحايا إن صرّحوا، معتبراً أنّها مسائل شخصية يساء تفسيرها! وحين سُئل مباشرةً عن علاقته بإبستين هاجم مراسل صحيفة وول ستريت جورنال قائلاً إنّ علاقته به صحيحة وإنّها ليست من شأن أحد. 

اقرؤوا المزيد: الإحساس الحادّ بالحياة

عدم تورط تشومسكي في الجرائم الجنسية المنسوبة لإبستين لا يبرئ من موقفه شيئاً؛ فسقطة الفلاسفة والمفكرين والأدباء والحاصلين على جوائز نوبل ممن تورطوا في شبكة إبستين ليست مرتبطة بما إذا كانوا قد اغتصبوا بالفعل قاصرات وأطفالاً؛ بل إن التواجد في دائرة رجل متهم بقضايا جنسية وإتجار بالبشر والتجول في أروقة قصوره وممتلكاته التي تحوي صوراً لطفلات في أوضاع "مثيرة" بحسب ما وصفته فيرجينا جوفري، إحدى الضحايا الناجيات من شبكة إبستين، يعني أنّ الكل كان يعرف، لكنّ أياً منهم لم يكن يهتم. وهو ما يعني أنّ تنظيراتهم ومقولاتهم الفكرية التي بنوا عليها شهرتهم، وصدّروا من خلالها تفوّقاً أخلاقياً غربياً لبقية العالم، قد فقدت أهم مقوماتها عندما وُضِعَت موضع الاختبار.

ختاماً، تُواصِلُ أزمة النموذج الأخلاقي في الولايات المتحدة تكشّفها منذ أيام ثوماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، والذي كتب عن المساواة في الوقت الذي امتلك فيه العبيد في منزله. وقد وقفت الأزمة الإبستينية لا كحالة شاذة في مجتمع النخبة الأميركية، ولكن كانعكاس للحضارة الرأسمالية الغربية التي تقوم على الاستغلال وعدم المساواة وتجريد الفئات الأضعف من إنسانيتها. غير أنّ هذا الانعكاس ليس هو أسوأ ما في الأزمة، بل إنّ الصدمة كانت في اتساع دوائرها لتبتلع حتى أولئك الذين كانوا يناضلون ضدّ هذه النخبة، وبنوا مسيرتهم المهنية على مقولات المساواة ومحاربة النخبة والطبقية حتى أسسوا بأنفسهم نموذجاً أخلاقياً مناوئاً للرأسمالية العنصرية المتجذرة في الغرب، نموذجاً قائماً على فلسفات الإشتراكية والقوى التقدمية، يقدس حقوق الإنسان ويعلي العقلانية الإنسانية ويحتكم لمؤسسات العدالة ليسقط أخيراً في الفخ، ويثبت أنه ليس بأفضل من أعدائه التقليديين، ما يدعو البشرية لإعادة النظر في هذه النماذج وما تقوم عليه ومحاكمة سقطاتها المدوية بحثاً عن الخلاص الإنساني المنشود.



16 يونيو 2019
مديحٌ فاشلٌ للسبويلر

قصّتي مع “السبويلر” بدأت قبل بضع سنوات. دخلت إلى مقهى ووجدت صديقاً، اسمه سعيد، يجلس مرخياً على كرسيّ في الزاوية،…