كانت القدس مركز مرحلة التصفية منذ انطلاقها عام 2017، اشتركت معها غزة والأراضي المحتلة عام 1948 في معركة "سيف القدس" عام 2021، ثمّ الضفّة الغربية في تجربة الكتائب المحلية خلال عامي 2022 و2023، ثمّ انتقل مركز التصفية إلى غزّة بعد طوفان الأقصى. واليوم إذ تحوّلت حرب الإبادة في غزّة إلى شكلٍ أقلّ حدة وعنفاً وأكثر تعويلاً على الحصار ومنع الإعمار، تعود التصفية إلى القدس كجبهة مركزية، وإلى المسجد الأقصى المبارك بشكلٍ أكثر حدّة باعتباره المركز الرمزي لتلك التصفية، مع دخول الضفة الغربية تدريجياً إلى قلب المواجهة.
على مدى سنوات مرحلة التصفية تلك، تحوّل رمضان إلى محطة مركزيّة للعدوان وللتصدي له، سواء في اقتحامات 2019 أو في معركة سيف القدس 2021 أو في عدوان 2022 أو في معركة الاعتكاف 2023، أو بفرض وقائع التهويد فيه على مدى عامي 2024 و2025 خلال حرب الإبادة؛ فكيف تحول رمضان إلى موسم للعدوان ولمجابهته؟ وما هو العدوان المرتقب على الأقصى خلال رمضان القريب المقبل؟ وما الذي يحاول هذا العدوان أن يؤسس له؟ وما هي الواجبات لمواجهته؟
أولاً: كيف تحول الأقصى إلى المواجهة المتجددة في رمضان؟
تحوّل رمضان في القدس إلى موسم للحراك الشعبيّ بدءاً من هبّة الفتى الشهيد محمد أبو خضير في رمضان التي وافقت شهر تموز/يوليو 2014، والتي لم تلبث أن تحوّلت إلى حرب على جبهة غزّة، حاول الاحتلال خلالها فرضَ الحصار على المسجد الأقصى وحاول منع صلوات الجمعة فيه من تجاوز حد الخمسة آلاف مصلٍّ، ومنع الاعتكاف في العشر الأواخر وهو الأمر الذي انتهى إلى مواجهة مع المرابطين فجر الجمعة 25-7-2014 صبيحة يوم الثامن والعشرين من رمضان حينئذ، أحرقوا فيها مركز شرطة الاحتلال المغتصب في الخلوة الجنبلاطية في صحن الصخرة.
اقرؤوا المزيد: مخفرهم في مسجدنا.. عن الخلوة الجنبلاطية.
تجدّدت المواجهات في رمضان بعد ذلك بسنتين في صبيحة يوم 26-6-2016 الموافق 21 من رمضان 1437، مع إصرار حكومة الاحتلال على مواصلة فتح الباب لاقتحامات المستوطنين في العشر الأواخر منه. أما في 2018 فقد شهد رمضان حملة واسعة لإعمار الساحة الشرقية في محيط باب الرحمة، بعد أن اتضحت نيّة الاحتلال الاستفراد به ومحاولة اقتطاعه، وبدء سياسة إبعاد كل من يصلي أو يتعبد فيه، وهو ما ردت عليه شرطة الاحتلال باقتحام الأقصى في 18-6-2018 في ثالث أيام عيد الفطر ومحاولة تخريب ما أنجزه المعتكفون في الأقصى.

انتقل مستوى المواجهة والتصعيد في رمضان إلى مستوىً آخر في "خمسية التصعيد" التي شهدت تقاطعات بين رمضان وبين مناسبات مركزية في التقويم العبري، إذ تقاطع يوم الثامن والعشرين من رمضان مع الذكرى العبرية لاحتلال كامل القدس على مدى ثلاث سنوات متتالية 2019 و2020 و2021، وهو ما أدى إلى أحد أسوأ اقتحامات الأقصى حتى تاريخه في يوم 2-6-2019. أما في 2020 فقد تحول هذا التقاطع إلى دعوة صهيونية لفتح الأقصى للمقتحمين بعد إطالة الاحتلال زمن إغلاقه بذريعة وباء كورونا ليشمل كل شهر رمضان رغم السماح بالحركة في البلدة القديمة وفي الأسواق داخلها ومن حولها، فقوبلت هذه الدعوة بدعوة مضادة لفتح الأقصى أمام المصلين والمعتكفين، ليصل هذا التصعيد ذروته في عام 2021 وليتصدى المعتكفون بأجسادهم العارية لمحاولة اقتحام المسجد الأقصى في الثامن والعشرين من رمضان، ولتنطلق منه معركة سيف القدس في 10-5-2021 بعد مقدماتٍ أسست لها بهبّة باب العمود وهبّة حي الشيخ جراح طوال أيام شهر رمضان.
اقرؤوا المزيد: "أعمدة المواجهة في باب العمود".
تكثف التصعيد في عامي 2022 و2023 مع دخول تقاطع هجري-عبري جديد، إذ بات "عيد الفصح العبري" بأيامه الثمانية يتقاطع مع الاسبوع الثاني من شهر رمضان المبارك1يتألف التقويم العبري من شهور قمرية وسنوات شمسية ما يجعله يضيف شهراً كل ثلاث سنوات تقريباً ليحافظ على توافق سنواته مع الدورة الشمسية، أما التقويم الهجري فهو قمري بشهوره وسنواته، ما سجعل التقاطعات العبرية-الهجرية تتغير بشكلٍ مستمر.، فحولت شرطة الاحتلال المسجد الأقصى إلى ساحة حرب فجر الجمعة 15-4-2022 في محاولة لضرب التحرك الشعبي بشكل استباقي وإفساح المجال للمقتحمين طوال أيام الفصح التي تأتي بعده، أما في 2023 فاستبق المعتكفون محاولة الاقتحام في الفصح العبري بالمبادرة لفرض شعيرة الاعتكاف في المسجد الأقصى قبل حلول الأيام العشر الأخيرة من رمضان، وهو ما أطلق معركة الاعتكاف ما بين 5-11 من شهر نيسان/أبريل 2023 التي وافقت الأيام بين 14-20 رمضان 1444هـ وأدت لانطلاق الصواريخ من غزة ولبنان والجولان، وإلى عمليات مقاومة فردية أبرزها عملية الحمرا في الأغوار في 7-4-2023 والتي أدت إلى مقتل ثلاثة مستوطنين.
أما شهور رمضان التي جاءت في ظل حرب الإبادة في غزة في عامي 2024-2025 فقد حوّلها الاحتلال إلى مناسبة لفرض تراجعاتٍ في الهوية الإسلامية للمسجد، وفرض تغييرات كبرى في الوضع القائم، إذ استبق شهر رمضان 2024 بتركيب أسيجة شائكة علوية على أجزاء من سور المسجد وتجديد شبكة الكاميرات الدقيقة القائمة فوق المدرسة التنكزية. كما ركّب أقفاصاً معدنية أمام مواقع شرطته على أبواب الأقصى لتحويلها من حواجز ذات طابع مؤقت إلى حواجز دائمة تملك بنىٍ تحتية. ومن ثم فرض في ثالث أيام رمضان، في 13-3-2024 تحديداً، إحدى أكبر التغييرات في الوضع القائم في المسجد الأقصى منذ احتلاله إذ بدأ يسيّر الدوريات المسلحة فوق رؤوس المصلين أثناء صلاتهم، ليستثمر فرصة الإبادة ويحاول كسر المعادلة التي فرضتها المرجعيات الإسلامية والإرادة الشعبية بعد الاحتلال مباشرة، بأن لا صلاة تحت الحراب.
اقرؤوا المزيد: "معادلة الأقصى التي كُسِرت.. لا صلاة تحت الحراب".
في 2025 استمر تعامل الاحتلال مع رمضان وفق نفس الرؤية، من خلال منع الاعتكاف ليالي الجمعة والسبت أسبوعياً، وحصره في الليالي التسع الأخيرة من رمضان، في تجديد لمعركة الاعتكاف التي كان الاحتلال قد اضطر للتراجع فيها بعد مواجهات 2014 وفي رمضان السابق لطوفان الأقصى في 2023.
على مدى عامي حرب الإبادة لم تنتهِ التقاطعات الهجرية العبرية تماماً، إذ جاء التقاطع الجديد ليضع عيداً هامشياً هو "عيد المساخر العبري (البوريم)" في مقابل الأيام الوسطى لرمضان ما بين الثالث عشر والخامس عشر منه، وذلك على مدى سنوات 2024-2026، إلى أن يحلّ موعد التعديل التالي في التقويم العبري. وتعمل منظمات المعبد بالتعاون مع شرطة الاحتلال على تحويل هذا العيد إلى عيد مركزيّ على رزنامة الاقتحامات لتقليص فترة انقطاع المناسبات المركزيّة التي تدوم لنحو ستة أشهر، وقد أحاط الخوف بنشاط جماعات المعبد في السنة الأولى للحرب وهو ما قلّص من حجم معظم اقتحاماتها، إلا أنها عادت في 2025 لاستئناف نشاطها منتشيةً بغرور القوة، وفرضت تلك الجماعات بالتعاون مع شرطة الاحتلال أكبر اقتحام للأقصى في هذا العيد الهامشي منذ احتلال المسجد، بمشاركة 555 مقتحماً، وذلك في 16-3-2025.
ثانياً: ما العدوان المرتقب على الأقصى في رمضان القادم؟
بالنظر إلى هذه المقدمات، وأخذاً بالاعتبار أن الرؤية الإجمالية التي يحملها الاحتلال اليوم تجاه الأقصى هي الإحلال التام عبر مرحلة من التقاسم تُمهّد له، أو بلغة أخرى محاولة تحويل المسجد الأقصى بكامل مساحته إلى معبد وذلك عبر مرحلة من التقاسم تهيء الأرضية لذلك؛ فإن الاحتلال بات ينظر إلى رمضان في الأقصى باعتباره موسم اختبار قدرته على ضرب هويته الإسلامية والتأسيس لطمسها، لأنه إذا كان قادراً على الحد من الحضور الإسلامي في المسجد ومن فرض وقائع تهويدية على الأقصى في رمضان، فهذا يعني أنه بات أكثر قدرة وتمكناً على فرضها في غيره.
اقرؤوا المزيد: "الأقصى ليس هو الأقصى.. رمضان وقد شارف على الانتهاء".
انطلاقاً من رؤية الاحتلال تجاه الأقصى، ومن المقدمات التاريخية التي حوّلت شهر رمضان المبارك من موسم للعبادة والاعتكاف والصلاة في المسجد الأقصى إلى موسمٍ لاختبار القدرة على تهويده وطمس هويته الإسلامية، فإن شهر رمضان المقبل من المتوقع أن يكون موسم عدوانٍ على المسجد الأقصى خصوصاً مع حرص وزير الأمن القومي الإسرائيلي على تعيين شريكه في تيار الصهيونية الدينية أفشالوم بيليد قائداً لشرطة الاحتلال في القدس، وتعجيله بتسليمه المنصب في 6-1-2026، وهو تعيين قالت مصادر صحفية إسرائيلية إنّه جاء حرصاً على أن يتولى بيليد بنفسه وضع خطة التعامل مع رمضان في القدس وفي المسجد الأقصى، وهو المنتمي فكرياً لتيار الصهيونية الدينية والآتي مهنياً من خلفية عسكرية.
وقد افتتح بيليد وجوده في المنصب بالسماح للمقتحمين بحمل أوراق الصلاة اليهودية داخل المسجد لتسهيل أدائهم للطقوس التوراتية داخله، وباتت تُوَّزع على المقتحمين باب المغاربة قبل الاقتحام. كما أنّ سياسة الإبعاد عن المسجد الأقصى توّسعت أكثر مع تسلّمه موقعه لِتُرسل عبر الرسائل النصية وأدوات التواصل بعد أن كانت قائمة على الاستدعاءات والحضور الشخصي، وبات عناصر شرطة الاحتلال على أبواب الأقصى يحملون قرارات إبعاد مختومة يملؤونها ببيانات من يحلو لهم إبعاده، وهذا أدى إلى توسع في أعداد المبعدين عن المسجد الأقصى قبيل رمضان قدّرته مؤسسة القدس الدولية بأكثر من ألف مبعد من القدس والأراضي المحتلة عام 1948.
انطلاقاً من كل هذه المقدمات، فمن المرجح أن يمضي العدوان على المسجد الأقصى في المسارات الخمسة الآتية:
- اقتحام عيد المساخر العبري (البوريم): للعام الثالث على التوالي، والأخير ضمن التناظر الهجري-العبري الحالي، يحِلّ "عيد المساخر" العبري على مدى ثلاثة أيام ما بين 2-4 آذار/ مارس 2026، والموافق لأيام 12-14 رمضان 1447ـ
تأتي كل أيام المساخر العبري هذا العام ضمن الأيام التي تخصّصها شرطة الاحتلال للمقتحمين، فهو يستمر على مدى أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء، ما يسمح بتحقيق اقتحام كبير عددياً، وهو ما يُعزّز جهد منظمات المعبد بالتعاون مع شرطة الاحتلال لتكريس هذا العيد الهامشي كمناسبةٍ مركزيّةٍ للاقتحام، خصوصاً وأنها تمكنت في العام الماضي من إدخاله على أجندة المناسبات المركزية.
دخل هذا العيد على اليهودية متأخراً، إذ تقول الأسطورة التوراتية إنّ الوزير هامان لدى الملك الفارسي أحشويرش الثاني كان يخطّط لإبادة اليهود في كل المناطق الواقعة تحت الحكم الفارسي ويتآمر لدفع الملك لإصدار مثل هذا القرار، لكن إستير اليهودية –إحدى محظيات الملك- تفسد خطته بالتعاون مع ابن عمها وراعيها موردخاي، فينتهي الملك بقتل هامان في مكان اليهود، ويرمز العيد في الفهم اليهودي المعاصر إلى العناية الإلهية باليهود ووقوع الإبادة بمن كان يدبّر لهم الشر2عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد الخامس: المفاهيم والفرق، (القاهرة: دار الشروق، 1999)ص267..
اقرؤوا المزيد: لحظة الصفر.. كيف يُؤسس لكنيس في الأقصى؟
يحاول المقتحمون خلال أيام هذا الاقتحام قراءة "سفر إستير" في حلقات جماعية صاخبة داخل الأقصى، كما يجدّدون عملهم على فرض مختلف الطقوس مثل الانبطاح على الوجه "السجود الملحمي"، وطقوس "بركات الكهنة"، إضافة لنقل الرقص والاحتفال بـ"هلاك هامان" إلى داخل الأقصى لأول مرة بعد أن أصدر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن جفير في 26-6-2026 قراراً لشرطة الاحتلال بتمكين المقتحمين من الغناء والتصفيق والرقص داخله.
2. تكريس معادلة هيمنة حراب الاحتلال على الأقصى: إذ إنّ الاحتلال تعمد اختيار شهر رمضان لفرض هذا التغيير الكبير في الوضع القائم في الأقصى، وذلك بتسيير الدوريات الراجلة المسلحة في الأقصى بدءاً من ثالث أيام رمضان 1445 الموافق ليوم 13-3-2024، لتتحوّل تلك الدوريات مع مرور الزمن إلى تسع نقاط تمركز للدوريات الراجلة لشرطة الاحتلال، بينها ثلاث دوريات معززة يزيد عدد المشاركين فيها عن ستة عناصر شرطة في الغالب، وباتوا بحلول رمضان التالي في 1446-2025 يفتشون المصلين ووجباتهم أثناء وجودهم داخل الأقصى.
تواصل شرطة الاحتلال تصعيد دور هذه الدوريات الراجلة بشكل متصل، لفرض طبيعة على الأقصى وكأنه قد بات "منشأة أمنية" لمزيد من ترهيب المصلين والمعتكفين، إذ باتت تُقاطِع الدروس وحلقات العلم لاستجواب القائمين عليها والمشاركين فيها، في هيمنة أمنية آخذة بالتعمق.
3. تجديد الحرب على شعيرة الاعتكاف: وهي حالة مستمرة منذ عام 2013 حين أفشل الحراك الشبابي الشعبي في القدس عدداً من اقتحامات الأقصى المركزية من خلال الاعتكافات، وتجدد على مدى سنوات تالية كما ورد آنفاً، وصولاً إلى معركة الاعتكاف في رمضان 1444ـ-2023، ثم عمل الاحتلال الحثيث على تقييده من جديد في رمضان 1446-2025.
هذه الحرب من الممكن أن تشمل محاولة منع الاعتكاف في ليالي الجمعة والسبت خلال أيام الأسبوع، وهو ما تمكن المرابطون من فرضه منذ 2015، ومحاولة تضييق أيام الاعتكاف على أقل عدد ممكن من ليالي العشر الأواخر من رمضان.
- تجديد المعركة على هوية مصلى باب الرحمة: كان رمضان محطةً فارقة في الطريق إلى فتح باب الرحمة ومن بعد فتحه، فقد كانت حملة تنظيفه وإعماره في العشر الأواخر من رمضان، وتحديداً ما بين 21-29 رمضان 1439ـ، والموافق ما بين 6-14 من شهر حزيران/يونيو 2018، إذ جرت أكبر عملية تأهيل شعبية للساحة الشرقية، وجرى تجميع الردم في تلة أسميت بـ"تلة باب الرحمة" وأقيمت فوقها خيمة اعتكاف باسم الشهيدة المسعفة رزان النجار، إحدى شهيدات استهداف قوات الاحتلال للمدنيين المشاركين في مسيرات العودة في قطاع غزة، وهو ما ردّ عليه الاحتلال بمحاولة تخريب أعمال الإعمار في ثالث أيام عيد الفطر، وبوضع موقع لشرطته فوق مبنى باب الرحمة. وبقيت المواجهة على هوية المكان تتصاعد حتى 17-2-2019 حين انطلقت هبة باب الرحمة التي تمكنت من إعادة افتتاح المصلى بعد 16 عاماً من محاولات إغلاقه واقتطاعه.
اقرؤوا المزيد: "باب الرحمة.. مواجهة متجددة في الأقصى".
حاولت شرطة الاحتلال إعادة إغلاق المصلى، ومنع إيصال الخدمات له، فكان رمضان من العام التالي محطة لفرض فتحه بعد فرشه بالسجاد وإهداء المصاحف وخزانات الأحذية إليه، ثم كانت كل شهور رمضان التالية عنواناً لتكريس الحقائق فيه، ففي رمضان 1443 الموافق شهر نيسان/أبريل 2022 أزال المرابطون نقطة شرطة الاحتلال من فوق مصلى باب الرحمة ووضعوا مشارب مياه على مدخله. ردّ الاحتلال بقطع تمديدات المياه الواصلة إلى المشارب بعد عيد الفطر، وفي رمضان 1444 الموافق لشهر نيسان/أبريل 2023 جدّد المرابطون فرش المسجد بسجادٍ جديد، وأسسوا فيه شبكة للكهرباء وحاولوا ربطه بشبكة صوتيات المسجد الأقصى بالإجمال، وهو ما ردّ عليه الاحتلال بعملية تخريب واسعة لشبكة الكهرباء وللسماعات خلال عيد الفطر.

اليوم، يقترب شهر رمضان ومصلى باب الرحمة يواجه حالةً من العزل وملاحقة المصلين والمرابطين فيه، ما يجدد ضرورة الرباط فيه وتجديد إعماره بالصلاة والقيام وتلاوة القرآن، وبالإفطارات في محيطه وتكريس مكانته كجزء لا يتجزأ من الأقصى، إذ إنّ هذا الاستهداف الإسرائيلي للمصلين فيه يأتي في إطار عزله والتمهيد لتجديد محاولة اقتطاعه، وشهر رمضان يمكن أن يشكّل محطةً فارقة لقطع الطريق على هذا المسعى.
5. توظيف مجريات شهر رمضان لتكريس حصار الأقصى والتعتيم الإعلامي عليه: أضاف الاحتلال طوقين جديدين من الاستهداف بدءاً من شهر 9-2023 الذي شهد موسم العدوان الطويل السابق لطوفان الأقصى، الطوق الأول حصار المسجد الأقصى المبارك ومنع الدخول إليه لكل الرجال والنساء من غير سكان البلدة القديمة مع استثناءات قليلة، ما جعل الصلوات تنعقد خلال أيام الاقتحامات تلك دون اكتمال الصف الأول من المصلين في معظم الصلوات، وعملت على تكريس ذلك بعد طوفان الأقصى، حتى أن أعداد المصلين في صلاة الجمعة بقيت لا تصل إلى حد الخمسة آلاف طوال عشرة أسابيع بعد طوفان الأقصى، ثم مع رمضان 1445ه الموافق لشهر آذار/مارس 2024 أضافت طوقاً إضافياً من الحواجز على مداخل الطرقات المؤدية للأقصى، فبات المقدسي القادم من خارج البلدة القديمة يحتاج للمرور عبر ثلاثة أطواق من الحواجز للوصول للأقصى، أما القادم من الضفة الغربية فبات يمر بخمسة أطواق منها.
يستغل الاحتلال المواسم التي يكثر فيها توافد المصلين للأقصى لإضفاء الشرعية على هذا الحصار المستمر والمطبق، فهو يحاول توظيف الصورة الواردة في ليلة 27 رمضان وفي الجمعة الأخيرة من رمضان للتسويق بأنّ المسلمين يتمتعون بحرية الوصول للأقصى، وهو ما تنبغي مواجهته بالتأكيد في كل التغطيات الإعلامية على أن المسلمين لهم الحق الأصيل في الوصول للأقصى في ليلة السابع والعشرين من رمضان وفي كل أيام السنة كذلك، وفي الأوقات التي يختارونها، وليس بناء على اشتراطات شرطة الاحتلال وحالة التقاسم التي تحاول تكريسها.
أما التعتيم الإعلامي على المسجد الأقصى فقد بدأ يتكرس مع موسم العدوان الطويل في شهري 9-10 من عام 2025 حين فرضت شرطة الاحتلال إجراءات تضييق على الصحفيين وإبعادٍ وتفتيش، كما باتت تمنع المصلين وحراس المسجد من رؤية المقتحمين، وتفرض عليهم التواجد حصراً داخل الجامع القبلي أو في النطاق الداخلي لصحن الصخرة، وهو ما يعني أن العجز بات يصل إلى حد عدم القدرة على معرفة وقائع العدوان، فضلاً عن مواجهته أو منعه. إنّ مواجهة هذا التعتيم ممكنة من خلال دفع المسجد الأقصى إلى صدارة الوعي العربي والإسلامي، والاستفادة من المواسم الروحانية مثل رمضان لتصبح موسماً لوقوف الأمة مع مسجدها الأقصى في وجه محاولات تهويده وتغييب وقائع العدوان عليه.
ثالثاً: ما الذي يعده الاحتلال من عدوان لما بعد رمضان؟
يأتي العدوان على رمضان في إطار رؤية عامة لتهويده الكامل وتحويله إلى معبد من خلال مرحلة انتقالية من التقاسم بين اليهود والمسلمين، وفي إطار قراءة بأن اللحظة الحالية هي لحظة انتصار صهيوني مطلق، يسمح بأخذ معركة التصفية حتى نهايتها، وبما أن الاحتلال يتعامل منذ ثماني سنوات مع المسجد الأقصى باعتباره المركز الرمزي للتصفية، فإن الأفق القريب من المرجح أن يحمل معه محاولات تغيير كبرى لهوية المسجد الأقصى، ويمكن من خلال تحليل المسارات الجارية على مدى السنوات الماضية أن تقرأ اتجاهات العدوان التالية بعد شهر رمضان:
- تجديد السعي لتنفيذ طقس التطهر بالبقرة الحمراء: وهي الأسطورة التي تنظر إليها الصهيونية الدينية بوصفها الحل الطقوسي لمضاعفة أعداد المقتحمين للأقصى، وكسر حالة العزوف العام عن المشاركة في هذه الاقتحامات نتيجة الرأي الحاخامي الذي يمنعها بسبب نجاسة الموتى وحاجة اليهود للتطهر منها قبل أن يفكروا في اقتحام الأقصى. وقد سبق للاحتلال أن جلب خمس بقراتٍ حمراء من الولايات المتحدة في شهر 10-2022 وهي تُربّى في منشأة محمية في مستوطنة "شيلوه" قرب رام الله، وما تزال أربع من هذه البقرات تحمل الشروط الكاملة التي تؤهلها لأن تستخدم في طقوس التطهير، والموعد الديني المفضل لأداء هذا الطقس هو الثاني من نيسان العبري، والذي يوافق هذا العام يوم الجمعة 20-3-2026 ويوافق اليوم الأول أو الثاني من عيد الفطر. ما تزال منظمات المعبد تقف عند مرحلة التبشير بهذا الطقس، وبث الدعاية حول ضرورته لتشكيل رأي عام صهيوني يفرضه، وبالذات في النخبة اليمينية السياسية والعسكرية، وهو ما يرجح أن التحرك في هذا الاتجاه سيبقى مقتصراً على الدعاية والتمهيد.
2. محاولة فرض القربان الحيواني خلال الفصح العبري: يحل "عيد الفصح" العبري ما بين الأول والثامن من نيسان/ أبريل 2026، وتتخلله 6 أيام اقتحام من أصل ثماني أيام هي إجمالي أيام هذا العيد، ويرتبط هذا العيد بطقس القربان الحيواني، والذي يشكل ذروة العبادة في المعبد وفق الأسطورة التوراتية. وتحاول منظمات المعبد فرض هذا القربان داخل المسجد الأقصى المبارك، لاعتقادها بكونها القربان المرتبط بالخلاص وبالتدخل الإلهي إلى جانب اليهود باعتبارهم "شعباً للرب"، أي أنها ترى فيه بوابة لتحقيق الهدف الإجمالي لعملها السياسي، فهي حركات خلاصية تعمل على تحضير المقدمات لتدخل الرب باعتبار هذا التدخل هو الحدث النهائي الذي من شأنه أن يحسم هذا الصراع.
اقرؤوا المزيد: السجود الملحميّ: كيف وظّفوا طقساً مندثراً لسرقة الأقصى؟
على مدى عام 2025 صعّدت منظمات المعبد سعيها لفرض القربان بثلاث محاولات ناجحة لتهريب سخل أو حملٍ إلى داخل الأقصى، أو لإدخال لحم مذبوح يقطر دماً إلى صحن الصخرة، ونجاحها في إدخاله ثلاث مرات في عام واحد بعد عقود من الاستعصاء يؤشر إلى تواطؤ شرطة الاحتلال في تمكينها من إدخال القربان، خصوصاً وأن كثيراً من عناصر شرطة الاحتلال وقادتها، بمن فيهم قائد منطقة القدس المعين حديثاً أفشالوم بيليد، يؤمنون بأن ذبح هذا القربان في الأقصى من شأنه أن يًقرب "الخلاص الإلهي"، ما يعني أن الأقصى سيكون على موعد مع عدوان كبير عليه بعد رمضان بأسبوعين فقط.
3. محاولة تمديد ساعات الاقتحام واستحداث أوقات اقتحام مسائية: في مشاركته في احتفال منظمات المعبد بـ"عيد الأنوار العبري (الحانوكاه)"، تعهد نائب رئيس الوزراء وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين بتمديد ساعات اقتحام الصهاينة للمسجد الأقصى، ومنحهم فترة اقتحامٍ مسائية تسمح بالاقتحام دون الحاجة للتغيب عن العمل، في خطوة تهدف إلى مضاعفة أعداد المقتحمين، وتستكمل سقف التقسيم الزماني الذي بلورته الصهيونية الدينية بمشروع قانون التقسيم في 2012 والذي كان ينص على مناصفة تامة للساعات يومياً، بواقع تسع ساعات لليهود وتسع ساعات للمسلمين.
للدفع بهذا الاتجاه، وجهت منظمات المعبد في 5-2-2026 رسالة إلى حكومة الاحتلال تطالبها فيها بتمكينها من اقتحام الأقصى في العشر الأواخر من رمضان، وبمنحها فترة اقتحامٍ مسائية بمقابل صلاة التراويح التي يؤديها المسلمون، وهو ما تقاسم أدوار تقول الخبرة التاريخية إنه يدخل إلى الفعل حينما يصبح الهدف المعلن له أولوية للتطبيق، ما يعني أن المسجد الأقصى مهدد باستحداث فترة اقتحام ثالثة مسائية تنضم للفترتين الحاليتين المفروضتين، إذ تمتد الأولى من الساعة 7:00-11:30 صباحاً، والمسائية ما بين 1:30-3:00 مساء، وهما فترتان يبلغ مجموع ساعاتهما المخصصة للاقتحام ست ساعات يومياً، تمتد لتصبح ست ساعات وربع في كثير من الأيام.
4. محاولة تجديد إغلاق مصلى باب الرحمة: وهو ما جرت مناقشته في وقائع العدوان في شهر رمضان المبارك، وما يحصل في رمضان فيه من رباط وإعمار وتأكيد لهويته من شأنه أن يؤثر على هذا المسعى ومدى أولويته صهيونياً في المرحلة المقبلة.
رابعاً: نظرة على سياق العدوان الأوسع في القدس: معركة تهجير سلوان تشتد في رمضان:
إلى جانب ما يبيّته الاحتلال للمسجد الأقصى في رمضان وما بعده –باعتباره مركزاً رمزياً للتصفية، فإنه يسابق الزمن كذلك على عدد من الجبهات الأخرى وأبرزها محاولة تصفية هوية سلوان، الحاضنة الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك، والتي تتعرض ستة من أحيائها لمحاولة تهجير صهيونية نشطة، ويقع حيّا البستان وبطن الهوى المتجاوران في قلب جبهة التهجير هذه. وقد كثفت سلطات الاحتلال تحركاتها تجاه حي البستان خلال الأيام السابقة لرمضان، إذ وجهّت أكبر إنذار بهدمٍ جماعيٍّ لـ14 من منازل الحي في 1-2-2026، وذلك خلال مهلة 21 يوماً تتزامن نهايتها مع ثالث أيام شهر رمضان المبارك، ما يعني أن بلدية الاحتلال هي من تبادر لموجة هدمٍ كبرى في أحد أحياء سلوان المركزية، بعد أن كانت في السابق تعلن "هدنة هدم" طوال شهر رمضان على مدى سنوات. هذه المبادرة للتصعيد تجسد العقلية نفسها للتعامل مع شهر رمضان كشهرٍ لاختبار آلة التصفية في محيط المسجد الأقصى المبارك، كما تُقرأ منها محاولة ضمنية لقلب مفاعيل معركة سيف القدس في 2021 مستفيدة من حرب الإبادة كبوابة لقلب وقائع الصراع على كل الجبهات، وهو ما يفرض ضرورة الوقوف في وجه هذه المحاولة ومنع تمريرها بالخوف والترهيب.
اقرؤوا المزيد: عين سلوان.. يدُ "إلعاد" الممتدّة في كلّ مكان
وواقع الأمر أن المسجد الأقصى وتهجير سلوان هي رؤوس حربة عدوان الاحتلال التصفوي في القدس، إلا أن معركة التصفية تأخذ شكلاً شاملاً على جبهاتٍ كثيرة من بينها جبهة الملكيات من خلال "إجراءات تسوية الملكيات" وإعلان استئناف العمل بها لتشمل كل عقارات القدس بحلول نهاية 2029، ما من شأنه أن يفتح عشرات بؤر التهجير والمصادرة الإضافية، إضافة إلى تكثيف جبهة تهجير التجمعات البدوية في الخان الأحمر وفي برية القدس القدس عموماً، وتأسيس المستوطنات في منطقة E1 التي تفصلها عن القدس بعد سنواتٍ من المراوحة، وبدء بناء مستوطنة كبرى شمال القدس في مكان مطار قلنديا لتكريس انفصالها عن رام الله، وهدم المقر الرئيس للأونروا وإغلاق مدارسها ومعاهدها وعياداتها في القدس بشكلٍ كامل ومصادرة عقاراتها وأراضيها، وتعميق ضرب قطاع التعليم من خلال إغلاق مدارس الأونروا، ومدارس أهلية عديدة، وتشديد قبضتها في فرض النسخة الخاضعة للتبييض والتحريف الإسرائيلي من المناهج الفلسطينية، ومنع توظيف أي معلمين جدد من خريجي الجامعات الفلسطينية.
خامساً: ما هو الأفق الممكن لمواجهة هذا العدوان؟
أمام هذه الوقائع، فإن عودة معركة التصفية إلى القدس والأقصى باعتبارها الساحة المركزية تفرض العمل المتصل على استدعاء كل ما يمكن من أسباب الفعل والتأثير إلى هذه المعركة، لتكريس معادلة توازن نسبي جديدة تقف في وجه التصفية وتمنعها، وتقطع على الاحتلال الطريق في محاولته لإنجاز التصفية الكاملة تحت سيف الإبادة، ومن الممكن الوصول إلى هذه النتيجة من خلال خطّي عمل متوازيين يتطلبان المراكمة والمثابرة:
الخط الأول: الأقصى والقدس عنواناً لاستعادة الثقة واسنهاض الهمم في مرحلة ما بعد الإبادة:
يحاول الاحتلال توظيف الإبادة كسيفٍ مسلط على الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، بالتزامن مع نظام رسمي عربي محسوم لصالح الهيمنة الأمريكية في معظمه، ومع تعقيد وقائع المقاومة في غزة، واستمرار الظروف الموضوعية التي تغلق آفاقها إلى حد كبير في الضفة الغربية، فإن الاحتلال بات يرى أنها اللحظة المناسبة لفرض التصفية وحسم كل الملفات المعلقة أو التي كانت تقف في موقع المراوحة.
في مقابل ذلك، فإن حالة الترهيب والخوف أمام هول الإبادة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وخيارات الاحتلال التي يطرحها ما بين أن يقتلنا أو أن ننتحر بأيدينا خوفاً من أن يقتلنا هي ليست خياراً في واقع الأمر، فكلاهما ينتهي للنتيجة نفسها مع اختلاف الطريقة. الخيار المحصور ما بين القتل السريع أو البطيء، وما بين القتل بيد العدو أو الانتحار ليس خياراً في واقع الأمر وإن كان يجري تزويقه تحت سيف الإبادة والخوف بوصفه "خياراً عقلانياً".
هذه الحقيقة لن تلبث أن تًدرك وأن تصبح ملموسة لكل من يعايشها، وكسر معادلة "اللا خيار" هذه ليس إلا مسألة وقت، وكلما استعجلنا في إدراكها واستكشاف سبل الخروج منها كلما قللنا من الثمن الذي يمكن أن ندفعه بسببها، ومن هنا فإن قضايا الحسم التي تسمح بتلمّس هذه الحقيقة مبكراً لا بد أن تصبح عناوين لقرع جدار الوعي واستنهاض الفعل الشعبي والتحرك الجماعي باعتباره أول ما يمكن أن يستعيد الثقة، ويفتح نافذة نور في جدار "اللا خيار" الذي يريد الاحتلال أن يحاصرنا به.
اقرؤوا المزيد: عرب جابوتنسكي وواجب الوقت
هذه القضايا التي يمكن أن تقرع الخزان يمكن تلخيصها بستة عناوين مركزية: الأول هو الأقصى والثاني هو سلوان والأحياء المهددة بالتهجير في القدس والثالث هو بؤر عدوان المستوطنين في الضفة الغربية في جنوب نابلس وشرق رام الله وشرق وجنوب الخليل، والرابع هو تفشي الجريمة في الداخل المحتل عام 1948 والخامس هو ملف الأسرى وجحيم التجويع والتعذيب الذي يعيشونه والسادس هو استدامة الحرب البطيئة والتجويع والتعيطش والحصار وتدمير أسباب الحياة في غزة.
إن استكشاف مرحلة ما بعد الإبادة، واستعادة الثقة والأفق ما بعدها ممكن من خلال إيلاء هذه العناوين المبدأية موقع المركزية، وأن يجري التعامل معها كعناوين استنهاض الوعي وفتح أبواب التحرك، ودعم الحملات الإعلامية وحالة التحرك الشعبي ودعم القيادات الميدانية التي يمكن أن تقودها، مع طرح مبادرات متجددة تفتح أبواب الفعل لأكبر عددٍ من الباحثين عنه. هذه العناصر يمكن أن تشكل أسس استراتيجية المقاومة على مستوى الداخل الفلسطيني في مرحلة ما بعد الإبادة.
الخط الثاني: الأقصى والقدس عنواناً لتوسيع دائرة الانخراط العربي والإسلامي:
على مدى عقود مضت ترسخت معادلة ميّزت بين نطاقين: نطاق المواجهة والتضحية والفعل وهو الذي يتصدى له المقاومون والمرابطون في داخل فلسطين المحتلة، ونطاق الدعم المعنوي والمادي والإسناد ومكانه في خارج فلسطين المحتلة. لقد ثبت بالتجربة منذ هبة النفق 1996 ومن خلال عشر مواجهات على مدى ثلاثة عقود بأن المسجد الأقصى والقدس عموماً قد باتت عنوان تثوير فلسطين، لكن هذه المعادلة في منحناها التصاعدي داخل فلسطين والمتراجع خارج فلسطين أدت إلى حالة استفراد بالداخل الفلسطيني سمحت بحرب إبادة لمدة سنتين.
هذا التشخيص يفرض ضرورة تغيير المعادلة، وبأن القوى التي كان يُتصور أنها في الصف الثاني تتولى الدعم المادي والمعنوي والإسناد بات عليها أن تنتقل إلى الصف الأول، وأن يصبح الشتات الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية جزءاً مباشراً من الاشتباك بأشكاله الإعلامية والقانونية والشعبية وصولاً إلى حالة الاشتباك الشامل. إن هذا الاشتباك يتطلب تشكل وعي يؤسس له، ولا يكتفي بالوقوف بالصفوف الخلفية، ولا يقبل بالتسليم لحالة العجز المفروضة بوقائع التجزئة والتطبيع.
العناوين المركزية التي تسمح بتشكيل مثل هذا الوعي هي الأقصى والقدس على المستوى العربي والإسلامي، واستعادة حق العودة عنواناً للتحرك على مستوى الشتات الفلسطيني، إلى جانب بقاء وقائع العدوان والقتل والإبادة في غزة والضفة والسجون عناوين تحفيز للوعي والتحرك.
اقرؤوا المزيد: من الطوفان إلى ردع العدوان.. ماذا ينتظر منطقتنا العربية؟
ترجمة ذلك تقتضي طرح مشروع تحرري عربي وإسلامي جامع يتجاوز الحدود الترابية والولاءات الضيقة لكيانات التجزئة العربية، يكون تحرير القدس والمسجد الأقصى عنوانه وبوصلته، مشروعٌ تحرريٌّ يدرك أن النهضة القُطرية لا يمكن تحقيقها باستدامة الهيمنة الاستعمارية ووجود الكيان الصهيوني رأس حربة لها، وبأن النجاح في هذه المهمة التاريخية التحررية يتطلب الاستجابة لتحديات النهوض من التخلف والتوحد من التجزئة والعصبيات وتحدي صياغة شخصية تتسق مع هوية الأمة وتاريخها وقادرة على الاستجابة الأسئلة المعاصرة، بالقدر الذي يستلزمه مشروع التحرر من الهيمنة الاستعمارية بوصفه التحدي المركزي الأول وبما يتوافق مع متطلبات هذه المهمة التحررية، دون إغراقٍ في الوهم بمركزية اقتصادية ونهضة صناعية لن تأتي وسراب ازدهار اقتصادي لا يزيد الأمة إلا ارتهاناً ما دم يمضي بالتوافق مع إملاءات الهيمنة الاستعمارية.
على طريق بناء هذا المشروع، لا بد من دفع المسجد الأقصى نحو صدارة الوعي، بمكانته الدينية والحضارية للأمة، وبواقع العدوان عليه، وبأدوات المساهمة بقضيته إعلامياً لينتقل من هامش الوعي إلى مركزه، وليصبح عنوان تحركٍ شعبي في مختلف العواصم وتصبح ساحاتها امتداداً لساحته رباطاً واعتصاماً، وبالمؤاخاة مع المرابطين والمقاومين والأسرى وعائلاتهم لمنع الاستفراد به، وبتحويل مهمة الدفاع عنه وتحريره عنواناً لاستدامة المقاطعة وتحويلها من حالة مؤقتة إلى نمط حياة، وسبباً لرفض التطبيع مع محتليه المعتدين عليه إلى أن يسقط هذا التطبيع، وجعله مركزاً في الدعاء والاعتكاف والدروس، مع اعتبار موجات العدوان عليه مواسم مستمرة لتكثيف العمل في هذه الاتجاهات، خصوصاً وأنها مقروءة مسبقاً في كل عام، وهذه العناوين التي يمكن اشتقاق أولويات العمل منها اليوم في رمضان وفي كل موسم عدوانٍ مقبل.