9 فبراير 2026

الخيمة التي ابتلعت غزة 

الخيمة التي ابتلعت غزة 

الساعة الآن تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، وبالكاد تمسك أصابعي بالهاتف، ليس لأدوّن شعوراً يُشبه الكتابة، لكن لأتشبّث بما يمنع الانهيار الكامل. أنا لا أستنجد بأحد، بل أستغيث بنفسي أن تصمد قليلاً، دقيقة أو ساعة أخرى، قبل أن تنكسر تماماً. مضت أكثر من ساعتين ونحن نطارد شقوق الخيمة، نلاحق مزاريب الماء المتدفق كمن يطارد خسارته الأخيرة.

البرد غير محتمل، والمطر لا يترك لنا فرصة لالتقاط الأنفاس، كل شيء من حولنا يغرق: الأغطية، والأرض، والملابس، وما تبقّى لنا من روح وكرامة. هذا هو واقع مئات الآلاف من النازحين في غزة، الذين يقيمون اليوم في خيم متهالكة وبيوت آيلة للسقوط.

لم نكن نائمين ولا مستيقظين، لكننا عالقون في منتصف الليل، في مساحة لا تعترف بالراحة ولا بالنجاة. وكل قطرة ماءٍ تسقط من سقف الخيمة تبدو كأنها تسحب جزءاً آخر من قدرتنا على الاحتمال، لذلك نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن الحقيقة القاسية تتسلّل إلينا ببطء، هنا لا نُنقذ أنفسنا، بل نؤجّل هلاكنا فقط.

تأجيل الانهيار

بعد أن دمر الاحتلال بيت العمر الذي نزفنا له من دمنا وعرقنا ومالنا ووقتنا، حيث كل شيء كان منظّماً ومألوفاً، تحول حالنا إلى العيش في خيمةٍ بالية، تهتز مع أقل نسمة، وتنهار عند أول مطر، وتكشف عن هشاشتنا أمام العالم.

الخيمة هنا لا تمنحك الأمان، بل تمنحك شعوراً دائماً بأنك تتأخر عن الحياة، وأن كل لحظة صمودٍ هي مجرد تأجيلٍ لانهيارك، فالأرضية الباردة تلتصق بقدميك، والماء يتسرب من شقوقها ليغمر كل شيء هنا. كل التفاصيل الصغيرة تتحول إلى معارك يومية: كيف تنام من دون أن تتجمّد؟ كيف تحمي أطفالك من البرد والمطر والموت أيضاً؟ في حين أنك تكاد تفقد القدرة على حماية نفسك. إذ يؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن 127 ألف خيمة من أصل 135 ألفاً أصبحت غير صالحة للسكن نتيجة العواصف والأمطار الغزيرة.

اقرؤوا المزيد: شتاء غزة القاتل  

لجأتُ إلى الكتابة لأنها آخر ما يمكن أن يُبقيني على قيد الحياة. لم أبكِ، ففي الخيمة لا نبكي بسهولة، لأن الدموع تفضح هشاشتنا أمام بعضنا، ولأن البكاء يحتاج مساحة، ونحن نعيش بلا جدران تحمي ضعفنا، هنا، كل يوم يكسرك بطريقة مختلفة.

ما أصعبه من شعورٍ أن تصبح التفاصيل الصغيرة اختباراً يومياً: كيف أغسل وجهي وأطفالي دون أن يبتل كل شيء؟ كيف نطبخ  والمطر يُطفئ كل شعلة؟ كيف نرتّب البطانيات القليلة لتوفر بعض الدفء في ليلة قارسة؟ كل حركةٍ هنا تحمل ثقل وجودك، كل نفس يتطلب جهداً مضاعفاً، وكل لحظة صمودٍ تصبح عبئاً على روحك قبل جسدك.

حياة لا تخصني

أستيقظ كل صباح على أصوات لا تخصني: سعال، بكاء طفل رضيع، شجار جارتنا اليومي مع كِنّتها، خطوات سيدةٍ تبحث عن ماء، وأخرى تصرخ على أبنائها تحثهم على الاستيقاظ للَّحاق بطابور التكية. ففي الخيام لا أحد يملك رفاهية التأخر عن الاستيقاظ، لأن الخيمة لا تعترف بالراحة، فهي تفرض إيقاعها القاسي، وتجبرك على التكيّف حتى قبل أن تفهم ما يحدث لك.

الخيمة التي يتسابق كل مانحٍ لوضع اسمه عليها لتذكيرك بأنك تعيش على منحة غيرك، وتضطر في كل مرة لأن تقدم الشكر والعرفان لمانحها لأنه "أنقذ حياتك"، في الحقيقة أنها لم تفعل شيئاً سوى تأجيل موتك قليلاً، هي نفسها التي قيل إنها مأوى، بدأت تسرقنا تدريجياً: تسرق نومنا، ثم كرامتنا، ثم قدرتنا على السؤال والحلم والتفكير.

اقرؤوا المزيد: الجوع والخيمة

الخيمة في غزة ليست مأوى، بل حالة دائمة من الاختبار للجسد والأعصاب والذاكرة، وحتى للقدرة على الاحتفاظ باتزان العقل. ففي الخيمة لن تموت مرة واحدة بل بالتقسيط، إذ يتسلل البرد إلى العظام شتاء، والحرُّ الخانق صيفاً، وأمراضٌ لا تجد وقتاً للشفاء منها، لأن الجسد نفسه لم يعد أولوية، وجيران سوءٍ كالفئران والحشرات يقيمون في خيمتك أكثر مما تقيم أنت مُسبِّبةً العديد من الأمراض.

أكثر ما يرهقني في الخيمة ليس نقص الطعام ولا استحالة النوم، بل فقدان السيطرة على التفاصيل الصغيرة. تلك التفاصيل التي كنا نَعُدُّها بديهية: أن تغلق بابك حين تريد، أن تبكي وحدك، أن تجد متسعاً لأن تمد ظهرك لتريحه بعد حمل قالونات الماء طول اليوم.

وفي الخيمة تعيش حياتك أمام الآخرين، وانكسارك يصبح مشهداً عاماً، لا شأناً شخصياً، ثم لا يمكنك الهرب من الإرهاق الذي يُصيبك به انعدام الخصوصية، ليس لأنك تعيش مع الآخرين، بل لأنك لا تستطيع الانفصال عنهم ولو للحظة. لتجد أن أفكارك لم تعد حرة، ومشاعرك محسوبة، وردود أفعالك مراقَبة.

هل هذا مؤقتٌ حقاً؟

في المساء، حين تهدأ الحركة قليلاً، تبدأ المعركة الداخلية من الأسئلة التي لا إجابة لها: هل هذا مؤقتٌ حقاً؟ كم يوماً يستطيع الإنسان أن يعيش حياةً لا تحتملها حتى الحيوانات؟ ما لا يُقال كثيراً هو أن الخيمة تقتل حتى العلاقات الإنسانية، فالتوتر الدائم، والاحتكاك القسري، والإرهاق الجماعي، كلها تجعل أبسط الخلافات قابلة للاشتعال، ليس لأن الناس سيئون، بل لأنهم متعبون إلى الحد الأقصى، ولأن الخيمة لا تمنحك المساحة اللازمة لتكون أفضل نسخة من نفسك.

اقرؤوا المزيد: ماذا نفعل لغزة؟

أحياناً، أخاف من اعتياد الخيمة أكثر من الخيمة نفسها. أن نعتاد الألم، وأن يبدو القاسي مألوفاً، وهكذا فإننا نصمد لا لأننا أقوياء، بل لأننا محرومون من البدائل. وفي هذا الاعتياد، لا نتعافى، بل نفقد كل يومٍ شيئاً صغيراً من حياتنا. ورغم ذلك، نستمر ونخلق طقوساً صغيرة للبقاء: فنجان شاي، نكتة عابرة، ترتيب الأغراض القليلة، ليست مظاهر قوة، بل محاولات يائسة للحفاظ على ما تبقى من الذات، ففي الخيمة، القوة ليست بطولة، بل إدارة يومية للانهيار.

هذه ليست قصة فرد، بل حالة جماعية يعيشها سكان غزة، فالخيمة ليست حلاً إنسانياً، بل دليلاً على فشل العالم في حماية الإنسان. وهي حكايةٌ عن النجاة حين تصبح عبئاً، تحكي لك أن المشكلة ليست في القماش، بل في الفكرة التي جعلت من الحد الأدنى للحياة إنجازاً ودرساً قاسياً: أن البقاء على قيد الحياة لا يعني بالضرورة أننا نعيش الحياة. وأن الحياة أكبر من أن تُختصر في كوننا ما زلنا على قيدها.