29 ديسمبر 2025

المد اللاتيني: كيف صارت فلسطين قضية جامعة؟

المد اللاتيني: كيف صارت فلسطين قضية جامعة؟

على منصة الأمم المتحدة، في الدورة الـ80 للجمعية العامة، وبعد عامين من الإبادة، وقف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو داعياً إلى تشكيل جيش دولي قوي من الدول التي لا تقبل الإبادة للتدخل وحماية المدنيين الفلسطينيين، وقال: "يجب أن نحرر فلسطين".

لم يكن هذا الموقف وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لسياسات كولومبية تجاه قضية فلسطين، أصبحت علامة فارقة لعهد بيترو، وكان جزءاً من تحولات تشهدها المواقف الرسمية في أميركا اللاتينية.

فعند المنعطفات التي انتهت إليها الأنظمة العربية، أشرقت شمس فلسطين على كولومبيا ثم بوليفيا، ففنزويلا، بخطابٍ ثوري مضادٍ للاستعمار، تليها البرازيل وتشيلي ونيكاراغوا بسياسات دولية وأممية تاريخية ملتزمة بدعم الفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم، وصولاً إلى الأرجنتين فالإكوادور والبيرو، بمواقف دبلوماسية معتدلة تدعم القرارات الأممية المؤيدة لفلسطين وتساندها رغم برودها وموازناتها السياسية.

هذا المزيج من المواقف والسياسات حوّل فلسطين إلى قضية جامعة لأميركا اللاتينية، شعوباً وأنظمة، لكنه في الوقت نفسه إجماعٌ مختلف الأطياف، إذ تتدرج مستويات الدعم اللاتيني لفلسطين، مولدةً خطاباً سياسياً مختلفاً، وفعلاً دبلوماسياً متعدد الأوجه.

من كولومبيا حتى البيرو، نحاول في السطور التالية رسم خارطة سياسية لتموضع فلسطين في أجندة أميركا اللاتينية، وانعكاس ذلك على الحراك الدبلوماسي والخطاب السياسي والحشد الشعبي الداعم لقضية فلسطين، وعلاقة الحاضر الفلسطيني بتاريخٍ استعماري طويل خضعت له القارة اللاتينية.

كولومبيا في المقدمة

عام 2022 وصل غوستافو بيترو إلى سدة الحكم في كولومبيا ليكون أول رئيس يساري في تاريخها، بعد قرنين من احتكار الأحزاب اليمينية والليبرالية التقليدية للسلطة، وما إن تسلّم بيترو الحكم حتى أعاد صياغة القُرب الكولومبي من واشنطن، قبل أن يُحدث السابع من أكتوبر تحولاً كبيراً في السياسة الكولومبية تجاه فلسطين.

ففي الخامس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر استدعى بيترو سفيره من تل أبيب، ثم جمّد التعاون الدبلوماسي والعسكري مع الاحتلال في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، وفي شباط/ فبراير 2024 طرد السفير الإسرائيلي من بوغوتا، ليعلن بعدها في الأول من أيار/ مايو قطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً، وتعليق صادرات الفحم إلى "إسرائيل".

تبع ذلك طرد البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية ومراجعة الاستثمارات والاتفاقيات التجارية المرتبطة بها، وصولاً إلى دعوته التاريخية في الأمم المتحدة إلى تشكيل "جيش من الدول التي لا تقبل الإبادة" لتحرير فلسطين، هذا كله بالتزامن مع انخراط بلاده في تحركات إقليمية ودولية واسعة، أبرزها دعم دعوى جنوب إفريقيا ضد "إسرائيل" بتهمة الإبادة الجماعية، وتنسيق موقف لاتيني موحّد مع بوليفيا وتشيلي والبرازيل ونيكاراغوا لمقاطعة "إسرائيل" دبلوماسياً واقتصادياً.

التضامن بحسابٍ وقدر

لم يطل الأمر كثيراً حتى انتقلت ثورية بيترو إلى دول أخرى في القارة، إذ أسهم استمرار الإبادة وتوحشها في تحفيز خطابٍ يساري لاتيني ضد "إسرائيل" والإمبريالية الغربية، ظهرت ملامحه في كلٍ من بوليفيا وتشيلي وفنزويلا ونيكاراغوا والبرازيل، التي تبنت جميعها بشكلٍ أو بآخر موقفاً مضاداً من الإبادة.

اقرؤوا المزيد: كبحُ التضامن: ما الذي جرى في الغرب بعد "سيف القدس"؟

تمثل ذلك من خلال موجة مقاطعة لوجستية عبر المواني ضد "إسرائيل"، لتتصدر أميركا اللاتينية مقاطعة المواني، بدءاً من تشيلي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، حين أعلن اتحاد عمال المواني عن رفض مناولة أي شحنة قادمة من أو متجهةٍ إلى "إسرائيل"، ثم البرازيل بإعلان نقابات المواني في ريو غراندي وسانتوس رفضها التعامل مع أي شحنة عسكرية لـ"إسرائيل"، تلتها الأوروغواي التي رفضت نقابتها مناولة سفينة إسرائيلية في حزيران/ يونيو 2024.

آلاف المتضامنين في العاصمة الكولومبية بوغوتا يرفعون الأعلام الفلسطينية، في 9 نيسان/ أبريل 2025، خلال تظاهرات شهدتها مدن مختلفة في كولومبيا.
آلاف المتضامنين في العاصمة الكولومبية بوغوتا يرفعون الأعلام الفلسطينية، في 9 نيسان/ أبريل 2025، خلال تظاهرات شهدتها مدن مختلفة في كولومبيا.

كما اقترنت مقاطعة المواني بوقف صادرات الأسلحة، ما أظهر الموقف الفعلي للحكومات وليس للنقابات فقط، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قطعت بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية والأمنية والعسكرية مع "إسرائيل" بشكلٍ كامل، ثم في أيار/ مايو 2024 أعلن الرئيس الكولومبي إنهاء جميع عقود شراء الأسلحة والتعاون الاستخباراتي مع "إسرائيل"، قائلاً: "لن نشتري رصاصة واحدة من دولة تُرتكب فيها إبادة".

لكن منطق التحرر والتضامن اللاتيني لم يكن دائماً ثورياً، بل تناسب طردياً مع حسابات كل دولة وعلاقة سياسييها بدول الشمال خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، فبينما قطعت بوليفيا علاقاتها بـ "إسرائيل" نهاية 2023، وطالبت بمحاكمة قادة الاحتلال أمام الجنائية الدولية، كانت فنزويلا أكثر تحرراً بدعمها لفلسطين علناً وإرسال مساعدات إلى غزة، متحللة من عبء العلاقات المنقطعة مع الاحتلال منذ 2009، ومن أي ارتباطٍ بالولايات المتحدة نتيجة حالة العداء المتصاعد بين البلدين.

أما البرازيل ونيكاراغوا وتشيلي، فسارت كلٌ منها في مسار تضامنٍ دبلوماسي محسوب، حاول الموازنة بين الموقف الأخلاقي والمصالح الاقتصادية والأمنية. فرئيس البرازيل لولا دا سيلفا فعّل اتفاقية تجارة حرة مع فلسطين في تموز/ يوليو 2024، بعد سحب سفيره واستدعاء السفير الإسرائيلي ووصفه ما حدث في القطاع بأنه إبادة.

اقرؤوا المزيد: كيف أصبح التضامن مع فلسطين جزءاً من التاريخ الماليزي؟

كما أعلنت نيكاراغوا تضامناً صريحاً مع الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، وقطعت علاقاتها الدبلوماسية بـ "إسرائيل" في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، واصفة الحكومة الإسرائيلية بأنها "فاشية"، وقدمت أيضاً شكوى لمحكمة العدل الدولية على ألمانيا لتسهيلها الإبادة في غزة وتسليحها لـ"إسرائيل".

أما تشيلي فتفاعلت مع حراك أكبر جالية فلسطينية في أميركا اللاتينية، الموجودة على أراضيها، بسحب سفيرها في "إسرائيل" ووقف عددٍ من الاتفاقيات العسكرية معها، وسحب عسكرييها من السلك الدبلوماسي الإسرائيلي، والدعوة إلى التحقيق في الإبادة، والإعلان عن دعمها لقضية جنوب إفريقيا.

وحتى الدول الأشد ميلاً إلى الولايات المتحدة والمنسجمة دبلوماسياً مع "إسرائيل"، وجدت نفسها، مع تمدد الخطاب السياسي والحراك الشعبي المجاور، بحاجة إلى تحركٍ متوازن لا ينقلب على إرثها في مواجهة الاستعمار، ولا يخل بامتيازات علاقاتها باليمين الصهيوني.

متظاهرون في في ساحة بوليفار في العاصمة الكولمبية بوغوتا، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2023،تضامناً مع الشعب الفلسطيني. (تصوير: خوانشو توريس/ وكالة الأناضول)
متظاهرون في في ساحة بوليفار في العاصمة الكولمبية بوغوتا، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2023،تضامناً مع الشعب الفلسطيني. (تصوير: خوانشو توريس/ وكالة الأناضول)

فالإكوادور التي سارعت إلى إدانة السابع من أكتوبر، رغم اعترافها المسبق بفلسطين وحق شعبها في تقرير المصير، لم تلبث أن أطلقت خطاباً حقوقياً دولياً داعياً لوقف استهداف المدنيين في القطاع والضفة واحترام القانون الدولي الإنساني، وهو ما أطلق موجة انتقادات داخلية ضد الحكومة، التي خضعت لاحقاً لضغوط الولايات المتحدة وصوتت ضد ترقية مكانة فلسطين في الأمم المتحدة.

الأمر ذاته في الأرجنتين، التي تضم أكبر جالية يهودية في أميركا اللاتينية، وتزداد سياستها تماهياً مع "إسرائيل" في السنوات الأخيرة، في تناقضٍ مع اعترافها بفلسطين عام 2010، إذ أدانت السابع من أكتوبر، وصنف رئيسها اليميني الليبرالي خافيير ميلي حركة حماس بأنها "حركة إرهابية"، وقرر تجميد أصولها، لكنه أتاح هامشاً للمناورة بإرسال مساعدات إنسانية للمدنيين في القطاع، والتنديد باستخدام القوة "المفرطة"، والالتزام بالمواقف الأممية من دون الهجوم على "إسرائيل".

اقرؤوا المزيد: الطوفان يقتصّ من ماكدونالدز وأخواتها: هل تستمر المقاطعة؟

الدبلوماسية المعتدلة والموازنة بين المكاسب السياسية والمخاطر الثورية معادلة تتكرر في كلٍ من الأوروغواي، وكوستاريكا، والبيرو، فهي تؤيد "حق إسرائيل" فيما تصفه بـ"الدفاع عن نفسها"، إلا أن اعترافها المسبق بفلسطين خلال الأعوام 2010 - 2012 يضعها تحت مقصلة الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، من دون نقدٍ مباشر لـ"إسرائيل" أو تبني موقف عدائي من أعمالها، مكتفية بالتحفظ على استخدام "القوة المفرطة" من قبل "جميع الأطراف".

بالمحصلة، تحولت فلسطين من موقع القضية الإنسانية إلى موقع القضية الجامعة في مواجهة الإرث الاستعماري، لكن هذا التحول ليس شاملاً، إذ إن دومينو القارة اللاتينية والتموقع الطبقي لسُكانها بين القارتين الأميركيتين، في ظل تصاعد خطابٍ يميني رافض للتعدد والهجرة والأقليات التي بمعظمها لاتينية في الولايات المتحدة وأوروبا، يجعل إمكانية تصاعده محتملة، خصوصاً أن أضعف الإيمان بالإقرار بالحقوق الفلسطينية متفقٌ عليه بإجماع الدول كافة.

الذاكرة المشتركة 

يظهر الفرق جلياً بين دولة وأخرى، كولومبيا والأرجنتين مثلاً، إذ انطلق موقف كلٍ منهما - تحديداً بعد السابع من أكتوبر - على أرضية التيار السياسي الحاكم، وتحالفاته مع الولايات المتحدة، وطموحاته فيما يتعلق بالاقتصاد النيوليبرالي، وعلاقاته الأمنية والعسكرية بـ "إسرائيل" لمكافحة المخدرات والجريمة.

فحكومة خافيير ميلي في الأرجنتين ترى في "إسرائيل" شريكاً أمنياً ونموذجاً اقتصادياً وتكنولوجياً، وبوابة خلفية نحو البيت الأبيض، وبالتالي تغدو فلسطين وقضاياها مجرد قضية خارجية، يُضاف إلى ذلك تمركز معظم يهود أميركا اللاتينية على أراضيها، وترافق ذلك مع نفوذٍ سياسيٍّ للّوبي الإسرائيلي على الإعلام ومؤسسات الدولة، وتيارٍ انجيليٍّ واسع مؤيد لـ "إسرائيل".

اقرؤوا المزيد: خطاب حقوق الإنسان: نهاية وأي نهاية!

وترتبط الأرجنتين ومثلها الإكوادور بالمساعدات والقروض الأميركية، وتهتمان بتصنيفات المؤسسات المالية الدولية وسياسات البنك الدولي، الذي تُساهم الولايات المتحدة بالحصة الأكبر فيه، وهذه العوامل مجتمعة تجعل اتخاذها مواقف تصادمية مع "إسرائيل" صعباً ومرتفع الكُلفة.

أما في كولومبيا وتشيلي والبرازيل وبوليفيا فالأمر مختلف، إذ يقوم اقتصاد هذه الدول على الأسواق التصديرية المتعددة والانفتاح على الصين، ما يمنحها مساحة أكبر للمناورة؛ ففي كولومبيا، يجد غوستافو بيترو في الإبادة في غزة رابطاً متواصلاً مع إبادة السكان الأصليين في أميركا اللاتينية بقوله: "التجربة الفلسطينية هي ما عشناه هنا عبر الأرض والمقاومة".

عموماً، مهما تكن الموازنات سيبقى لكولومبيا رمح السبق في دفع الخطاب السياسي اللاتيني إلى تبني وصف "إبادة" لما يجري في فلسطين بدلاً من نزاعٍ أو صراع، ونقل فلسطين من حلبة السياسة إلى محاضر الأخلاق والقانون، وإعادة توجيه البوصلة اللاتينية والإنسانية العالمية نحو جوهر القضية الفلسطينية. وبينما يواصل الاستعمار في فلسطين ما بدأه في أماكن أخرى من العالم، تغدو فلسطين هي الامتحان الأخير للاستقلال الأخلاقي للقارة اللاتينية. 



20 فبراير 2019
باب الرحمة
مواجهة متجددة في الأقصى

"الأزمة في طريقها اليوم إلى الحلّ"، بهذه الكلمات "بَشَّرَ" الشّيخ واصف البكري، نائب قاضي القضاة في القدس وعضو مجلس الأوقاف الإسلاميّة،…