منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تتعامل دولة الاحتلال مع قطاع غزة باعتباره ساحة حرب عسكرية فقط، بل كحيز اقتصادي ومعيشي قابل للهندسة والإدارة. فبموازاة العمليات العسكرية التي أودت بأكثر من ربع مليون بين شهيد ومصاب ومفقود، شرعت "إسرائيل" في سلسلة من الإجراءات التنظيمية والإدارية التي اتخذت في ظاهرها طابعاً مدنياً، لكنها في جوهرها كانت أدوات ضغط وسيطرة، هدفت إلى التحكم الكامل بتدفق السلع، ومن يُدخلها، ونوعيتها، وتوقيتها، وصولاً إلى إدارة الحد الأدنى من الحياة الممكنة للسكان.
وفي هذا السياق، نفى رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع إذاعة "Sirius XM" الأميركية في أيار/ مايو 2024، وجود مجاعة في قطاع غزة، مدعياً أن كميات الغذاء التي يسمح بإدخالها عبر المعابر الخاضعة لسيطرة الاحتلال توفر ما يقارب ثلاثة آلاف سعرة حرارية للفرد يومياً.
تناقض هذا الادعاء مع الوقائع الميدانية والتقارير الدولية، إذ أكد تقريرٌ للمكتب الإعلامي الحكومي في الحادي والثلاثين من كانون الأول/ديسمبر 2025 استشهاد 475 فلسطينيًا نتيجة الجوع وسوء التغذية، من بينهم 165 طفلاً، فضلاً عن أن منظمات أممية أقرّت بوجود هذه المجاعة، أبرزها منظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وبرنامج الغذاء العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو).
وقد أكدت المنظمات الأربعة، في بيان مشترك في آب/أغسطس 2025، أن أكثر من نصف مليون إنسان في قطاع غزة يعيشون فعلياً في ظروف مجاعة، في ظل قيودٍ مشددةٍ على إدخال الغذاء، وانهيارٍ شبه كاملٍ لمنظومة الأمن الغذائي.
الإغلاق الشامل: البداية الصفرية
في الساعات الأولى من حرب الإبادة، أصدر وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف غالانت أمراً عسكرياً بإغلاق جميع المعابر مع قطاع غزة وقطع إمدادات الغذاء والوقود والكهرباء. وشكَّل نقطة الانطلاق لمرحلةٍ جديدةٍ من إدارة الواقع المعيشي، قوامها التحكم المطلق بما يدخل إلى القطاع، بذريعة ممارسة الضغط على حركة "حماس"، لكن أثره العملي طال مجمل المدنيين الفلسطينيين.

وتحت ضغط دولي متزايد، سمحت "إسرائيل" جزئياً بمرور مساعداتٍ غذائيةٍ وطبيةٍ عبر معبر رفح، مع الإبقاء على إغلاقه أمام الأفراد. في هذه المرحلة، برز دور شركة "أبناء سيناء"، المرتبطة برجل الأعمال المصري إبراهيم العرجاني، التي تولت عملياً إدارة إدخال الشاحنات.
هذه الآلية سمحت بمرور شاحنات تابعة لمنظمات دولية مثل "الأونروا"، و"اليونيسف"، وبرنامج الغذاء العالمي، لكنها ربطت المرور بتكاليف "تنسيق" مرتفعة، وصلت إلى نحو 20 ألف دولار للشاحنة الواحدة، فضلاً عن رسومٍ إضافيةٍ للتخزين والأرضيات، ما أدى إلى تكدُّس آلاف الشاحنات لأشهر على الجانب المصري.
الميليشيات كبديل أمني
استمرت هذه الآلية حتى السادس من أيار/ مايو 2024، عندما احتل جيش الاحتلال مدينة رفح وفرض سيطرته على محور فيلادلفيا، ومنذ ذلك التاريخ ظل المعبر مغلقاً بشكل كامل، وعلى إثره انتهى فعلياً أي وجود فلسطيني في إدارته، وحلت محله ترتيبات أمنية جديدة، شملت وجود مجموعات مسلحة غير رسمية.
بعد احتلال رفح، اتجهت "إسرائيل" إلى إعادة تشكيل المشهد الأمني داخل قطاع غزة عبر دعم ميليشيات مسلحة محلية، وقد بدأت التجربة بميليشيا ياسر أبو شباب في رفح، ثم توسعت لتشمل مجموعاتٍ أخرى في خان يونس وغزة وشمال القطاع.
اقرؤوا المزيد: عصابات وقُطّاع طرق.. كيف أعادت الحرب تشكيل اقتصاد غزّة؟
أُنيط بهذه المجموعات "تأمين" قوافل المساعدات مقابل "أتاوات" تراوحت بين 20 و100 ألف دولار للشاحنة الواحدة، ما حولها إلى فاعل اقتصادي-أمني جديد، وأعاد إنتاج منطق القوة بدل المؤسسات.
حصر المساعدات بالمنظمات الدولية
لاحقاً، عدلت "إسرائيل" من آلية إدخال الشاحنات، فقصرتها على المساعدات التابعة للمنظمات الدولية، ومنعت عملياً مرور الشاحنات التجارية. وأصبح إدخال أي شحنة تجارية مشروطاً بترتيبات استثنائية، وصلت في بعض الحالات إلى دفع مبالغ ضخمة عبر قنواتٍ غير رسمية، وغالباً ما اقتصرت السلع المسموح بها على منتجات لم تكن ذات أولوية بالنسبة للقطاع مثل الهواتف الذكية والدراجات البخارية وغيرها.

أدى هذا النمط إلى ارتفاعٍ جنونيٍ في الأسعار، إذ وصل سعر الكيلوغرام من أصناف الخضروات إلى ما يزيد عن 100 شيكل (حوالي 30 دولاراً)، في سوقٍ باتت تكلفة التنسيق فيه هي المحدد الأساسي للسعر، وليس العرض والطلب.
اقرؤوا المزيد: الجوع والخيمة
وتقدر الخسائر التي تكبدها تجار القطاع جراء هذه الآلية، دون احتساب قيمة البضائع نفسها، بأكثر من مليار دولار، ما مثل استنزافاً مباشراً لما تبقى من رأس المال المحلي.
هدنة يناير: انفراج شكلي
مع دخول هدنة كانون الثاني/يناير 2025 حيز التنفيذ، أوقفت "إسرائيل" رسوم التنسيق، وشهدت الأسعار انخفاضاً نسبياً. غير أن طبيعة السلع المسموح بإدخالها كشفت عن منطق انتقائي واضح، إذ أُغرِقَت الأسواق بسلعٍ ذات طابع رفاهي من قبيل الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة وبعض المسليات وأصنافٍ محددةٍ من الطعام، مقابل استمرار القيود على المستلزمات الطبية وأجهزة الطاقة البديلة والطعام، ما خلق صورة مضللة عن الواقع الإنساني.
ولكن في الثاني من آذار/مارس ومع انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق، أُغلِقَت المعابر مجدداً، واعتمد القطاع على مخزوناته المحدودة. ثم في الثامن عشر من الشهر نفسه، استؤنفت الإبادة بوتيرةٍ أعنف، فاستُهدِفت البنية الحكومية، منا أسفر عن استشهاد المئات من مفاصل الجهاز الحكومي والإداري في حكومة غزة، بينهم رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي عصام الدعاليس. ومع نهاية آذار/مارس، بدأت مؤشرات المجاعة بالظهور، وتحول نقص الغذاء من أزمة محتملة إلى واقع يومي قاتل.
![]()
في أيار/ مايو 2025، أعلنت إسرائيل إطلاق عملية "عربات جدعون"، بالتزامن مع إنشاء "مؤسسة غزة الإنسانية" بتمويل وإشراف أميركي، إذ خُصِّصت أربع نقاط لتوزيع المساعدات، ثلاثةٌ منها في رفح وواحدة في وسط القطاع، لكن هذه الآلية سرعان ما تحولت إلى مصائد موت، إذ قُتل 2,605 مجوّعين وأصيب 19,124 آخرون أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء من هذه النقاط، وفق تقرير المكتب الإعلامي الحكومي الصادر في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025.
اقرؤوا المزيد: عندما اعتبرت "إسرائيل" أشجار غزة مقاتلين
وتحت ضغط دولي إضافي، سُمح بإدخال الطحين، لكن بطريقة عززت الفوضى، إذ أُجبرت الشاحنات على التوقف في مناطق مفتوحة، ما أدى إلى نهبها أو استهداف المدنيين حولها. في تلك المرحلة، وصل سعر كيلو الطحين إلى 100 شيكل نقداً، و200 شيكل عبر الدفع الإلكتروني بسبب انعدام السيولة النقدية، ما استنزف ما تبقى من مدخرات الفلسطينيين.
استهداف الكتلة النقدية
في آب/ أغسطس 2025، كرر وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر طرح مقترحه لإلغاء التعامل بورقة 200 شيكل، وهو المقترح الذي كان قد تقدم به إلى محافظ بنك إسرائيل (المركزي) أول مرةٍ في نيسان/ابريل 2024، بحجة "شن حرب اقتصادية على حماس"، مستندًا إلى تقديراتٍ بأن حوالي 80% من الأموال النقدية التي تحتفظ بها حماس في قطاع غزة هي من فئة الـ 200 شيكل، وأن إلغاء هذه الفئة سيؤدي إلى شل قدرة الحركة على دفع الرواتب لعناصرها وتمويل عملياتها.
اقرؤوا المزيد: الاقتصاد الفلسطينيّ.. العوم في بحر "الشيكل"
ورغم أن مقترح ساعر لم يُنفذ بسبب معارضة أوساطٍ اقتصاديةٍ إسرائيلية بينها البنك المركزي، خشية فقدان الثقة في عملة الشيكل، إلا أن حكومة الاحتلال والمنظومة الأمنية اتبعت وسيلة أخرى في سحب النقد المتداول من القطاع، وهي السماح باستيراد سلعٍ محددةٍ تُباع بأسعار مضاعفةٍ وتباع بالدفع النقدي، في سياسةٍ عكست انتقال الاستهداف من السلع إلى السيولة المالية نفسها. ونتيجةً لذلك، ارتفعت قيمة السحب النقدي "التكييش" لأكثر من 50%.
حصر الاستيراد ونشوء سوق احتكاري
في المرحلة الأخيرة التي تزامنت مع التوصل إلى اتفاق إنهاء الحرب في تشرين أول/أكتوبر 2025، ألغت "إسرائيل" نمطاً تجارياً استمر لعقود، وحددت عدداً محدوداً من التجار الفلسطينيين للاستيراد، من دون أي إطار تنظيمي فلسطيني جامع. وفي الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2025، رُفِعَ العدد إلى عشرة تجار فقط، مقابل أربعة موردين إسرائيليين حصريين.
اقرؤوا المزيد: ضرب ونهب ونصب.. كيف اختفى المال من غزّة؟
وتهدف هذه الخطوة إلى ترسيخ نموذج تجارة ثنائية مباشرة، بلا وزارة اقتصادٍ أو غرفٍ تجارية، مما يخلق اقتصاداً هشاً معتمداً على قنواتٍ ضيقة، ويسهل الضبط سياسياً وأمنياً.
وقد حذّر اتحاد الغرف التجارية في غزة من هذه الآلية، واعتبرها انقلاباً على الأعراف التجارية، داعياً التجار إلى عدم الانخراط فيها.
اقتصادياً، تمثل الخطوة انتقالاً من سياسة الحصار الشامل إلى ما يمكن وصفه بـ"التحكم الانتقائي بالسوق"، إذ لا تكتفي "إسرائيل" بضبط ما يدخل إلى قطاع غزة، بل تعيد تشكيل البنية التجارية نفسها بما يخدم اعتبارات السيطرة لا الكفاءة.

هذا النموذج يفقد السوق الفلسطيني طابعه التنافسي، ويخلق اختناقات متعمدة في العرض، ما يفتح الباب أمام الاحتكار، ورفع الأسعار، وتدوير الأزمات المعيشية، ويجعل أي اضطرابٍ سياسيٍ أو أمنيٍ كفيلاً بشل حركة السلع بالكامل. وبذلك يتحول الاستيراد من نشاط اقتصادي إلى أداة ضغط مباشرة على المجتمع.
أما سياسياً، فتعكس هذه الآلية توجهاً إسرائيلياً لتفكيك أي بنية مؤسسية فلسطينية قادرة على تنظيم الاقتصاد أو التفاوض باسمه، عبر تجاوز وزارة الاقتصاد والغرف التجارية، واستبدالها بعلاقات تجارية فردية قابلة للضبط والابتزاز.
اقرؤوا المزيد: كيف تتحوّل البنوك الفلسطينية إلى "بسطة"؟ حوار مع وليد حبّاس
ويهدف هذا النمط إلى إنتاج اقتصادٍ "منزوع السيادة"، يعتمد على وسطاء محدودين، يسهل إخضاعهم أمنياً ومالياً، بما يسمح لـ"إسرائيل" باستخدام تدفق السلع كورقة إدارة للصراع، وليس كجزءٍ من التزاماتها القانونية تجاه السكان الواقعين تحت الاحتلال.
وفي المحصلة، يمكن الجزم بأن هذه الخطوة ليست إجراءً تجارياً تقنياً، بقدر ما تشكل أداة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة هندسة غزة اقتصادياً بما يخدم معادلات السيطرة طويلة الأمد.