بعد نحو شهر من اعتقالي في سجون الاحتلال، وفي إحدى جولات التحقيق، سألت ضابط الشاباك: "لماذا ما زلت هنا؟ أنا صحفي وليست لي علاقة بكل ما حدث؟"
أجاب: "أنت أحد المشاركين"، مشيراً إلى يوم العبور في معركة الطوفان. في ذلك الصباح، 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استيقظت مثل ملايين البشر، ومثله تماماً، على أصوات الصواريخ وهي تدك مستوطنات غلاف غزة.
"ألم تفرح حين رأيت جيبات التويوتا؟ ألم تفكر أن الصلاة في الأقصى باتت على مرمى حجر؟ الفرح مشاركة، هذا عندكم يسمّى أضعف الإيمان"، سألني المحقق، ثم استدرك سريعاً: "كل غزة تستحق أن تكون مكانك، أو تحت التراب".
اقرؤوا المزيد: نور السجن الذي أصابنا بالعمى
وهكذا، لم يكن اعتقال جيش الاحتلال آلاف الغزيين خلال العامين الماضيين، مجرد رد فعل عسكري؛ بل هدفا استراتيجيّا متعمّدا، يصبو إلى نقل المعركة من ساحات الاشتباك إلى فضاءات العقل والوجدان.
عماليق يجب محوها
منذ السابع من أكتوبر تغيّرت المعركة بالنسبة إلى الاحتلال، لم تقتصر على أن تكون حرباً لمعاقبة حركة "حماس" لتنفيذها الطوفان، بل معركة وجود، معركة على صورة "إسرائيل" نفسها، لذلك لم يكن التحقيق الذي يجريه ضابط الشاباك بحثاً عن الأدلة، بل إدانة للوجود ذاته، واتهام للإنسان على أساس انتمائه للأرض والقضية. هذا الكلام ليس استثناءً لعقيدة فرد، بل خلاصة سياسات تبرر الاعتقال كعملٍ تأديبيّ لاستخلاص الطاعة أو تصفية الوجود السياسي والاجتماعي.
ومع كلّ جولة قمع، وكلّ لحظة إذلال داخل السجن، يردّ السجّانون بأنّ عذاباتنا ليست سوى ثمن لطوفان الأقصى، كانوا لا يتوقفون عن تحميلنا مسؤولية الألم كأنما هي عقوبة حصرية لتشبّثنا بالمقاومة، وبذلك، استخدمت "إسرائيل" الاعتقال مخططاً استراتيجياً ينهل من عمق عقيدتها وسياستها، بهدف السيطرة على الوعي قبل السيطرة على الجسد.
اقرؤوا المزيد: الناجي من جحيم "سدي تيمان"
ففي العقلية الصهيونية، الاعتقال طقس ديني قديم يعيد إنتاج صورة "شعب الله المختار" وهو يسلب "الأغيار" حقهم في الأرض والحياة، فالنصوص التوراتية تُستخدم غطاءً لإضفاء القداسة على قمع كل من يقف في وجه "إسرائيل"، يُعامل كـ "عماليق" يجب محوهم أو إذلالهم.
لذلك، حين تعتقل "إسرائيل" الآلاف منا فإنها تبرر ذلك بتنفيذ الوصايا التوراتية المزعومة، وتستهدف من خلالها النسيج الاجتماعي ككل: اختطاف ربّ البيت، احتجاز الأم، اختفاء الطالب، فكل اعتقال طقسٌ لشلّ البنية الأسرية، إذ يزرع الخوف كمنهج يوميّ يجعل الناس يعيدون حساب حضورهم العام، هذا الكسر الاجتماعي ليس أثراً جانبياً، بل وظيفة رئيسية للاعتقال لخلق مجتمع مشظّى ينتشر فيه الشكّ، فتتلاشى المبادرات الفردية، وتنتفي المبادرات الجماعية التي تشكّل العمود الفقري لأي مشروع مقاومة.
أداة لإدارة الناس
بمعنى آخر، الاعتقال أداة لتحويل الوعي بالمقاومة من خيار جماعي ذي جذور تاريخية وسياسية واجتماعية، إلى خطرٍ فرديّ يُدان ويُعاقَب عليه، حتى يغدو الامتثال للاحتلال شكلاً من أشكال النجاة، هذا التحول يستند إلى مكوّنين متكاملين: الأول يتمثل بكونه أداة ردع مباشرة كالزجّ في السجون والعزل والتعذيب، والآخر أداة رمزية تشوه القيم، وتصوغ السردية التي تربط بين البقاء والسلام والامتثال.
أما في الميدان العملي، فيسعى الاحتلال لأن يصل إلى نتيجة مثمرة: مجموعات أقل قدرة على الاعتقاد بفاعلية العمل الجماعي، وأسر تحسب ألف حساب للغياب، ومجتمع يقدّر الحياة اليومية على حساب المشروع السياسي.
الاعتقال عند الاحتلال ليس لحظة طارئة، بل مشروع ممتد منذ النكبة، ووسيلة لـ "إدارة السكان" وتذكير دائم بأن الفلسطيني لا يملك جسده، ولا يومه، ولا غده حتى.
اقرؤوا المزيد: 15 سم بيني وبين نفسي
اقرؤوا المزيد: صراخي لم يسمعه أحد.. عندما أغلقوا عليّ نعش السجن
ومنذ بدء حرب الإبادة المتواصلة على غزة تضاعف هذا المنطق، يريد الاحتلال أن يُفهمنا بشكل أو بآخر أن من ينجو منا من القصف، لن ينجو من القيد، لكنه لم يدرك بعد أنه كما فشل القصف في استئصال الفلسطيني من أرضه، فإن الاعتقال فشل أيضاً في سجن الروح، فكل أسير يتحول داخل الزنزانة إلى حامل للرسالة، كل معتقل يصبح مدرسة وطنية أشد تمسكاً بالمبادئ والقيم، وكل جدران تتحول إلى شاهد على أن هذا الشعب لا يُكسر.
أراد الاحتلال في هذه الحرب أن يدفن الأمل خلف القضبان، لكنه لم يدرك أن السجن عند الفلسطيني لا يغلق إلا على الجسد، أما الروح، فتخرج منه أشد وضوحاً، وأكثر صلابة، وأقوى يقيناً بأن الحرية ليست منحة من سجّان، بل حق يولد مع الإنسان.