20 يناير 2026

قوات حفظ السلام والذاكرة السمكية للعالم

قوات حفظ السلام والذاكرة السمكية للعالم

عادت فكرة نشر قوة دولية في قطاع غزة إلى التداول مع طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقترحاً لتسوية تنهي الحرب، تقوم على إعادة تنظيم المشهد الأمني في القطاع عبر تشكيل قوة دولية لحفظ السلام، في ظل التحفظ الإسرائيلي على نشر قوات تابعة للسلطة الفلسطينية، وتأكيد أميركي - إسرائيلي لضرورة نزع سلاح فصائل المقاومة. 

شهد المقترح الأميركي تحولات على فرضيته؛ إذ رأت الأولى هو ضبط المشهد الأمني وأنه قد يسبق الحل السياسي، وأن وجود قوة دولية قادرة على فرض استقرار يسمح بإدارة مرحلة ما بعد الحرب، إلا أن هذه الفرضية اختُبرت في بيئات شبيهة من حيث غياب سلطة مركزية قادرة على فرض الالتزامات، وعدم اتفاق أطراف الصراع على تحديد مهام وصلاحيات القوة الدولية، ما دفع لتوجه المقترح الأميركي إلى الفرضية الأخرى، التي ترى أن الحل السياسي يجب أن يسبق فرض القوة. 

يتتبع هذا المقال تجارب نشر القوات الدولية في الصومال، والدروس المستخلصة منها، مع مقارنة مدى انطباق تلك الدروس على المقترح الأميركي الخاص بغزة لاستشراف مدى إمكانية نجاحه أو إخفاقه، على ضوء مراجعة ما كتبه بول ويليامز أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن عن الصومال في كتب ودراسات عديدة.

ما فائدة قوات السلام في منطقة تغلي؟ 

في ربيع 1992، أطلقت الأمم المتحدة عمليتها الأولى في الصومال تحت اسم "يونوصوم 1"، والتي تُعد من أكثر نماذج التدخل الدولي دلالة على حدود نشر قوات حفظ السلام في بيئة لا يتوافر فيها حدٌّ أدنى من الاستقرار السياسي.  

تضمنت العملية نشر 50 مراقباً معززين بقوة أمنية صغيرة تعدادها 500 جندي، بهدف الإشراف على وقف إطلاق النار الموقع بين الفصائل المتحاربة في مقديشو، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية مع تكليف القوات بتأمين المواني والمطارات ومرافقة قوافل الإغاثة داخل العاصمة وضواحيها، إلا أن هذا التفويض الأممي المحدود اصطدم سريعاً بواقع ميداني يتسم بانهيار الدولة، وتعدد الفصائل المسلحة، وغياب السلطة، ومجاعة متفاقمة.

افتقرت العملية إلى غطاء سياسي محلي، خاصة مع تنامي شكوك الجنرال محمد فرح عيديد تجاه الأمم المتحدة بعد حادثة استخدام طائرة تحمل شارة أممية لنقل أموال ومعدات عسكرية إلى شمال مقديشو حيث يتمركز خصمه علي مهدي، ما دفع عيديد إلى معارضة انتشار قوات الأمم المتحدة، وتقويض قدرة البعثة على تنفيذ مهامها الأساسية.

اقرؤوا المزيد: "وما رميت إذ رميت".. كيف ننظر إلى الحرب؟

على المستوى العملياتي، واجهت "يونوصوم 1" مشكلات متعددة؛ كالتأخر في الانتشار، وعدم بلوغ الحجم المقرر للقوة في الوقت المناسب، وسوء التخطيط المسبق، إذ بدأت العملية بعد زيارة فنية قصيرة، من دون إجراء مشاورات موسعة مع خبراء أو منظمات غير حكومية ذات خبرة بالسياق الصومالي، ما انعكس في ضعف القدرة على جمع المعلومات وتحليلها، ومحدودية الوعي بطبيعة الفاعلين المحليين وشبكات القوى على الأرض. 

ومع اتساع أعمال اللصوصية وتدهور الوضع الإنساني، أقرّ مجلس الأمن بضرورة توسيع القوة إلى 3500 عنصر أمن، مع دعم عسكري إضافي يبلغ 719 جندياً، إلا أن هذا التوسع جاء متأخراً قياساً بحجم التدهور الميداني.

في نهاية عام 1992، أقرّ مجلس الأمن، بموجب القرار 794، أن النهج القائم لم يعد كافياً، ودشن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في الصومال "يونيتاف" بقيادة الولايات المتحدة، بتفويض واسع يتيح استخدام جميع الوسائل اللازمة لتهيئة بيئة آمنة لعمليات الإغاثة.

بلغ قوام قوة "يونيتاف" نحو 40 ألف جندي من أكثر من عشرين دولة، معظمهم من القوات الأميركية فضلاً عن الفيلق الأجنبي الفرنسي، غير أن الغموض ظل قائماً بشأن الهدف النهائي، خاصة فيما يتعلق بنزع سلاح الفصائل المسلحة، ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بطرس غالي باتجاه نزع الأسلحة الثقيلة تمهيداً لإعادة البناء السياسي، في حين عارضت الولايات المتحدة إدراج نزع السلاح ضمن المهمة، معتبرة أن ذلك غير قابل للتنفيذ في مجتمع مسلح بشكل مكثف. 

عملت قوة "يونيتاف" بجوار بعثة "يونوصوم 1" لمدة أربعة أشهر، ولكن حال غياب اتفاق سياسي فعّال بين الفصائل الصومالية، واستمرار القتال في مقديشو، دون تحقيق إنجازات مستقرة. وفي المحصلة، فشلت بعثة "يونصوم 1" في تحقيق مهامها الأساسية بسبب انفصال الترتيب الأمني عن أي مسار سياسي قابل للحياة.

من حفظ الأمن إلى مهام سياسية وإدارية 

في آذار/ مارس 1993، بدأت عملية الأمم المتحدة الثانية "يونوصوم 2"، بعد سلسلة مؤتمرات واتفاقيات سياسية بين الفصائل الصومالية، لتشكل العملية ذروة مسار التدخل الدولي بالصومال، وتتحول سريعاً إلى نموذج تحذيري في تاريخ عمليات حفظ السلام. 

ولكن المختلف هذه المرة، أن قرابة أربع عشرة حركة صومالية تعهدت بوقف إطلاق النار وتسليم أسلحتها، ما أتاح لمجلس الأمن إصدار القرار 814 الذي أجاز إنشاء بعثة أممية واسعة الصلاحيات لتحل محل قوة التدخل المؤقتة "يونيتاف" و"بعثة يونوصوم الأولى".

مُنحت بعثة "يونوصوم 2" تفويضاً يغطي كامل الأراضي الصومالية، ويتجاوز حفظ الأمن إلى مهام سياسية وإدارية شملت؛ إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم الشرطة والقضاء، ونزع سلاح الفصائل، وتأمين المواني والمطارات، والمشاركة في إعادة اللاجئين والنازحين، والمساعدة في العملية السياسية بهدف إقامة حكومة منتخبة، وحماية موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية.

بلغ قوام البعثة نحو 28 ألف جندي وشرطي، وما يقرب من 2800 من الموظفين المدنيين الدوليين والمحليين، مع افتراض أن البيئة الأمنية أصبحت مهيأة بفعل دور بعثة "يونتاف"، ولكن سرعان ما تبيّن عدم واقعية هذا الافتراض، إذ لم تُنزع أسلحة الفصائل المسلحة خلال المرحلة السابقة، وبالتالي انتشرت قوات الأمم المتحدة في فضاء أمني تغلب عليه شبكات الميليشيات. 

اقرؤوا المزيد: من غزة إلى الفاشر.. الإبادة لعبة "إسرائيل" الأثيرة

ففي الأسابيع الأولى من الانتشار، قُتل وجرح عشرات من عناصر البعثة، ووجّهت الأمم المتحدة الاتهام إلى أقوى فصيل في مقديشو، "المؤتمر الصومالي الموحد" بقيادة الجنرال محمد فرح عيديد، ما أدخل البعثة عملياً في مواجهة مباشرة مع الفاعل العسكري الأكثر نفوذاً على الأرض.

أدّى هذا التطور إلى انتقال البعثة إلى مسار قتالي، خاصة بعد تعرض قواتها لهجوم في 5 حزيران/ يونيو 1993 قُتل فيه 24 عنصراً من قوات حفظ السلام الباكستانية، وأصيب أكثر من 50 عنصراً، لتصدر الأمم المتحدة عقب ذلك القرار رقم 837، الذي أجاز اتخاذ جميع التدابير اللازمة لاعتقال المسؤولين عن الهجمات، ما كرّس التحول الكامل للبعثة إلى طرف مقاتل. 

توسّعت قواعد الاشتباك، وبدأت عمليات تفتيش ونزع سلاح قسرية، واستُخدمت القوة ضد مواقع يُشتبه في تبعيتها للجنرال عيديد، وتحوّلت مقديشو إلى ساحة قتال مفتوحة، وترافق ذلك مع تصاعد الهجمات على دوريات الأمم المتحدة، وارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين.

بلغ التصعيد ذروته مع دخول القوات الأميركية الخاصة للقتال إذ عملت خارج التسلسل القيادي للأمم المتحدة، وتلقت أوامرها مباشرة من القيادة المركزية الأميركية. 

ركّزت هذه القوات على اعتقال عيديد خاصة بعد مقتل أربعة من أفراد الشرطة العسكرية الأميركية في انفجار عبوة ناسفة بمقديشو في آب/ أغسطس 1993، وحدثت سلسلة اشتباكات انتهت بمعركة 3 – 4 تشرين الأول/ أكتوبر، المعروفة باسم "سقوط طائرة البلاك هوك"، والتي أسفرت عن مقتل 18 جندياً أميركياً، ومئات القتلى من الصوماليين. 

اقرؤوا المزيد: عرب جابوتنسكي وواجب الوقت

سياسياً، شكّلت المعركة نقطة الانكسار الحاسمة، إذ دفعت واشنطن إلى إعادة تقييم مشاركتها في عمليات حفظ السلام متعددة الأطراف، وأعلنت قرارها بالانسحاب التدريجي من الصومال، ما أفرغ البعثة من عمودها اللوجستي الأساسي.

دخلت العملية بعد ذلك في مسار انسحاب طويل، عُدّل خلاله التفويض الأممي عام 1994، بما فيه التراجع عن نزع السلاح القسري، والتركيز على حماية المرافق الحيوية، واستمرار الإغاثة الإنسانية، ودعم الشرطة والقضاء، والمساعدة في العملية السياسية، إلا أن هذه التعديلات جاءت بعد تآكل شرعية البعثة، وتفكك هيكل القيادة بعد قرار الانسحاب الأميركي الذي نُفذ بشكل كامل بحلول آذار/ مارس 1994، بينما اختتمت عملية الأمم المتحدة الثانية في الصومال رسمياً في آذار/ مارس 1995 بعد أن تكبدت 154 قتيلاً.

يُنظر إلى بعثة "يونوصوم 2" على نطاق واسع بوصفها تجربة فاشلة نتجت عن انتقال غير محسوب من حفظ السلام إلى الحرب، وغياب إرادة سياسية محلية للمصالحة، وتعدد مراكز القيادة حيث كانت هناك نماذج متعددة من قواعد الاشتباك تختلف باختلاف هوية قوات كل دولة مساهمة في البعثة. وقد رسّخت التجربة مفهوم "خط مقديشو" في أدبيات الأمم المتحدة، بوصفه الحد الفاصل الذي تتحول بعده بعثات السلام إلى عبء أمني وسياسي، حين تُكلّف بمهام إنفاذ وسيطرة في بيئة لا تعترف بشرعية التدخل الدولي ولا بقدرة القوة الخارجية على فرض نظام مستقر.

هل يعيد العالم إنتاج فشله؟ 

تُظهر تجربة الصومال، بمرحلتيها الأولى والثانية، أن أي بعثة دولية تُنشر في بيئة صراع مفتوح من دون تسوية سياسية قابلة للحياة، تُدفع تدريجياً إلى أداء أدوار لم تُصمَّم لها، وتتحول من أداة ضبط إلى طرف مباشر في الصراع.

يكتسي هذا الدرس أهمية خاصة عند إسقاطه على قطاع غزة، حيث يُطرح خيار القوة الدولية في سياق لم يُحسم فيه مستقبل السلطة، ولا طبيعة النظام السياسي، ولا شكل العلاقة مع الفاعلين المحليين، إذ إن التفويض الأمني، مهما اتسع، لا يعوّض غياب اتفاق سياسي. 

وفي الصومال، انتهى الجمع بين مهام إنسانية وأمنية وسياسية داخل بعثة عاجزة عن تحقيق أي من أهدافها الأساسية، هذا النمط مرشح للتكرار في غزة إذا جرى تحميل القوة الدولية مهام نزع السلاح، وضبط الحدود، وتأمين الإغاثة، وإعادة بناء المؤسسات، في بيئة تعتبر فيها المقاومة جزءاً من البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع الغزّي.

اقرؤوا المزيد: اختراع الإدارة: ما الذي تحاول "إسرائيل" فعله في غزّة؟

تُبرز تجربة "يونوصوم 2" مخاطر الانتقال السريع من حفظ السلام إلى إنفاذه، ففي غزة، سيؤدي أي احتكاك مباشر بين القوة الدولية وفصائل المقاومة إلى إدخال البعثة في معادلة استنزاف، وستُصبح القوات الدولية هدفاً مشروعاً في نظر الفاعلين المحليين، ما سيدفع الدول المساهمة إلى إعادة حسابات الكلفة السياسية والبشرية، ما قد يُقوض استمرارية المهمة. ويزداد هذا الخطر في حال غياب إجماع دولي صلب، أو وجود تباينات داخل القيادة الميدانية، أو احتفاظ بعض الدول المشاركة بهوامش قرار وطنية، وهي عناصر برزت بوضوح في الصومال، وأسهمت في تفكيك وحدة القيادة وإرباك قواعد الاشتباك.

تؤكد التجربة أيضاً أن نزع السلاح القسري في مجتمع مُسلّح، من دون وجود سلطة محلية شرعية تتبنى هذا المسار، يُحوّل القوة الدولية إلى بديل عن الدولة، ويضعها في مواجهة مباشرة مع البنية الاجتماعية. وفي غزة، فإن محاولة فرض نزع السلاح عبر قوة دولية ستُنتج مقاومة مستمرة، وتُفرغ المهمة من مضمونها، حتى لو نجحت مرحلياً في تقليص مظاهر المقاومة. 

في الختام، نجاح أي بعثة في غزة سيظل مرهوناً بربط الانتشار الأمني بمسار سياسي واضح، وبمنع انزلاق المهمة نحو نزع السلاح أو العمل بديلاً لجيش الاحتلال يسعى لتنفيذ ما عجز عنه المحتل خلال سنتين ونصف من حرب الإبادة، وإلا فقد تدخل في صدام مع مجتمع سيحاربها ويحكم على نهايتها. 



22 يونيو 2023
هل نحن في انتفاضة؟

الضفّة الغربيّة مشتعلة؛ هذه حقيقة تتجلّى يوماً بعد يوم. فمنذ فترة ليست بالبعيدة، كنّا نظنّ أنّهم نجحوا في "تحييدها"، ذلك…