ستّة شهور من مطلع ديسمبر/ كانون الأول 1947 إلى الأول من مايو/ أيار 1948 وعين الزيتون، أو الزتون كما ينطق أهلها، لا زائرَ لها ولا سائلاً عنها ولا حتى "مارق طريق"، فمن يمرّ بجهنّم؟ كان يسألُ أهلُها. كانت القريةُ فعلاً جهنّمَ قضاء صفد كلّه من دون القرى والضياع فيه، فقد كانت القريةُ من أوائل المعزومين على ملحمة الدّم والدّمع مع يهود عين زيتيم، المستعمرين الذين أصرّوا على تسمية مستعمرتِهم منذ عشرينيات القرن الماضي بنفس اسم القرية العربيّة في رسالة واضحة وصلتْ إلى الزواتنة.
كلّ كروم الشّجر تُنسَب إلى قُراها وتُعرَف بأصحابها، إلا في عين الزتون، قرية وُلِدَت لزيتونها العيمري (أيّ المُعمّر)، الذي جايل الدّول وتداولت عليه أجيالٌ منذ زمن، فكان اسمها. المعروف عن الفلاحين أنّهم يُطلقون الأسماء على دوابهم ومواشيهم، وليس على الشّجر، بينما في عين الزتون لشجرة الزيتون اسمها، خصوصاً المُعمّر منها، فتلك شجرةُ الشّيخ، وهذه السّمرا وتلك أمّ العريس، وعلى كلّ منها عِرزَالها1عزرال: سرير يُصنع من الحبال بالعادة أو من الخشب يُعلّق على الشّجرة الذي بناه ناطورٌ، ولاذ به مُطاردٌ، وتواعد عنده "جاهل مع بنت جهلانة" بعُرف أهل ذلك الزمن.
إلى الشّمال من مدينة صفد تقع قريةُ عين الزّتون، ميلاً واحداً عن المدينة، أو مسافة "شُرب سيجارة" على رأي أهلها. مسنودةً على سفح جبل، منها شمالاً تقع بيـريـّا، ضيّعةُ الطّين والطيّون، ومنهما للأعلى جبلُ كنعـان الذي تعلو قمتُه مآذنَ مدينة صفد، يغسل ماءُ المطر بلاطَ صوانِ كنعان شتاءً، ويُبَللهُ قطرُ النّدى صيفاً، ليبقى الجبل مشطوفاً بماء السّماء على الدّوام مدار العام.
ومن الشّمال إلى الغرب تسترخي ضيعةُ ميرون، يفوحُ ورد آسها الذي كانت تُشْتَلُ به مقاماتُ الأولياء وأضرحةُ مقابر لواء صفد. وإلى الشّرق جنوباً من عين الزتون تقع قريةُ فرعم، غير كفر برعم -كما ظلّ يُنبِّه أهلُها- وهي قرية تركب تلّها على شكل "ركبة الجمل" كما كان يذكرها أهلُ القضاء. قُرى وضياع كانت تطوّق صفد المدينة، مجاورةً بعضها البعض إلى حدٍ كان فيه أهلُ عين الزّتون يدقّون أجران قهوتهم صباحاً بعد كل ليلة من ليالي الطوّق العسكريّ، لتُدّوي دقةُ الجُرن مسموعةً ومُطمئنةً القرى المجاورة على سلامة العين وأهلها.
مبكراً ومنذ مطلع عشرينيات القرن الماضي، كانت عين الزتـون وقبل أيّة قرية أو ضيعة في قضاء صفد على موعدٍ في مواجهة مهاجري مستعمرة عين زيتيم ويهودها "إلي بشبهوش يهود حارة يهود صفد"، كما ظلّ يقولُ الزواتنة. عين زيتيم تقعُ إلى الغرب متوّسطةً عين الزتـون وقرية قديتـا العربيّة، وهي مستعمرة أُقيمت على أرض تُعرف بعيـن البرّانية، ويعي أهلُ اللواء حكاية بيعها "إلي مثل خلعة السن"، وذلك أواخر القرن التّاسع عشر من قِبل زناقيل2المُلاك وأصحاب النفوذ أشبه بالإقطاعيين آل طنوس وبيت البوّاب من جبل لبنان للوكالة اليهودية، لتصبح عين زيتيم بالعبريّة.
لا تترك عين الزتون طفلَها يبيت خارجاً، كما قال أهل المثل فيها. تربّص أبناؤها إلى أنْ أَذِنَت لهم هبّـةُ البراق سنة 29 بمباغتة عين زيتيم، وذلك قبل ليلةٍ واحدةٍ من ليلة نهب حارة يهود صفد. أحرق أبناء عين الزتـون المستعمرة، وطردوا يهودها الذين سيعودون إليها لاحقاً قبل النكبة بعام.
بعد طرد مستوطني عين زيتيم، لم يَعُد من خيارٍ للزواتنة سوى "ارفع راسك سال الدّم"، فقد فتح الإنجليز عيونَهم على عين الزتـون وأهلها. ستّ سنوات قبل أن تهبّ ثورة الـ 36 وقوس الزواتنة مشدودٌ نحو دوريّات الإنجليز على الطّريق المؤدّي من صفد إلى عكا، حيث الشّارع المُعبّد الوحيد الذي كان يمرّ من عند كتف القرية. حملاتٌ ومداهماتٌ وتفتيشٌ للبيوت، ودلقٌ للزيت على الحبوب، مُبعدون ومطاردون، اختفاءٌ وفرارٌ عبر وادي الخرّار الذي كان يفصل القريةَ عن صفد المدينة، ليمتدّ إلى وادي الطواحين نسبة لطواحين مائِهِ المكلَّفةِ بكامل قمح القضاء. وديانٌ عمّدها دمُّ الفدائيين ودمعُ ذويهم التوّانين3نسبة إلى اللتون، حفرة يتم فيها صنع الكلس لاستخدامه في بناء البيوت، التوانون، يعني العاملين في اللتونبشهادة أهل تلك البلاد.
أواخر العام 1935 رفعت عين الزّتـون أصبعَها عن الزناد، واستأنف أبناؤها جدّ زيتونهم وتحريك حجار معاصر زيتهم، وكلس محاجرهم، فمعروف عن عين الزّتـون احترافُ أبنائها تقصيب الحجارة وبناءها. لكن موت محمود البهلول جاء كما لو أنه فألٌ سينقل البلاد كلَّها إلى طورٍ جديدٍ من الفداء والاشتباك، فالـ"سلامة لها علامة" كما يقول الدراويش، ومحمود البهلول "مدروش" ستجعل حكاية موته منه وليّاً ومن قبره مقاماً يتشفعُ به النّاس.
عرف النّاس في عين الزّتـون محموداً ذلك الأربعينيّ "الهرتوم بثوب المقلبيـة"، أي ذي الملابس المهلهلة صاحب "الجلابية"، والذي يُثير التهكّم والشفقة معاً، وعصاه التّي كان يضعها بين فخذيه ويمتطيها كما لو أنّها فرس "يشبح" فيها من بيت إلى آخر. لكن الذي كان يُثير استغراب أهل عين الزّتـون هو زيارات مفتي مدينة صفد المتكررة لمحمود في بيته الطينيّ، ماذا يريد المفتي من محمود؟!! سؤالٌ حيّر الزواتنة لسنوات.
لمّا توفي محمود تعطّلت القرية كلّها وهمّت لتشييعه، لكن نعش الدرويش أبى التّحرك اتجاه مقبرةِ القرية الواقعة جنوباً، ويُقسِم الحاج نور الدين خطّاب أنّ النعش "تجبصن"، أي تسمّر على أكتاف المشيّعين، وأنّهم لم يستطيعوا التّقدم به خطوةً، إلى أن نودي مفتي صفد. أعاد المفتي الصّلاة على الدّرويش وأمر المشيّعين بإدارة رأس النعش شمالاً، عندها تحرك النعش وأهل القرية مشدوهون. مشى المفتي أمامهم إلى أن وصل عند شجرة بلوط كان محمود البهلول قد أعدّ قبره سلفاً عندها، ودفنوه هناك، فصار قبرُه مقاماً قائماً إلى يومنا. بعد ثلاثة أيام سيحمل مخبرٌ نبأ استشهاد الشّيخ عزّ الدين في أحراش يعبد.
خليل قاسم، وأحمد سليم خطّاب، ومحمود حمد، ومحمد الشيخ الرفاعي، ومحمود عصمان، هذا الأخير فرعميّ الأصل، أسماءٌ لا زالت تلمع في ذاكرة الزواتنة من زمن ثورة الـ36، وخصوصاً منهم أحمد خطّاب ومحمود عصمان أطول مُطارديّن في تاريخ عين الزّتـون بعد التحاقهما بفصيل الأصبح ابن قرية الجاعونة في قضاء صفد.
كان كلُّ الزواتنة متهمين في عيون الإنجليز، مما جعل قريتَهم عُرضةً للأطواق العسكريّة فجراً، ودوريّات النكت والتنبيش عن السّلاح وثوارها المُطاردين. كل بيتٍ في عين الزتـون كان تحت رحمة الله وثمّ رحمة كلاب أثر الإنجليز، فالبيتُ معرضٌ للنسف لمجرد مرور كلب الأثر إلى جانبه بلا تردد ودون الحاجة إلى تفتيشه، وهكذا نُسِفت نصف بيوت القرية خلال مرحلة ثورة (1936-1939). في مرة من مرات الطوق العسكريّ فجراً، قصّ كلب الإنجليز الأثر فوصل الجامع، ارتبك أهل القرية، إلا أن الكلب توقف عند قصعة فيها طعام إمام الجامع الشّيخ الرفاعي، عندها شدّ ضابط الطوّق الكلب وغادروا. كان سلاح القرية كلّه في الجامع.
أما أحمد سليم خطّاب فقد بقي مطارداً حتى سنة 1945 متنقلاً بين جليل فلسطين ولبنان، إلى أن دبّر له الإنجليز كميناً قضى فيه شهيداً، ودُفِنَ في قرية فارة على الحدود. أما محمود عصمان فقد بقي مطارداً ومتخفياً بين صفد المدينة وضياعها. كان الإنجليز يربطون له دائماً عند عين الجنّ، عين الماء الأكثر شهرة وغرابة في الجليل. ذكرها الرحالة والمؤرخون لغرابة تدفقها، كانت تنبع من فم واد الطواحين، وتدلق النبعة ماءها لنصف ساعة في اليوم فقط، وتسكتُ طوال اليوم منقطعاً ماؤها حتى اليوم الثّاني لنصف ساعةٍ أخرى وهكذا. حيّرت النبعة أهل عين الزتـون وقرى القضاء، فمنحها ذلك سطوةً على الناس، فسُمّيت عينُ الجنّ، ومُنعت عنها المواشي، فقط البشر من كان يشرب منها لقداسة مائها.
ما من عرسٍ كان يفتتحه الزواتنة إلا وطلعة القوّال فيه:
على دلعونا وعلـى دلعونا ...... وشارب من ميّة عين الزتـونا.

كلّ الزواتنة شربوا من نبعة عين الجنّ فجُنّوا وفاءً وفداءً لمائها. على أيّة حال، لم يعرف أحدٌ كيف اختفى محمود عصمان، فقد شوهد آخر مرة في سبتمبر/ أيلول سنة 1942 عند نبعة عين الجنّ ذاتها، ومن يومها "فص ملح وذاب".
توّقفت الثورة، لكنّ الرصاص بقي يرشح من عند المغاور وفي حضن البساتين طوال السّنين التي تلت الثورة. في أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1946 عاد يهود عين زيتيم واستوطنوا مجدداً على أطراف مستعمرتهم المطّهرة منهم سابقاً، لكنهم هذه المرة أكثر شباباً ودعماً في العتاد والسلاح، على ما يذكرُ أهلُ عين الزّتـون.
بعد عامٍ، ومنذ مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول سنة الـ47 بدأت حكايةُ اقتلاع القرية، ستّة شهور ومفاتيح ديار أهل عين الزتـون معلقة على بنادق أبنائها. اعتُبِرَت القريةُ منطقةً عسكريّةً مُغلَقَةً، ولاحقت عصاباتُ الـ"بلماح" بدعمٍ إنجليزيٍّ كلّ داخلٍ إليىها وخارج منها.
اشتبك الزواتنة مع العصابات المتحصّنة في مستعمرة عين زيتيم بمعدل مرّةٍ كلّ ثلاث ليالي. شهداء ومفقودون، وقرية بكامل لحمها خلف متاريسها، تنفق من كيسها طوال كلّ الشّهور التي سبقت مايو/ أيار عام 48.
يذكر كلُّ من كُتبت له النجاةُ والحياة من أهل عين الزتـون ليلةَ البغل. كانت تلك ليلة من ليالي مارس/ آذار الماطرة، حين باغت يهود عين زيتيم القريةَ بقفل4القفل مجموعة مخصصة للعمل، بمعنى قافلة، ولكن قافلة تُطلق للجمال والإبل، وقفل تطلق للبغال والحمير من البغال المحمّلة بالذخيرة. كانت طلقة واحدة من أحد شباب عين الزتـون كفيلة بتفجير بغلٍ محملةٌ خِراجُه بالقنابل، وبقيت رائحة اللحم المشويّ تنبعث بين بيوت القرية لأيامٍ، فعُرِفَت بليلة البغل.
في 29 ليلة 30 أبريل/ نيسان اقتحم 500 مسلّح من الـ"بلماح" القرية. كانت آخر ليلة يبيت فيها أهل عين الزّتـون في ديارهم، إذ خُطِف نصفُ شباب القرية في تلك الليلة. يذكر الزواتنة كيف أُخرِجوا من بيوتهم ليلتها وفيهم الأطفال الرضّع والنساء والشيوخ الركّع. أُدخِلَت النساء إلى جامع القرية، واحتُجِزَ الرجال في ساحته، وبدأ ضابط الـ"بلماح" باختيار خيرة شباب القرية وتعصيبهم ثم نقلهم مع قمح مخازن القرية إلى سيارات الشحن.
أثناء ذلك كان صوت شحادة الحجّار الذي اعتبره أهله معتوهاً يأتي من عند ساحة البيدر وبيده سكين، حين سلّط الضابط ضوء كشّافه على وجه شحادة، شاهد أهل القرية دمع معتوههم ينطق من عيـنيْه على خدّيه حرقةً على أهله قبل أن يختلط بدمه مع صوت الرصاص. معتوهٌ أو قليلُ عقل، لم يكن يحتاج إلى عقله أصلاً ليعي إهانةَ أهله المُحاطين ببساطير جيش الـ"بلماح" وقسوة ليلة الاقتلاع والرحيل.
سبعون عاماً مضت ولا خبر أو "مرسال" عن المخطوفين؛ سبعة وثلاثون شاباً، نصف شباب عين الزتـون، من خيرة رجال بيوت عائلات حمّيد وخطّاب وغرّيب وإدريس والرفاعيين، لم يُعرف مصيرهم إلى يومنا. يبكي الزواتنة أبناءهم وزيتونهم كلما مرّ نيسان، ولوعةٌ ما زالت تسكن ذاكرتهم بحجم وجع المسكونة كلها، وردّة من شعر الزجل تقول:
عيني وعيـن الزيتــونة ..... هالـ دمعانـين
عم يبـكوا معها عيوني ...... عالـ مخطوفين