في نهار الحادي والعشرين من شهر رمضان عام 2024، كنتُ أسيراً في معسكر "سديه تيمان"، ومع انتصاف النهار، وفي لحظة تجلٍ إيمانية خاطفة، سجد أحد الأسرى بضعَ ثوانٍ فقط، لم يكن السجود فعل تحدٍّ، ولا إعلان تمرد، بل كان انكسار روحٍ لخالقها في أيام عظيمة من الشهر المبارك، غير أن تلك اللحظة القصيرة لم تمرّ بسلام، إذ رصده أحد الحراس، فتحوّل السجود إلى تهمة، وكانت تلك الثواني مدخلاً لحلقة قاسية من التعذيب.
أُجبر الأسير على الوقوف لساعات طويلة، ثم قبيل الغروب دوّت ثلاثة انفجارات، كانت إعلاناً لبدء "حفلة" قمع لم تكن كسابقاتها، إذ إن التنكيل والإذلال خلالها كانا أعنف، فقد تعمدت فرقة القمع كسر ما تبقّى من كرامة الأسرى، إلى حد أن الكلاب البوليسية تبولت على أجسادنا.
اقرؤوا المزيد: هل نال منا الاعتقال؟
بعد ذلك، تفرّغ الجنود للأسير الساجد، فشُبح، وتحوّل جسده إلى كيس ملاكمة، لم يكد يمرّ جندي إلا وانهال عليه ضرباً، غير أن تكسير عظامه لم يكن كافياً لإشباع نزعاتهم السادية، فأجبروه على إعادة السجود كما سجد في ظهر اليوم، لكن هذه المرة وهو عارٍ تماماً، وبعد أن سجد أدخل أحد السجانين عصاً في فتحة شرج الأسير، صارخاً بكل تبجح وحقد "إن كنت تمتلك حرية العبادة فأنت بذلك لم تعد أسيراً، وأنت هنا في جحيم لا عبادة فيه".
إهانة المصحف
كانت العبادة بكل أشكالها محرمة في معسكر "سديه تيمان"، وجريمة تستدعي العقوبة المغلظة، وكنا نسعى إلى ربط حبل الوصال بالله بالذكر والتسبيح والصلاة بأطراف رموشنا، ومن يزداد تجلّيه أو يرفع ذكر الله أو يدعوه بتحريك شفتيه، كان يُجرّ إلى العقوبة جراً، فكانت حركة الشفاه كافية لتكون دليلاً قاطعاً على ممارسة شكل من أشكال العبادة، التي تُعدُّ تحدياً صارخاً للسجان.
اقرؤوا المزيد: صلاة بأطراف الرموش في "سدي تيمان"
كان الطعام يقتصر على حصتين يومياً، إحداهما مخصصة للسحور، وكان السجانون يتعمدون تأخير وصول هذه الحصة حتى حلول وقت الفجر، في طريقة ممنهجة لإبطال صيامنا، وفي كثير من الأيام، كان لا يُسمح بإدخال طعام السحور إلا بعد انقضاء الليل وبزوغ شمس الصباح، أما حصة الطعام الثانية فمخصصة للإفطار، وكان السجانون يدخلونها إلى الأقسام في وقت مبكر، لكنهم يمنعون توزيعها على الأسرى إلا في ساعة متأخرة من الليل، وكان هذا التأخير متعمدًا لإطالة ساعات الجوع، في سلوك يعكس السعي الحثيث لكسر إرادتنا وتجريدنا من حقنا الإنساني والديني في ممارسة الصيام.
لم تقتصر انتهاكات الاحتلال بحق الأسرى على الصيام، فالأسير المحرر خالد خليل يوضح أن السجانين كانوا يشتمون دينه والنبي محمداً، كما مزقوا المصحف وداسوه بأقدامهم، وقد تكرر ذلك خلال عمليات القمع اليومية، مؤكداً أن هذه الممارسات لم تكن أفعالاً معزولة أو فردية، بل حلقات من سياسة إذلال ممنهجة، وتحويل إيمان الأسرى من مساحةٍ للطمأنينة والصمود إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للعقاب والانتهاك المتعمد.
سرقة الطمأنينة
ومن بين ما كان يتعمّد الاحتلال ممارسته بحق الأسرى خلال شهر رمضان سرقة الطمأنينة ذاتها، وفقاً للأسير المحرر محمد قويدر، الذي يقول إن السجّان كان يدرك تماماً القيمة الروحية لكل لحظةٍ في هذا الشهر، ويعي أن السكينة فيه ليست تفصيلاً عابراً بل هي ركيزة للصمود والصبر والتحمل، لذلك كان الاستهداف مقصوداً وممنهجاً، يطال الزمن الروحي للأسير قبل جسده، في محاولة لكسر علاقته بما يمنحه القوة الداخلية على التحمل.
ويشير قويدر إلى أن عمليات القمع في رمضان كانت تمتد لساعات طويلة، مصحوبة بإطلاق النار، وقنابل الصوت وغاز الفلفل والصراخ المتواصل، سعياً منهم إلى اقتلاع الأسير من أي لحظة خلوة أو هدوء، وسلخه تماماً عن بعده الروحي، وحرمانه من لحظات الصفاء التي تمنح رمضان معناه الإنساني العميق.
اقرؤوا المزيد: حين عرفت الله لأول مرة في السجن
ويؤكد قويدر أن العبادة الجماعية داخل السجن كانت محظورة بشكل قاطع، فأداء الصلاة جماعة مثلاً يُعدّ مخالفة تستوجب العقاب، ولم يكن العقاب يقتصر على الأسرى الذين أدوا الصلاة، بل يُفرض على الغرفة كاملةً أو على القسم بأكمله، في إطار سياسة العقاب الجماعي التي تهدف إلى حرمان الأسرى من استحضار أي شعور من مشاعر رمضان.
ويروي قويدر أنه في إحدى غرف القسم (6) في سجن النقب حاول عددٌ من الأسرى أداء صلاة التراويح جماعة، مع اتخاذ تدابير حذرة لتفادي العقاب، حيث قُسِّم العدد إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ لا يزيد كل منها على ثلاثة أسرى، وما إن تُنهي المجموعة صلاتها حتى تشرع مجموعة أخرى، غير أن إحدى هذه المجموعات ضُبطت أثناء أدائها للصلاة جماعة، فقُمع الأسرى جميعًا، ونُقل الذين أدّوا الصلاة إلى العزل الانفرادي.
اقرؤوا المزيد: نور السجن الذي أصابنا بالعمى
مع دخول رمضان لعام 2026، يستقبل أكثر من 9300 أسير ومعتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي الشهر الفضيل في ظروف إنسانية قاسية، وفقاً لأحدث إحصائية صادرة عن نادي الأسير الفلسطيني في شباط/ فبراير 2026، من بينهم 56 أسيرة و350 طفلاً محرومون من أبسط مقومات الحياة والكرامة الإنسانية.
ويشير نادي الأسير إلى أن رمضان يأتي هذا العام على 1249 أسيراً من قطاع غزة اعتُقِلوا خلال حرب الإبادة، ويصنفهم الاحتلال "مقاتلين غير شرعيين"، محرومين من حقوقهم الأساسية، ومعرضين بشكل يومي لمعاملة عنيفة وعقاب جماعي يزيد من معاناتهم الجسدية والنفسية.