ما إن بدأت الولايات المتحدة و"إسرائيل" عدوانهما على إيران في شباط/ فبراير 2026، حتى أعلنت "إسرائيل" عن توقف إمدادات الغاز الطبيعي إلى كل من مصر والأردن بسبب إغلاق حقلي "تامار" و"ليفياثان" متذرعة بـ "مخاطر أمنية". انعكس هذا الإغلاق فوراً على أمن الطاقة في مصر والأردن، وامتد إلى سوريا ولبنان، إذ ساور القلق هذه الدول بشأن توفر الكهرباء لديها خلال الصراع الحالي المتفجر في المنطقة.
يبحث هذا المقال في كيفية تشكّل تأثير الغاز الإسرائيلي في المنطقة وعلى الأمن القومي لدولها، وكيف تحول شعار "دبلوماسية الغاز" إلى ورقة ضغط سياسي على الدول العربية جعلتها تابعة للاحتلال.
"دبلوماسية الغاز"
تشكَّل ارتباط دول المنطقة بالغاز الإسرائيلي نتيجة جهود قادتها الولايات المتحدة عام 2014، عبر طرح فكرة "الغاز طريق السلام"، بمعنى أن اكتشافات الغاز الجديدة بوسعها التحول إلى أداة اقتصادية لتعميق التطبيع، مع وعود برخاء اقتصادي وتخفيض تكاليف الطاقة في هذه الدول، في حين كان الهدف سياسياً يتعدى إدماج "إسرائيل" ليصل إلى خلق محيط معتمد عليها في مصادر الطاقة.
اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟
بُنيت شبكة الاعتماد هذه تدريجياً خلال العقد الماضي عبر سلسلة من الاتفاقيات التي أعادت رسم خريطة الطاقة شرقي البحر المتوسط منذ لحظة اكتشاف حقول الغاز، وكانت الولايات المتحدة الراعية لهذه الاتفاقيات تحت شعار "دبلوماسية الغاز".

أما في "إسرائيل"، فقد أوصت لجنة "Tzemach" الإسرائيلية المكلفة برسم سياسة الطاقة بتصدير 50٪ من احتياطات الغاز، باعتبار التصدير أداة نفوذ استراتيجي تربط "إسرائيل" بالدول العربية عبر الطاقة وتحدّ من قدرتها على اتخاذ مواقف معادية لها، وقد دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن توصيات اللجنة التي فُرِضت بقرار حكومي وتجاوزت رقابة الكنيست باعتبارها سياسات لها ذرائع أمنية.
بالون الاختبار الأول
كانت الحالة الأردنية بالون الاختبار الأول لـ "دبلوماسية الغاز"، فبعد انقطاع الغاز المصري عام 2011 عن الأردن، تكبدت الحكومة خسائر بمليارات الدولارات لأنها اضطرت إلى استخدام الوقود الثقيل والديزل عالي الكلفة لتوليد الكهرباء، لذا قررت الحكومة أن عليها تنويع مصادر الطاقة.
في هذا الوقت الحرج بالذات اقترحت هيلاري كلينتون التي كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية الأميركية على الأردن استيراد الغاز الإسرائيلي، وبدأ المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين جولات مكوكية بين عمّان وتل أبيب وبالتنسيق مع السفير الأميركي في الأردن لإقناع الحكومة أن في الغاز الإسرائيلي طوق نجاتها، فهي فقيرة في مصادر الطاقة، ولم يكن الغاز المسال في العقبة (الذي تأسس عام 2015) قد باشر العمل بعد.
تحت تأثير الوساطة الأميركية وسعر الغاز الإسرائيلي المنافس، أُبرمت الاتفاقية عام 2016 بين شركة الكهرباء الوطنية وشركة "نوبل إنيرجي" الأميركية، على أن تستورد شركة الكهرباء الأردنية 45 مليار متر مكعب من حقل "ليفياثان" بسعر 10 مليارات دولار لمدة 15 عاماً، وكانت الولايات المتحدة الضامن لشركة "نوبل إنيرجي".
اقرؤوا المزيد: خرائط النار والغاز: كيف صنعت "إسرائيل" إمبراطورية للطاقة؟
واجهت اتفاقية الغاز رفضاً شعبياً أردنياً، لكنها أُقِرّت في أيلول/ سبتمبر 2016، في فترة كان فيها البرلمان الأردني منحلاً قبل الانتخابات، وقد عمدت الحكومة الأردنية في خطابها الرسمي إلى تسويق الغاز الإسرائيلي على أنه خيارها الأخير لحفظ أمن الطاقة.

بعد توقيع الاتفاقية مع الاحتلال، لم يعد من المجدي للأردن تطوير موارده من الغاز أو حتى الاستمرار في مشروع استخراج الصخر الزيتي الذي كان قد عُلِّقَ العمل عليه، ويرجع هذا إلى التزام الحكومة الأردنية ممثلة بشركة الكهرباء الوطنية بدفع ثمن كميات محددة من الغاز سنوياً سواء استهلكتها أم لم تستهلكها.
لوحت الولايات المتحدة باعتبارها الضامن، بإمكانية خصم مستحقات "نوبل إنيرجي" من المساعدات الأميركية التي يتلقاها الأردن في حال امتنع عن الدفع، ليصبح أمن الطاقة في الأردن معتمداً بشكل شبه كامل على مصدر واحد، وهو الغاز القادم من "إسرائيل"، مما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية في غاية الأهمية.
فتحت الاتفاقية مع الأردن باب التصدير للغاز الإسرائيلي، فحقل "ليفياثان" كان يحتاج إلى مشترٍ طويل الأمد ليمثل ضمانة بنكية لشركة "نوبل إنيرجي" من أجل الحصول على تمويل للبنية التحتية اللازمة لاستخراج الغاز، وبعد توقيع الاتفاق دخلت "إسرائيل" طوراً جديداً بوصفها لاعباً إقليمياً بدأ يفكر في إيصال غازه إلى الدول العربية شرقي المتوسط وأوروبا لاحقاً.
من الاكتفاء إلى التبعية
حتى عام 2011 كانت مصر المصدّر الرئيسي للغاز نحو الأردن، كما كانت تصدر الغاز لـ "إسرائيل" عبر خط العريش - عسقلان حتى توقف هذا التدفق عقب تفجيرات خط الغاز بعد ثورة 2011. وبعد 2011 عانت مصر من أزمة في الطاقة، لكن الحال انقلب عام 2015 حين احتفلت باكتشاف حقل "ظُهر" الذي كان معجزة تقنية باحتياطي يقدر بـ 30 تريليون قدم مكعب، أي نصف ثروة مصر من الغاز الطبيعي. في الوقت نفسه، كانت "إسرائيل" وقبرص واليونان تدخل نادي الغاز بقوة، من خلال اكتشاف احتياطيات جديدة شرقي المتوسط.
وبدلاً من تكثيف عمليات الاستكشاف وتطوير آبارها المتقادمة، آثرت مصر الطريق الأسهل وحولت موردها الاستراتيجي إلى رئة تتنفس منها "إسرائيل"، فوقعت معها عام 2018 اتفاقية بقيمة 15 مليار دولار لعكس مسار الغاز في خط العريش - عسقلان، لتستورد مصر الغاز الإسرائيلي بهدف تسييله ثم تصديره إلى أوروبا.
اقرؤوا المزيد: هكذا تحوّلت الضفة إلى قوة احتياطية لـ "إسرائيل"
اقترحت مصر عام 2019 تأسيس "منتدى غاز شرق المتوسط" بدعم من الولايات المتحدة تحت عنوان "استعادة مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة"، وجرى الاتفاق على تأسيس سوق غاز إقليمي بهدف التصدير لأوروبا، وقد رعت الولايات المتحدة المنتدى، لكن تصدير الغاز كان يحتاج إلى بنى تحتية ضخمة، فاقتُرِح تأسيس خط أنابيب جديد يصل "إسرائيل" وقبرص بأوروبا هو "خط أنابيب شرقي المتوسط". وبسبب تعثر المشروع وسحب واشنطن دعمها له، لم يتبقّ أمام غاز حقلي "ليفياثان" و"تامار" سوى بوابة واحدة للوصول إلى أوروبا: محطتا إسالة الغاز المصريّتان "دمياط" و"إدكو".

كانت اتفاقية التسييل لإعادة التصدير بداية الانتكاسة الطاقية المصرية، إذ وفرت حلاً مؤقتاً لتشغيل محطات الإسالة، من دون معالجة أصل مشكلة تراجع إنتاج حقل ظُهر الناتج عن مشكلات تقنية ومالية، لتتحول مصر فعلياً من جسر يوصل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا إلى مستهلك لهذا الغاز، وبعد سنتين من بدء تدفق الغاز الإسرائيلي إلى مصر، تحديداً منذ نهاية 2022، لم يعد الغاز الاسرائيلي يُستورَد ليُصدَّر وإنما ليغطي عجز السوق المحلي المصري.
لم تكفِ كميات الغاز الإسرائيلي لسد الفجوة المتزايدة في السوق المصري، لتُقرر القاهرة عام 2025 زيادة وارداتها من "إسرائيل"، ويُوقع الطرفان أكبر صفقة في تاريخ "إسرائيل" بقيمة 35 مليار دولار لمدة 15 عاماً، لزيادة الكميات المستوردة من حقل "ليفياثان"، وبموجب الاتفاق ازدادت الكميات المتدفقة عبر خط عسقلان - العريش، لتغذية الشبكة المصرية ومحطات الإسالة في دمياط و"إدكو"، وبذلك تَكرَّس واقع جديد، فبدلاً من أن تتحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة تحولت إلى مستهلك يعتمد على إمدادات الغاز القادمة من الحقول الإسرائيلية.
ترسيم تحت ضغط الانهيار
أما في لبنان، فقد كانت "دبلوماسية الغاز" أشد وضوحاً في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي قادها المبعوث الأميركي هوكشتاين عام 2022. جاء الاتفاق في ذروة الانهيار الاقتصادي اللبناني، واستغل الجانب الأميركي حاجة لبنان إلى مصادر الطاقة فقدم الغاز باعتباره مخرجاً.
بعد مفاوضات طويلة غير مباشرة، وتهديدات من حزب الله بقصف الحقول الإسرائيلية إذا ما بدأ التنقيب فيها قبل التوصل إلى اتفاق مع لبنان، تم الاتفاق على ترسيم الخط البحري بين "إسرائيل" ولبنان، بحيث تضمن "إسرائيل" أمن حقل "كاريش" وتبدأ الإنتاج منه فوراً، بينما يحصل لبنان على حق التنقيب في حقل "قانا" الذي قطعه الخط الحدودي البحري، مقابل تسوية مالية تحصل عليها "إسرائيل" من شركة "توتال" الفرنسية المسؤولة عن التنقيب فيه.

بعد الاتفاق بدأت "إسرائيل" إنتاج الغاز، بينما بقي لبنان في مرحلة الوعود والاستكشاف، ومع ذلك لم يؤد الاتفاق إلى تهدئة دائمة كما توقعت بعض التحليلات التي ربطت بين الاستقرار والمصالح المشتركة، فبعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، امتدت الحرب إلى الحدود اللبنانية لتظهر محدودية الرهان على الغاز باعتباره أداةً لضبط الصراع في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
اقرؤوا المزيد: ماذا تكشف مذكرات كوشنر عن اتفاقيات التطبيع؟
ولسد العجز اللبناني في الطاقة، أعادت واشنطن إحياء خط الغاز العربي في 2021، فاقترحت مشروعاً يقضي بنقل الغاز المصري عبر الأردن ثم سوريا وصولاً إلى محطة "دير عمار" في لبنان، بالتوازي مع مشروع نقل 250 ميغاواط من الكهرباء الأردنية عبر الشبكة السورية إلى لبنان أيضاً بتمويل من البنك الدولي.
سوريا على الخطى
وجدت سوريا نفسها في قلب هذه الشبكة، لكن لم يُسمَح لها بسبب العقوبات الأميركية بتحصيل أي رسوم مقابل مرور الغاز من أراضيها، وإنما حصلت على حصة 8% من الغاز العابر من أراضيها رسوماً عينيّة، استُخدِمت في ترميم محطات توليد الكهرباء المتهالكة.
وفي بداية عام 2022، وقّعت سوريا اتفاقية مع الأردن ولبنان تأخذ بموجبها حصة من الكهرباء الأردنية التي تمر عبر أراضيها، فضلاً عن استيرادها الغاز من الأردن أيضاً وفق اتفاقية وقعها الطرفان عام 2026 تنص على توريد أربعة ملايين متر مكعب يومياً بالاعتماد على الغاز المسال المستورد من العقبة.
تكمن المفارقة في حالة سوريا ولبنان، في أن الدول العربية التي يستوردان منها الغاز أو الكهرباء المولدة من الغاز، مرتبطة بخط الغاز العربي، الذي يأتي بغاز مصر و"إسرائيل"، وحتى بالغاز المسال من ميناء العقبة في مسار واحد، وتختلط هذه الكميات تلقائياً في "خليط الغاز" الذي يجري توزيعه.
اقرؤوا المزيد: الجنوب السوري: "عم نطرق جدران الخزان، هل من أحد؟"
ليس هذا فحسب بل غالباً ما سيُعامل الغاز بنظام مقاصة إقليمي، مما يعني أنه قد يتعرض للتبديل داخل الشبكة في الأردن لتوفير أجور نقله، وبذلك يحصل لبنان وسوريا على الغاز النابع من "ليفياثان" الإسرائيلي، ويُدمَجان تلقائياً في الشبكة الإقليمية التي مركزُها الغازُ الإسرائيلي، ودليل ذلك عملياً أنه حين أغلقت "إسرائيل" حقلي "تامار" و"ليفياثان"، أُعلن عن قطع الغاز المتجه من الأردن إلى سوريا، إضافة إلى توقف إمدادات الغاز من مصر عن سوريا ولبنان.
تكشف هذه الوقائع مجتمعة أن ما سُمّي بـ "دبلوماسية الغاز" في شرق المتوسط لم تأخذ بالمنطقة إلى الاستقرار المفترض كما رُوّج لها، بل إلى شبكة طاقة هشة، فيكفي أن يتوقف الإنتاج في "تامار" أو "ليفياثان" حتى تتأثر شبكات الكهرباء العربية بالتزامن.
وفي حين قُدمت شبكة الطاقة هذه بوصفها جسراً نحو السلام، أظهرت أحداث ما بعد السابع من أكتوبر أن الارتباط الطاقي لم يلغِ أسباب الصراع العميقة، ولم ينجح في تحويل الجغرافيا السياسية المتفجرة إلى منطقة اعتماد متبادل آمنة. بهذا المعنى، لم تفشل "دبلوماسية الغاز"، فالمطلوب لم يكن جيراناً مسالمين لدولة الاحتلال بقدر ما كان إنشاء منظومة هيمنة إسرائيلية تتحول فيها الطاقة إلى أداة نفوذ، وقيدٍ جيوسياسيٍ.