9 يناير 2020

كلب الصحراء الفلسطينيّ

روّضته "إسرائيل" وأطلقته في وجه أهله

روّضته "إسرائيل" وأطلقته في وجه أهله

تمهّل في المرّة المُقبلة عندما تُصادفُ قطيعاً من الكِلابِ البريّة وأنتَ في الطّريقِ عائدٌ الى بيتِكَ ليلاً، فربما تكونُ محظوظاً بلقاءِ الكلبِ الفلسطينيّ النّادر. إنّهُ ليسَ أيَّ كلبٍ تراهُ صدفةً في يومك، إذ يكونُ بالعادةِ مُختبئاً بين تلك الكلاب "البلديّة" التي تَملأُ الشّوارع بَحثاً عن بقايا طَعامٍ، تراهُ بوقفته المميِّزة، مُهيمناً على بقيّة الكِلاب وكأنّه يعلمُ أنه ليسَ منها وهيَ ليست منه. 

كلب العرب..بعض من تاريخه

الكلبُ العربيّ (كما أسمَاه الصّهاينة بداية استعمارهم فلسطين)، أو الكَنعانيّ (كما اسمه "العلميّ" المعتمد Canaan Dog)، أو كما يُسمّيه سُكّان الصّحراء في فلسطين: "الكَلبْ" أو كلب الصّحراء، أو الكلب الفلسطينيّ، هو نوع فريدٌ ونادرٌ من جنسِ الكلاب البريّة. وهو واحدٌ من بضعةِ كلابٍ صُنّفَت وسُمّيَت بـ"الكِلاب الأصلية" من قِبَل الاتحاد العالميّ للكِلاب، لا يزيد عددها عن خمسة أنواع لا زالت عذراءَ طبيعيّة لم تَطَلها يدُ الأنسانِ عبثاً وتعديلاً، وهو كلب ينتمي إلى سلالة نادرة وعريقة من الكلاب.1تقول الباحثة الإسرائيليّة في سلوك هذا الكلب الفلسطينيّ ميرنا شيبوليث، في كتابها "كلب إسرائيل الكنعانيّ": "الكلب الكنعانيّ كلبٌ نادر، ولذا فهو ذو أهميّة كَبيرة في علم الكلاب. يُعتَبَر الكلب الكنعانيّ من الكلاب البدائيّة، فهو قريبُ جداً في نوعه وطبعه من الكلب "الأصلي"، الجدّ الأكبَر لكُل الكلاب اليَوم، وهو واحدٌ من كلاب قَليلة جدّاً لا زالت موجودة اليَوم وتُعتبر "طبيعيّة"، ..على خِلاف الكلاب التي تعرّضت للاختيار والانتقاء البشريّ غير الطبيعيّ لخَلق نوع يكونُ مناسباً لمهمة أو مُناخ معينين".

يُعرف "الكلب" صاحبُنا بسِماتٍ تَمـيّـزُهُ عن غيره، فهوَ متوسّطٌ بحجمه، مُربّع الشّكل بطولٍ وارتفاعٍ مِتقارِبَيْن، جسمُهُ مشدودُ بالعَضلات. أما شعرُه فكَثيف وله ألوان متعددّة، أهمّها أربعة: الأبيَض الثّلجِي، وهو أندرُها وأكثرُها سِحراً، والأسود اللّيلي، وخليطُ الأبيض مع الأسوَد، واللّون الرّملي، والأخير أكثرُها عدداً، فهو لونُ الصّحراء الُتي تطوّر بينَ رمالها واحتاجهُ للاختباء والبَقاء. يعيشُ كلب الصّحراء ليصلَ إلى عُمر الـ17 عاماً تقريباً، وهو قليلُ المَرَض وجيناتُهُ سليمَةٌ من الطّفرات غير المرغوبَة. 

يُعرف هذا الكلب بأنّه دائمُ التّأهّب واليَقظَة، يرصُدُ أيّ تحرّكٍ من بَعيد، يُحاولُ بطُرُقٍ عديدَة أن يُبعدَ المُعتدين على حدوده ومكانِ سيطرته. وهو كلبٌ كثيرُ النُّباحِ وسريعُ الحركَة وشديدٌ على المُعتدين من المُفترسين. لكنّهُ مع ذلك أليفٌ مع الإنسان ويُحبّ صُحبَتَه، ولهذا أحبّه أهل هذه البلاد، فكانَ صاحبهم لأجيالٍ طويلةٍ. وعادةً ما يتم الخلط بينه وبين الكلاب المعروفة بـ"البلدية". إلا أن كلب الصّحراء يتميّز عن الكلاب البلديّة بآذانه المنتصبة الكبيرة، وذيلِه الحلزونيّ كثيفِ الشّعر، وعيونِه الجَميلة بشكل ثمارِ اللَّوز. أمّا الكلاب البلديّة، فآذانها متدليّة وذيولها نَحيلَة، وهي كلاب مهجنة نتجت عن أنواع دخيلة من الكلاب.

كلّ ما تراهُ في هذا الكلب هو نتاجُ انتخابهِ من طبيعة الصّحراء الفلسطينيّة حيثُ يستوطن منذُ آلاف السّنين. ويدلّ على قدمه بقايا عِظامهِ التي وُجِدت في مقبرة عسقلان مثلاً، وتعود إلى حقبات تاريخيّة قديمة جداً. وتدلُّ على ذلك أيضاً النّقوش العتيقة على صُخور صَحراء النّقب التي ترسمه كما هو الآن بشكلهِ المميّز وهو يَصطادُ الوُعولَ والأُسود. كما أنّه وُجد مَدفوناً يتشاركُ هوَ وصاحبهُ نَفسَ القَبر في عدّة مَدافن اكتُشفت في المنطقة (كما في مقبرة عين الملاحة بالقُرب من الغور). وإن دلّ هذا فهوَ يدلُّ على تاريخٍ طويلٍ من المنفعة المشتركَة بين الإنسان الفلسطينيّ وهذا الكلب.

نقوش لما يُعتقد أنه كلب الصحراء الفلسطينيّ على صخور في النقب.

مقبَرَة عسقلان

في عام 1987 وبينما كانَ باحثو الآثار الإسرائيليون ينقّبونَ بينَ بقايا حضارات سَكَنَت وتعاقَبَت على مدينة عَسقلان التّاريخيّة القديمة، وتحديداً في تَل عسقلان الأثريّ بحثاً عمّا يسُّرُّهُم، عثروا على بقايا عظامٍ كثيرة مدفونةٍ على التّلّ تحتَ رماله، تبيّن أنّها تعودُ لمئات الكَلاب من نوعٍ واحدٍ، قُدّر تاريخها ما بين القرن الثالث والقرن الخامس قبل الميلاد. هذه الكلاب لم تكُن غريبةً عَليهم، فعِظامُها تتطابَقُ مع عظام الكلب المحليّ للمَنطقة، إنّه نفسه الكلبُ "الكنعاني"، كلبُ الصّحراء. 

كانت الكلابُ مدفونةً بطريقةٍ منظّمة، حيثُ صُفّت بجانب بَعضها ووُضعت ذيولها بين أرجُلها الخلفيّة، والغالبيّة تعودُ لجراء صغيرَة، ولم يجدوا عليها آثارَ تعذيبٍ أو ضَربٍ أو أيّ كُسور، فاختلفَ الباحثونَ فيهم، بعضُهم قالَ إنّهم قُتلوا أو سُمّموا لأغراضٍ دينيّة، وآخرونَ رجّحوا بأنّهم هَلَكَوا بمرضٍ وبائي أصابَهُم يوماً، لكن كانت حجّة الأخيرين ضعيفَة، لانّ المَقبرَة استُخدمت لقرابة الخمسينَ سَنَة ولم تُدفن الكلاب فيها  دُفعةً واحدة.

عظام الكلب كما اكتُشفت في مقبرة عسقلان.

كان الباحث لورانس ستاجر  Lawrence E. Stager، وهو المسؤول عن بعثَة الباحثين من جامعة هارفارد، البعثَة المُموّلة من رجل الأعمال الأميركي اليهودي ليون ليفي، مع القَول الأوّل، واعتقَد أنّ هذه الكلاب كانَت مقدّسةً عندَ شُعوب المنطَقة فكانَ لها طُقوسٌ خاصّة. ذكر ذات البَاحثُ أنّ المقبرةَ من أكبر المقابر التاريخية وأنّها أكبر من الذي استطاعوا كشفَه حتى الآن، وأنّ أعداد الكلاب فيها قد تصلُ إلى الآلاف.2Holly dogs and assess: Animals in the Christian tradition, Laura Hobgood-Oster, 2008, p.8

الكلبُ وأهله

للكلبِ علاقةٌ قديمةٌ طَويلة مع أهل فلسطين وخاصّةً بَدو الصّحراء، فالبَدويّ صَاحب الكلبَ واستعملهُ لحراستِهِ وأنعامِه، لما يتميّز به الكلب بحراسَتِهِ الشّديدة ووفائه. وبمروركَ بجانب أيّ مجتمعٍ بدويّ يعيشُ في فلسطين، لا بُد أن تجدَ بضعةَ كلابٍ تفترشُ أرضَ الخَيمة الظّليلة يتّقون حرّ شمس الظَّهيرة تَحتها. وإن كُنتَ محظوظاً فستجدُ كلبَهُم -كلب الصّحراء- بآذانه المُنتصبة وشعرِهِ الجميل، فبعضُ البدو لا زالوا أوفياء ولا يقتنونَ إلا كَلب الصحراء الّذي أصبَحَ نادراً بعد ان كانَ يملأ البراري والجِبال.

يُعرف عن هذا الكلب أن ذكوره أقوى وأكبر من إناثه، لهذا يعملُ البدوي أو القرويّ (كما في شمال فلسطين) على اختيارِ الذّكر من بين الصّغار عند ولادة الأنثى، ولا يَسمحون للكلاب أن تلعَقَهم بلسانها، هذه قوانينهُم وَضعوها وتوارثوها، ومنها أيضاً انّهم يقُصّون أطراف أذنيه لظنّهم أنّ ذلك يعطيه قوّة ويزيد من حساسيّته تجاه مُحيطه والمُعتدين. ولا بد لكَ أن تَرى كلباً أسوداً بين مَجموعة الكلاب بألوانها المٍُتعددة، يقتنونه للونه المميّز على خلفيّة الصّحراء البُنيّة، ليبقى تحتَ أعينهم طوال الوقت.

وعلى عكس كلب "السَّلَق" الصّحراوي المشهور في جزيرة العَرَب منذ القدم، فإنّ كلب الصّحراء في فلسطين يُحب السّيطرة وإثبات هَيمنته حيث يسكُن، ولذا فمن الصّعب أن ينتقل كلبٌ من مالك إلى آخر جديد، لأنّ الكلب سيُحاول دائماً العَودة إلى مَسكنه الاوّل. وللبَدوِ في ذلك حيلة، يربطونه مدّة من الزّمن بوتدِ من أوتاد الخَيمة حتّى يتأقلم على بيته الجديد ويفرضُ عليهِ هَيمنته.

الكلب الذي سُلِب ليقاتل أهله

وبعدَ علاقةٍ طويلةٍ بينهُ وبين أهله سُكّان الصّحراء، وتحديداً في ثلاثينيّات القَرن الماضي، هاجَرت إلى فلسطين العالمَة في علوم الكِلاب النّمساويّة روديلفا مِنزل Rudolphina Menzel، التي طلبت منها بعض الجماعات الصهيونيّة المقاتلة (ومنها الـ"هاغاناه") أن تجد لهُم كلباً مناسباً لحراستهم ومساعدتهم في حربهم ضدّ أهل البلاد. 3From the Arab Other to the Israeli Self: Palestinian Culture in the Making of Israeli National Identity,Yonatan Mendel and Ronald Ranta,Routledge 2016, p.60

بدأت تلك الباحثة في البحث ودراسة المُحيط، فوجدت الكلب الفلسطينيّ، وكان الكلبُ حتّى تلك اللحظة يُلَقّب بأنّه "كلبُ العَرَب"، وبعد دراستهِ وجدت فيه صِفاتٍ مثاليةً للمَهام المنشودَة عند الصهاينة، كسرعته الكبيرة في المُلاحظة والتّحذير، وقوّته في تحمُّلِ الأجواء الصّعبة، صفاتٌ طوّرها الكلبُ وجنسُهُ خلال حياتهم الطويلَة في بيئةٍ شديدةِ المُنافسة كصحراء البلاد4المصدر السابق.

جمعت تلك الباحثة الكثير من الكلاب الفلسطينيّة، وبدأت بتدريبها، وكانت أهم المهام الّتي على الكلاب إنجازها كشف الألغام. وكانت منزل بارعَة في تدريب الكِلاب الكبيرَة السّابقة في النّمسا، فكانت الكلاب تشتَم الألغام حتّى بعد أسابيع من فكّها، وأعطَت بعدها الكلبَ مهمّات أخرى لمُساعدة وتقصّي أماكن الجَرحَى، وإرسال الرّسائل، وكان يتفوّق على الآلات والحساسات الميكانيكيّة في ذلك الوقت.

وهكذا ساهمت مِنْزِل في سلب هذه الكلاب من أهلها في صحراء فلسطين وتدريبها لصالح الـ"هاغاناه"، أي لصالح قتال أصحابها ومربيها الأصليين، حتّى أن قوات الانتداب البريطانيّ طلبت عام 1942 من الـ"هاغاناه" تدريب 400 كلبٍ منها لإرسالها لمساندة قواتها في شمال إفريقيا في مواجهة البدو الذين يغيرون ليلاً على معسكراتها.

كلب الصحراء الفلسطيني في قرية عين سينيا. تصوير: عماد حسين.

ولم تكتفِ النمساويّة منزل بهذا، بل قامت بتأسيس مركزٍ لتطوير هذا الكلب واختيار الصفات التي رأتها مناسبة لبقائه وتميّزه، وكانت هي من أطلقت عليه اسم "الكلب الكنعانيّ". وفي عام 1953، أصبح "الكلبُ الكنعانيّ" معروفاً كـ"الكلب الوطنيّ لإسرائيل". ويشبّه البروفيسور الإسرائيلي في علم الاجتماع والإنسان يوناتان مندل سلب الكلب العَرَبيّ ليصبحَ "كَلب إسرائيل الوَطَنيّ" بالطريقة التي تحوّل فيها البرتقال اليافاوي الفلسطينيّ إلى برتقال إسرائيليّ. 

لاحقاً، استعمل جيش الاحتلال الإسرائيليّ كلب الصّحراء هذا في مهامه، خاصّة لقدراته العالية على الشم، لكنه استبدل لاحقاً بأنواع أخرى من الكلاب، منها الكلاب البوليسيّة البلجيكيّة "المالينو".

من فلسطين إلى أنحاء العالم

بعد انتهاء حرب 1948، وإقامة دولة الاحتلال، أسّست الباحثة منزل مركزاً درّبت من خلاله الكلاب الفلسطينيّة على إرشاد ومساعدة فاقدي البصر. وبعدها بدأت بنشر الكَلب في العالم، ووصلت أوّل مجموعة من هذه الكلاب إلى الولايات المتحدة عام 1965، بعدها إلى كندا وبريطانيا. وتأسست بعد ذلك مراكزُ للعنايَة بالكَلبِ "الكنعاني" مثل ما يوجد في فَرنسا وكَندا وفنلندا. وانتشرَ الكلبُ ودخلَ نواديَ الكلابِ العالميّة باسمهِ الإسرائيلي، واقتناهُ الكثيرُ من المشاهير منهُم رئيسُ الولايات المتّحدة جون كينيدي. وفي عام 1966 تمّ الاعترافُ بالكَلب "الكنعاني" بموطنهِ "إسرائيل" من قبل الاتحاد العالمي للكِلاب في بلجيكا.

وفي العام 1970 تأسس مركزٌ إسرائيليٌّ لتزويجِ وتنقيحِ الكلب "الكنعاني" في منطقة باب الواد غرب القدس، والذي عَمل على اختيار أنقى وأفضل الصّفات في الكَلب لتُهيمنَ على غيرها، فتذهَبَ الأُخرَى وتختفيَ وتَنقرض. قامَ أصحابُ المركَز باصطياد الكثير من الكلاب البريّة من الصّحارى والجبال في فلسطين على خُطى باحثة الكلاب منزل بطريقَتها العلميّة لتزويجهم ببعضهم واختيار شَكلٍ معيّن يريدونه، كي يَبقى الكلب "الكنعاني" بأفضَل حلّة يريدونها، وليوّظفوه في خدمة مصالحهم. لكن وبعد عشرات السّنين من عمل المركز ونشر الكَلب بابهى حلّته الى العالم، أمرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإخلاء المركز بحجة أنّه مبنيٌّ على "أرض ممتلكات عامّة"، وهكذا هُدِم المركز صيف 2017. 

بعدها، هاجرت صاحبةُ المركَز ميرنا شيبوليث، إلى إيطاليا لتُكمل عملها مع الكَلب بعيداً، وعلّقت في حينها: "لقد خذلتني إسرائيل، أنا صهيونيّة طوال حياتي لكن إسرائيل اليوم ليست إسرائيل التي أردتُ الهجرة إليها أو التي سأهاجر إليها مجدداً". يُذكر أنّ ميرنا مدرّبة وخبيرة في علوم الكلب "الكنعاني"، وقد صدّرت آلاف الكلاب من "إسرائيل" إلى شتّى بقاع الأرض.

لم يهنأ الكلبُ الفلسطيني بأيّ عَيش، فعدا عن سلبه بدايةً من أهله لصالح قتالهم، قامت سلطات الاحتلال لاحقاً بقتل الكثير من هذه الكلاب خوفاً من تفشّي داء الكَلَب.

كما لم يسلم كلب الصحراء من ملاحقة بعض الفلسطينيّين، الذي خلطوا بينه وبين البلديّ، فسمّموهُ وأطلقوا عليه رصاصهم عليه، متهمينه زوراً بأنه "ضالٌ معتدٍ". وبعد أن كان عزيزاً يعيشُ مع أهل الكرم والجود، أصبح غريباً مُطارداً. والآن بالكاد تراه، فبعد أن كان يملأ جبال فلسطين، ويعيش مع أهلها بلا تعدٍ على أيّ حدود، يوجد منه اليوم بضعة آلاف حول العالم، منها ألف فقط في فلسطين.