في مكانٍ ما تحت الأرض، حيث لا تصل كاميرات الأقمار الصناعية، ولا يُسمع طنين الطائرات المسيَّرة، يجلس رجلٌ أمام لوحة كهربائية، يداه هادئتان، وعيناه ثابتتان، وأمامه زر.
فوقه بآلاف الأمتار، تمزِّق السماءَ مقاتلاتٌ تكلِّف كلُّ واحدةٍ منها ما يكفي لبناء مدينة، أنظمة رادار تلتقط أنفاسَ العصافير، وأقمار صناعية ترصد حركةَ السيارات في الشوارع، وتفوقٌ جويٌّ مطلَقٌ – وفق وصف الجنرالات الغربيين لعقود – لا يُنازَع ولا يُكسر.
… ثم يضغط الرجل الزر!
ما يخرج من تحت الأرض ليس معادلاً لما في السماء، فهو لا يملك راداراً، ولا ذكاءً اصطناعيا، ولا طياراً تدرَّب عشر سنوات، لكنه يملك شيئاً آخر: وُجهة.
في هذه اللحظة بالذات، يشقُّ الصاروخُ الهواءَ صاعداً نحو سماءٍ يَعتقد مَن يحتلُّون فضاءها أنهم يملكونها، فتتزعزع معادلةٌ بنَتْ عليها الولاياتُ المتحدةُ و”إسرائيلُ” عقوداً من الهيمنة، وأنفقتا عليها مئات المليارات، وصاغتا حولها نظرياتٍ في أعرق الأكاديميات العسكرية في العالَم، معادلة تقول: مَن يملك السماءَ يملك الحرب.
لكن السماء، كما تعلَّم الغرب في أكثر من ليلة منذ العام 2006، لم تعُدْ ملكاً خالصاً لأحد.
هذا مقال عن الصاروخ، لا بوصفه قطعة حديد وبارود، بل فكرة، ورسالة تقول إن التفوق التقني لا يعني دائماً القدرة على فرض الإرادة، وإن الأداة، في يد من لا يملك غيرها، يمكن أن تواجِه أكثر الآلات العسكرية تطوراً في تاريخ البشرية.
إنها قصة لم تبدأ في غزة، ولن تنتهي في اليمن.
حين قرر الضعيف أن يرد
لم يولد الصاروخ في يد المقاومة كاملاً ناضجاً، بل وُلد فكرةً مجنونةً في عقل من لا يملك سلاح جو، ولا دبابة، ولا تفوقاً تقنيّاً، يملك سؤالاً واحداً فقط يؤرقه: كيف أضرب من لا أستطيع أن أصل إليه؟
أولاً: حين ارتجفت السماء للمرَّة الأولى
قبل أن يُطلِق أي فصيل صاروخاً واحداً من غزة أو من جنوب لبنان، كان الدرس الأول يُكتَب في سيناء وعلى ضفاف قناة السويس.
في تشرين الأول/ أكتوبر، شهر اللعنات على المحتل، لكن في العام 1973، يعبر الجيش المصري، ومعه ما لم يحسِب له الإسرائيليون حساباً كافياً: منظومة صواريخ أرض – جو السوفييتية (سام 6)، التي أسقطت في الأسابيع الأولى ما يزيد على 100 طائرة إسرائيلية.
للمرة الأولى في تاريخ المنطقة، كانت الطائرات الإسرائيلية في السماء التي اعتُقد أنها حُسمت منذ العام 1967. أما الدرس الذي خرجت به جيوش المنطقة، مسَّ التكتيك، وكذلك الاستراتيجية، في كون التفوق الجوي على أهميته ليس قدراً، بل يمكن التعامل معه كمشكلة قابلة للهندسة.
ثانياً: حين تحولت الجراح إلى مصانع
بعد عشر سنوات من العام 1973، كانت إيران تنزف تحت وطأة الحرب مع العراق (1980 – 1988)، في تجربة قاسية لمعنى أن تواجِه بلا سلاح جو متكافئ.
كان صدام حسين يملك طيراناً متطوراً، ودعماً غربياً وخليجيّاً، وصواريخ “سكود” تضرب طهران وأصفهان والمدن الإيرانية، في ما عُرف بـ “حرب المدن”، تلك الليالي التي كان المدنيون ينامون فيها بلا يقين أنهم سيستيقظون.
اقرؤوا المزيد: رحلة العداء بين أميركا وإيران (2).. سيرة مفاوضات لا تكتمل
كانت إيران معزولة، فالثورة قطعت علاقتها بمورديها الغربيين: لا قطع غيار، ولا ذخائر، ولا دعم. وسلاح الجو الذي بناه الشاه بمليارات الدولارات كان يتآكل طائرةً تلو أخرى. من هنا تشكَّلت قناعة راسخة في العقل الاستراتيجي الإيراني: لن نثق بسلاح يأتي من يد غيرنا، ولن نُفاجأ مرة أخرى بسماء لا نملكها.
عقب انتهاء الحرب في العام 1988، انطلقت ورشة واسعة لبناء قدرات صاروخية نوعية، وتَركَّز الجهد حول الجنرال حسن طهراني مقدم، الذي عُرف لاحقاً بـ “أبو الصواريخ الإيراني”. لم تكن المهمة مجرد شراء أسلحة، بل كانت مهمة بناء صناعة كاملة: استقدام خبراء، وتدريب مهندسين، ونقل تكنولوجيا من مصادر متعددة، من بينها كوريا الشمالية والصين وروسيا.
عقداً بعد عقد، بنَتْ إيران ما يُوصف اليوم بأنه من أقوى برامج الصواريخ في المنطقة، فهو يتجاوز مجرد التركيز على الردع أو الهجوم، ليعبِّر عن رسالة واضحة: لن نُضرب من دون ثمن.
ثالثاً: الكاتيوشا.. الصاروخ الذي علَّم الخوف
في جنوب لبنان، خلال ثمانينيات القرن الماضي، وبعد تجربة منظمة التحرير الفلسطينية مع الراجمات، واجه الفاعلُ الجديدُ في معادلة الاشتباك تحدي المراكمة على التجربة ضمن فلسفة مختلفة.
تحت ضجيج المدافع وغارات الطائرات، كانت شاحنات تُفرِّغ حمولتها في مستودعات متواضعة: راجمات كاتيوشا سوفييتية الصنع. صواريخ بدائية، دقتها محدودة، ومداها لا يتجاوز عشرات الكيلومترات، لكنها حملت ما هو أهم من الدقة، وهو القدرة على الوصول.
اقرؤوا المزيد: هل يخوض “حزب الله” معركة أعمدة؟
للمرة الأولى بعد خروج منظمة التحرير من لبنان، عادت لتدوي صفارات الإنذار في المستوطنات والمدن المحتلة شمالي فلسطين: “كريات شمونة”، ونهاريا، وصفد، وتعلم المستوطنون النزول إلى الملاجئ.
لم تكن الكاتيوشا أداة حسم عسكري، بمقدار ما كانت رسالة سياسية بصوت الانفجار: لا عمق آمن، ولا سماء تحمي من إرادة من قرَّر أن يضرب.
اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان أكثر من مرة، لكن الكاتيوشا لم تتوقف، وفي كل جولة، كان الطرفان يتعلمان: يتعلم الإسرائيليون أن القوة العسكرية وحدها لا تُسكِت الصاروخ، ويتعلم حزب الله أن الصاروخ البسيط قادر على صناعة توازن رعب تعجز القنابل الذكية عن إلغائه.
رابعاً: حين وُلد الصاروخ من تحت الحصار
القصة في غزة مختلفة، بل هي الأكثر إثارةً للدهشة، إذ لم تحصل غزة على صواريخها من أي داعم خارجي في البداية، ولا من مستودعات سرية، وفي سنواتها الأولى صنعتها بنفسها.
اقرؤوا المزيد: حرب الفرقان.. الحرب المستمرة إلى اليوم
تحت الحصار، وخلف المعابر المغلقة، وفي ورشٍ يتقاسم فيها المهندسون ما تبقَّى من أنابيب وسماد زراعي وخردة معدنية، وُلد صاروخ القسام. بدائي، وغير دقيق، ومداه في أولى نسخه لا يتجاوز بضعة كيلومترات، لكن الرجل الذي صنعه لم يكن يحلم بضرب قاعدة عسكرية بمقدار ما كان يقول شيئاً واحداً فحسب: نحن هنا، ونستطيع أن نصل.
ومن ذلك الصاروخ البدائي المصنوع من بقايا مواسير الحديد، إلى الصواريخ التي حلم بها وطوَّرها، وهو يناور الطائرات، أبو الصواريخ الفلسطينية، البروفيسور جمال الزبدة، وصلت صواريخ غزة إلى تل أبيب وأبعد. كانت غزة تكتب، ببطءٍ وتحت القصف، مساراً هندسياً لا يصدقه العقل، إنه مسار يقول إن الحصار لا يوقف الفكرة، وإن القصف لا يقتل المعادلة.
المعادلة: “مليار دولار في ليلة واحدة”
لكي نفهم لماذا يُقلق الصاروخ البسيط الجنرالات في واشنطن وتل أبيب أكثر مما يُقلقهم أحياناً جيشٌ بأكمله، عليك أن تنظر إلى الأرقام على أنها فلسفة كاملة تعيد تعريف معنى القوة في الحروب الحديثة.
في ليلة الثالث عشر من نيسان/ أبريل 2024، أطلقت إيران نحو 300 صاروخ ومسيَّرة على “إسرائيل”، في أول هجوم مباشر من أراضيها. أُسقطت الغالبية، وسارع الجانبان الأميركي والإسرائيلي إلى إعلان “انتصار دفاعي ساحق”.
بدا المشهد محسوماً كما اعتادت الرواية الرسمية أن تُقدِّمه، لكن في اليوم التالي، حين بدأ المحللون يجمعون الفاتورة، ظهر رقم لم يكن مرغوباً في تداوله بصوت عالٍ، إذ كلف الدفاع في تلك الليلة وحدها نحو مليار دولار. في المقابل، لم تتجاوز تكلفة ما أُطلق جزءاً يسيراً من هذا الرقم. هنا تتكشف القصة الحقيقية، إذ لا تتعلق المسألة بنتيجة ضربة، بل بمنطق الحرب الذي يُدار بالحسابات.
يقوم هذا المنطق على معادلة بسيطة وقاسية في آنٍ واحد: الصاروخ الاعتراضي من منظومة “آرو – 3” الدفاعية يكلّف ما بين مليونين وثلاثة ملايين دولار، وصاروخ “باتريوت” يتراوح بين مليون ومليوني دولار، بينما يُقدَّر ثمن الصاروخ الباليستي الإيراني متوسط المدى بعشرات الآلاف فقط، وقد يصل في بعض الحالات إلى 200 ألف دولار.
اقرؤوا المزيد: هل “اسرائيل” هي من طلبت إيقاف الحرب مع إيران؟
الفرق هنا ليس تقنياً، بل اقتصادي استراتيجي، إذ يستدعي كل صاروخ رخيص يُطلَق رداً أغلى منه بعشرات المرات، ومع تكرار هذه العملية مئات المرات في ليلة واحدة يتحول ما يُوصف بـ “النصر الدفاعي” إلى استنزاف صامت، لا تلتقطه الكاميرات ولا يُعلَن في البيانات الرسمية.
في الأدبيات الاقتصادية يُعرف هذا النمط باسم “استراتيجية فرض التكلفة”، أي دفع الخصم إلى إنفاق موارد أكبر بكثير مما ينفقه الطرف الآخر. وأما في الميدان، فيُختصر الأمر بجملة أبسط وأشد قسوة: اجعله يُنفق حتى يتعب.
لا تظل هذه الفكرة نظرية حين ننظر إلى ما جرى في مضيق باب المندب. فمنذ أواخر العام 2023، بدأ “أنصار الله” في اليمن إسنادهم لغزة باستهداف السفن التجارية في البحر الأحمر باستخدام صواريخ وطائرات مسيَّرة، في بيئة تعاني أصلاً واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم. لم يكن هناك أسطول بحري متكامل، ولا قدرات تقليدية كبرى، بل إنها مجرد أدوات محدودة وُظِّفت بذكاء.
تجاوزت النتيجة كل التوقعات، وأعلنت شركات الشحن العالمية الكبرى، مثل “ميرسك” و”أم أس سي” تحويل مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر، لتدور حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا. آلاف الكيلومترات الإضافية، وتكاليف تضاعفت، وسلاسل توريد عالمية تعرضت للاهتزاز، في المقابل، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا بمدمرات وحاملات طائرات، ونفذتا ضربات مكثفة، وأنفقتا في أسابيع ما يفوق بكثير ما أنفقه الطرف الآخر في خلال أشهر.
يتجاوز المشهدُ هنا تكتيكاً عسكرياً إلى تحوُّل في طبيعة القوة نفسها، فمجموعة مقاتلين في بيئة محاصرة تستطيع أن تربك حركةَ التجارة العالمية، لا لأنها الأقوى، بل لأنها تفهم كيف تُحوِّل ضعفَها إلى أداة ضغط.
اقرؤوا المزيد: مضيق هرمز.. عنق زجاجة العالم
ومع ذلك، ثمة بعد آخر لا يمكن قياسه بالأرقام، فحين تدوي صافرات الإنذار في مدينة كاملة، وتفرغ الشوارع، ويتجه المستوطنون إلى الملاجئ، وتتوقف المطارات وتُلغى الرحلات، فإن الخسارة تتجاوز الجانب العسكري. وهذا اختراق مباشر لفكرة الأمن التي تقوم عليها الدولة نفسها، ذلك الكيان الذي يَعِدُ مستوطنيه بالحماية ثم يدفعهم تحت الأرض، يواجِه تكلفة سياسية ونفسية لا تستطيع أي منظومة دفاعية تعويضها.
هذا الإدراك ليس غائباً عن الفاعلين في هذا الصراع، إذ تدركه “إسرائيل” جيداً، كما يدركه خصومها، ولذلك بُنيَت أجزاء كبيرة من العقيدة الصاروخية في إيران ولبنان وغزة على هذا الفهم تحديداً، فالصاروخ لا يحتاج دائماً إلى إصابة هدفه، بل يكفي أحياناً أن يُطلق ليُنتج أثره.
وفي الحروب التقليدية ينتصر من يملك أكثر، أما في هذا النمط من الحروب، فإن من يملك أكثر يصبح عرضةً للنزف أكثر. وعلى الرغم من أن التفوق التقني لا يختفي، فإنه يتحول تدريجياً إلى عبء مكلف يفرض على صاحبه أن يدفع أثماناً مضاعفة مع كل جولة.
هذه هي المعادلة التي سعى المخططون في طهران وجنوب لبنان وصنعاء وغزة إلى تثبيتها، لا عبر البيانات أو النظريات، بل عبر فاتورة تُدفع بصمتٍ ليلةً بعد أخرى.
ليلة غيَّرت قواعدَ اللعبة
في تاريخ هذا الصراع ثمة لحظات بعينها أثبتت أن المعادلة التي رسمناها في المحور السابق ليست نظريةً، بل إنها تحدث، وتحدث أمام العالَم.
المشهد الأول: البحر يرد (2006)
كانت الحرب في أسبوعها الأول، الاحتلال الإسرائيلي يضرب لبنان براً وجواً وبحراً، وسفينة حربية من طراز “ساعر 5″، وهي واحدة من أحدث السفن في الأسطول الإسرائيلي، ترابط قبالة الشاطئ اللبناني، تفرض حصاراً بحرياً وتوفر دعماً ناريّاً، لم يكن أحد على متنها يتوقع ما جاء بعد ذلك.
صاروخ مضاد للسفن من طراز “سي – 802” صيني الأصل إيراني التطوير، خرج من الشاطئ اللبناني وأصاب السفينة مباشرة، والنتيجة: أربعة قتلى، والسفينة تشتعل وتنسحب. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الإصابة، بل في السؤال الذي طرحه الضباط الإسرائيليون في اليوم التالي: من أين جاء هذا الصاروخ؟
البحرية الإسرائيلية لم تكن تعلم أن حزب الله يملك صواريخ بحرية، لم يكن هذا في تقديرات الاستخبارات، ولا في سيناريوهات الحرب، في تلك اللحظة، لم تكن “إسرائيل” تتعامل مع ضربة عسكرية فقط، إنه اكتشاف مقلق أن خصمها يملك قدرات لا تعرفها، وأن ما لا تعرفه قد يكون أخطر مما تعرف.
المشهد الثاني: الليلة التي توقَّف فيها العالَم (نيسان/ أبريل 2024)
تقترب الساعة في المنطقة من منتصف الليل، أغلق الأردن مجاله الجوي، والسعودية كذلك، وتوقَّف الطيران المدني في المنطقة كلها أو حُوِّل، وفي قواعد عسكرية أميركية، من العراق إلى الخليج، كانت غرف العمليات تعمل بأقصى طاقتها.
اقرؤوا المزيد: كيف تعرّي الحرب ملاجئ “إسرائيل”؟
أطلقت إيران ما يزيد على 300 صاروخ ومسيَّرة، للمرة الأولى في التاريخ، كانت دولة تهاجم “إسرائيل” هجوماً مباشراً من أراضيها، وكان ما جرى في الساعات التالية أشبه بتمرين عملاق بكل معنى الكلمة، إذ كانت منظومات اعتراض أميركية وإسرائيلية وبريطانية ومن حلفائها العرب تعمل معاً، أُسقطت مئات الصواريخ، وحين أشرقت الشمس أعلن الجيش الإسرائيلي أن الهجوم أُحبط بنسبة 99%.
لكن في الغرف المغلقة، كان السؤال مختلفاً: بأي ثمن؟ وماذا لو تكرر هذا أسبوعاً بعد أسبوع؟ وماذا لو لم تكن الطائرات الأميركية موجودة تلك الليلة؟ لم يُحقِّق الهجوم اختراقاً عسكريّاً، لكنه أثبت شيئاً آخر: أن إيران قادرة على إشغال كل منظومات الدفاع الإقليمية في ليلة واحدة، وأن تكرار هذا الإشغال كافٍ وحده لاستنزاف ما بُنِي على مدار عقود.
المشهد الثالث: البنية التي لا تموت (اغتيالات 2024)
في أيلول/ سبتمبر 2024، وبينما كانت الحرب على غزة في شهرها الحادي عشر، أعلن الاحتلال الإسرائيلي اغتيال حسن نصر الله في غارة جوية على الضاحية الجنوبية في بيروت. كان اغتياله نقطة تحوُّل، فهو القائد الذي بنى حزب الله على مدار ثلاثة عقود، والرجل الذي يُعدُّ في استراتيجية العدو الخصم الأصعب، أو كما وصفه رئيس وزراء الاحتلال “محور المحور”.
لكن حزب الله لم يتوقف عن إطلاق الصواريخ، فقد قطعت الاغتيالات رؤوساً، لكنها لم تُفكِّك المنظومة، ولم تُسكِت الصواريخ، المنظومة التي بناها حزب الله على مدار ثلاثين سنة لم تكن تعتمد على رجل واحد ولا على مستودع واحد، بل كانت شبكة، موزعة ومتجذرة، صعبة الاستئصال، كجذور شجرة تحت الأرض.
وهذا بالضبط ما يُقلق العقيدة العسكرية الغربية أكثر من أي شيء آخر: لا الصاروخ، بل تلك البنية التي لا تموت.
المشهد الرابع: لم يسقط القطاع
في غرف العمليات الإسرائيلية، كانت ثمة صورة في الأذهان، لم تكن صورة عسكرية بمقدار ما كانت تلفزيونية: نيسان/ أبريل 2003، بغداد، دبابة أميركية في قلب الميدان، وتمثال صدام يسقط أمام الكاميرات، والمقاومة تتبخر، والقيادة تنهار، والمدينة تستسلم.
هذا ما أراد الجيش الإسرائيلي أن يُعيد إنتاجه في غزة، الوصول إلى قلب مدينة غزة، شارع الرشيد، المستشفيات، مجمع الشفاء، ليس هدفاً عسكريّاً بحتاً، بل ضربة للعمق المعنوي في مخيال الفلسطينيين في غزة: حين يصل الجيش إلى المركز، تنهار المعنويات، وتتداعى البنية، ويفقد من تبقَّى سبب الاستمرار. المنطق نفسه الذي أسقط بغداد.
لكن.. غزة لم تكن بغداد.
دخل الجيش الإسرائيلي ووصل إلى ما أراد الوصول إليه، قلَبَ الأحياء، ودمَّرَ الأبراج، وتقدَّمَ في الأنفاق، وفي كل مرة أعلَن فيها السيطرة على منطقة كانت المقاومة تنتظره في المنطقة التالية. لم تكن ثمة خطوط دفاعية كلاسيكية تنكسر حين يتقدم، لكنها خطة دفاعية قائمة على مئات الخلايا القتالية، موزعة ومستقلة، لا تعتمد على مركز قيادة واحد لاتخاذ قرار الاشتباك.
تَعرف كلُّ عقدة قتالية مهمتها، وتَعرف أرضها، وتَعرف أن مهمتها الاستمرار وإيلام العدو في كل لحظة يبقى فيها على هذه الأرض. كمائن في الأزقة الضيقة، وعبوات في الطرق التي يعرفها الجنود الإسرائيليون جيداً، وظهور واختفاء في بيئة حضرية بُنيت على مدار عقود لتكون هي الميدان.
انهارت بغداد لأن عقيدتها القتالية لم تكن صلبة، وقيادتها لم تكن في الميدان، واستمرت غزة لأن قيادتها اختارت، منذ البداية، أن تبنيَ منظومة لا تموت بموت قائد.
اقرؤوا المزيد: الجعبري ومنصور.. سيرة الحجر الذي صار صاروخاً
ثم جاء تشرين الأول/ أكتوبر 2024، في حي تل السلطان برفح، وفي ظروف ما تزال تحمل من الغموض أكثر مما تحمل من اليقين، يرتقي يحيى السنوار شهيداً في اشتباك مسلح مباشر. لم يُقبض عليه في نفق تحت الأرض، ولم يُسلِّم نفسه، بل وُجد في الميدان، بيده سلاح، مشتبكاً حتى اللحظة الأخيرة، يتقدم الصفوف.
احتفل الجيش الإسرائيلي، وأشاد الغرب، وتوقَّع كثيرون ما توقعوه دائماً: حين يسقط الرأس سيتبعه الجسد، لكن الجسد لم يتبعه.
في الأيام التي تلت الاغتيال، لم تتوقف المقاومة، لم تُعلِن وقف إطلاق نار، ولم تطلب تفاوضاً من موقع الانكسار، لم تنتظر الخلايا القتالية التي تعرف مهمتها أمراً جديداً، لأن القرار كان مُدمجاً في بنية المنظومة منذ البداية، قد يرتقي الضيف، ويسبقه عيسى، ويلحقهم السنوار، لكن ما بُني لا يتوقف برحيلهم.
وهنا يكتمل مشهد الميدان بصورته الكاملة، فقد أراد الاحتلال مشهد بغداد: الوصول إلى القلب، وسقوط الرمز، وانهيار المقاومة، لكنه حصل على نصف المشهد: وصل إلى القلب، وأسقط الرموز، لكن النصف الثاني، الانهيار، لم يأتِ، لأن ما بنَتْه غزة على مدار سنوات لم يكن هرماً يسقط حين يُقطع رأسه، بل شبكة، كالجذور تحت الأرض، بنية دفاعية صُمِّمت منذ البداية على سؤال واحد: ما الذي يحدث حين يأتي مَن هو أقوى منا؟ وكان الجواب: نجعل الدخول لا ينتهي.
الخيط الذي يجمع المشاهد الأربعة واضح: البحر الذي ردّ في 2006 بصاروخ لم يكن في خرائط الاستخبارات، والسماء التي استُنزفت في ليلة نيسان/ أبريل 2024 بتكلفة لم يتوقعها أحد، والقيادة التي اغتيلت ولم تُسكِت المنظومة في لبنان، والقطاع الذي دخلوا قلبه ولم يسقط، كلها تروي قصة واحدة: في كل مرة اعتقد الطرف الأقوى أنه رسم الخريطة الكاملة لما يملكه خصمه، ظهر شيء لم يكن في الخريطة.
التفوق التقني يرى ما يعرفه، أما الاستراتيجية المقاوِمة فبنَتْ قوتها تحديداً على ما لا يُرى.
قبل أن يكون ثمة صاروخ، كانت هناك ورقة
في منزل متواضع في مخيم جباليا، جلس رجلان أمام مخطط مرسوم، أحلام أكبر مما تتسع له الورقة. تيتو مسعود ونضال فرحات لم يكونا يملكانِ مصنعاً، ولا ميزانية، ولا دعم دولة، بل فكرة، وإصراراً، وسؤالاً واحداً: هل يمكن أن نصنع هذا؟
حين انتهيا من المخطط الأول لم يحتفلا طويلاً، لأن ما كان ينتظرهما أصعب من الرسم نفسه، وهو التنفيذ. خرجا يجوبان حارات الشجاعية بحثاً عن مخرطة حداد، لا مختبر ولا مصنع، إنها تلك الآلة المتواضعة التي يُعاد فيها تشكيل المعدن، ويعرفها أي حداد في سوق شعبي، أرادا منها أن تصنع البدن الأول لصاروخ سيغيِّر المعادلة، دون أن يدركا بعد حجم هذا التغيير.
بدأ الحديث عن المشروع يتسرب، كما تتسرب الأسرار في الأماكن الضيقة، حتى وصل إلى آذان ضباط الشاباك في غلاف غزة، جاء الرد مختصراً ومطمئناً: “أي صاروخ ستصنعه غزة؟ لن يكون سوى ألعاب نارية”، لم يكن ذلك الضابط يكذب بالضرورة، بل كان يقيس بما يعرفه: غزة محاصرة، ومعزولة، وتفتقر إلى أبسط مقومات الصناعة العسكرية، كان يقيس بمنطق الإمكانات، ولم يقِسها بمنطق الإرادة، وهنا تحديداً يكمن الخطأ الذي يرتكبه العقل التقني حين يواجه خصماً لا يلعب بالقواعد نفسها.
خرج الصاروخ الأول، بدائياً، وغير دقيق، ومحدود المدى، وربما قريباً من الوصف الذي أُطلق عليه، لكنه خرج، ومع خروجه بدأت الرحلة، نسخة تتبع أخرى، ومدى يتسع، ودقة ترتفع، وعقول تتعلم من كل إخفاق كيف تصنع ما يليه، وعلى مدار سنوات، خلف الحصار وتحت القصف، وفي ورش تفتقر إلى الكهرباء المستقرة والمعادن المستوردة، كانت غزة تبني بصمت ما لم يكن في الحسبان، تلاحق الفكرةَ في كل تفصيلة، وتعيد تشكيلَ ما يقع في يدها، وتؤمن بأن التراكم وحده يصنع النتيجة.
اقرؤوا المزيد: السابقون السابقون.. عن الأوائل من كلّ فعل
في فجر السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كان الشهيد أيمن صيام يدير إطلاق آلاف الصواريخ التي شكَّلت الغطاء الناري ليوم العبور، لتشتعل السماء بصواريخ وُلدت في مخرطة حداد في حارات الشجاعية.
تلك الإرادة المجبولة بالحصار والدم والتصميم هي التي دفعت التجربة إلى ما بعدها، فظهرت صواريخ تهز منظومات الدفاع الجوي، وأخرى تصل إلى عمق لم يكن في الحساب، وتجارب تمتد من غزة إلى جنوب لبنان وصولاً إلى اليمن، حيث أُعيد تعريف حدود الممكن في مواجهة منظومات دفاع أنفقت عليها مليارات الدولارات.
من مخرطة في حارة الشجاعية إلى صواريخ تتجاوز أكثر منظومات الدفاع تطوراً، لم تكن القفزة في التكنولوجيا بل في الاستمرار. فلم تتوقف الإرادة التي صنعت النموذج الأول، بل تعثرت وتعلمت، وأعادت المحاولة وطوَّرت أدواتها، حتى صار كل صاروخ يُسقَطُ درساً لصنعِ ما هو أصعب على الإسقاط.
في البداية، قلت إن هذا مقالٌ عن الصاروخ، لا كقطعة حديد وبارود، بل كفكرة. وفي النهاية، يمكن القول بتعبير أدق إنه مقالٌ عن الإرادة حين تجد لها شكلاً من حديد وبارود، ومخطط رُسم على ورقة في مخيم محاصَر. يعلن هذا الشكل حضوره حين يخرج من تحت الأرض ويشق السماء، ويفرض كذلك حقيقةَ وجوده.
ويكمن في هذه الحقيقة جوهر القصة كلها، لم تنتهِ الحرب، ولم تُحسَم المعادلة، لكن ما ثبت حتى الآن أن الصاروخ الذي وُلد من المستحيل ترك أثراً لا يمكن محوه: حين تتحول الإرادة إلى فعل مستمر، تجد طريقها إلى السماء.

