22 مايو 2019

“صراع العروش”

نزعُ السحرِ عن الملحمة

نزعُ السحرِ عن الملحمة

انتهى مسلسل “صراع العروش” أهمّ ملحمة فانتازيّة في عصرنا. هذا جيّد، كانت ستكون كارثةً لو استمر أكثر، وهو شيء حزينٌ أيضاً، إذ يُشبه الأمر مشاعرنا تجاه القتل الرحيم.  اجتاح غضبٌ عارمٌ قطاعاتٍ واسعةً من متابعي المسلسل، وصل حدّ توقيع عريضة (مليون ونصف وقعوا حتى الآن) لإعادة إنتاج الموسم الأخير، وعاقبته تقييمات موقع Imdb بطريقة مُهينة، خصوصاً الحلقة الأخيرة التي حصلت على تقييم 4.41. لماذا كلّ هذا الغضب؟ هل يتعلق الأمر بـ”استياء لم ينشأ عن سوء النهاية، بقدر ما نشأ عن حقيقة وجود نهاية؟”، حسب تعبير ستيفن كينغ.

كان يمكن أن يكون ذلك صحيحاً، إن لم نستطع أن نبرهن على أن نهايات الملحمة لم تكن في الموسم الثامن، بل أُلقيت بذورها في الموسم السادس، وأن كل نموٍ بعدها جاء مُراكمةً على شكلِ كتابةٍ لا يمتّ بصلة للعالم الذي استلمه، وكشف عن نفسه بوضوح في الموسمين الأخيرين.

■ ■ ■

بعد نهاية الموسم الخامس، استلم المُنتِجَان ديفيد بينيوف ودانيال ويس المهمّة بعد جورج مارتن (كاتب الرواية التي اقتُبِسَ منها المسلسل). بعدها، جلس مارتن يُراقب الوضع من بعيد، كإله الفلسفة؛ يخلقُ الخلقَ، ثمّ لا يعود بعدها مسؤولاً عن استمراره. كان على المُنتجَين التعامل مع عالمٍ على درجة من التعقيد، لا يمكن وصفها سوى أنّها العالمُ نفسه وهو لم يتخلّ عن سحره بعد. عالمٌ مليئ بمزيج من الرؤى والأساطير والرعب، الذي لا يتبدّى إلّا على شكل روعة مهيبة؛ الدهشة أمامه تكمن في العجز عن لملمته.

ملحمةُ مارتن مكتوبةٌ بالإبرة والدم، تنسجُ بنفسها خيوطَ مجدها على جلدها. لذلك، كان سهلاً عليها التخلص من شخصياتها؛ لأنها وفيّة لنفسها. كانت ملحمةً عصيّة على البلع متشعّبة وضخمة، ولذلك جرى تشذيبها، وقصّها، حتى يسهل هضمها.

كان ديفيد ودانيال يحاولان إنقاذ نفسيهما داخل عالم مارتن،  فنزَعا السّحر عنه. عبّدا الغابة بالشوارع، ووضعا إشاراتِ إرشادٍ في الصحراء، فأضاء كلّه دفعة واحدة، لتبدو شخصياته بلا ظلال، ومصائره بلا حاجة، ومسافاته تُقطع بالمونتاج لا بالحكايا. أما عالم ما خلف الجدار، فنُزعت مهابته في المعركة المضحكة التي تورّط فيها جون سنو أول مرّة. لذلك، أصبح “الأموات”، مع وصول المسلسل إلى معركة “الليل الطويل”، مُطابقين تماماً لفكرتنا التقليدية عن الـ”زومبي”، وسُلب الأموات من أيّ قصّة تخصّهم. صحيحٌ أنهم “شرّ مطلق”، لكن ألا ترغبون، بعد قدوم يأجوج ومأجوج (بالذات بعد أن يلتهموا معظمنا)، أن تسمعوا قصّتهم؟

بدأ ديفيد ودانيال باختصار المسافات بين المُدن، ومدّا قطارات سريعة بينها. احسبوا المدة التي كان تحتاجها الشخصيات للسفر من الشمال إلى كينغزلانديغ أو العكس؟ كانت حلقاتٍ وحلقات تُصرفُ في الطرق. في الموسمين الأخيرين، بدا كما لو أن الكلّ يتنقّلون باستخدام Uber. تخيّلوا كمّ المتعة الذي ضاع، لو أن آريا ستارك وذي هاوند (ساندور كليغين) ارتحلا في طريق مارتن. كان يُمكن لهذه الرحلة، في الموسم الأخير، أن تكون أعظم رحلة على الإطلاق.

ما الذي صنعه ديفيد ودانيال بملحمة “صراع العروش” بعد مارتن؟ كانا علمانيين بكفاءة، فيما كان مارتن وثنياً “ابن حرام”.

■ ■ ■

لم تكن المشكلة في النهاية، أن يتولّى بران حكم الممالك الستّة، أن يذوب العرش الحديدي ليصبح كرسياً متحركاً، هو شكل من السلطة يليق بعالم جديد. كانت المصائر في الحلقة الأخيرة معقولةً، فيما كانت مشكلتها كامنة في أنّها فاقدةٌ للصيرورة الضرورية لجعل ذلك ممكناً، كما لو أنك تعرف نهاية جيدة، لكنك غير قادر على الوصول إليها بطريقة لائقة.

فَقَدَ بران، منذ موسمين، كل علاقته بعالمه الفاتنازي؛ العالم الذي يخصّه بالذات، وأطلّ بحواراتٍ شاحبة تدّعي الحكمة (حُوّلَ إلى بوذيٍ أميركي أقرَبَ إلى أوشو منه إلى لاو تزو)، قبل أن يقفز إلينا، فجأةً في النهاية، كحلٍ لمشكلة السلطة التي جرت حولها الملحمة كلّها. لم يفهم كُتّاب السيناريو ماذا عليهم أن يفعلوا بفتىً تقوم تجربته الأساسية على كونه “الغراب ذو الأعين الثلاث”؟ بدا لهم كمكتبةِ تقاليد، أكثر منه شخصاً قادراً على رؤية الماضي الضروري لاشتقاق العالم الجديد. ارتباكُ الكتّاب الأكبر كان أمام هذه الشخصية بالذات. شخصيةٌ بناها مارتن لتكون على اتصال بعوالم فانتازية غنيّة، وكانت مفاتيح تشغيلها معه وحده. ولأن بران كان الأقل دُنيوية من كل الشخصيات، فقد كان الأكثر عرضة لأن تلحق المهانةُ بتكوين شخصيته أكثر من غيره.

تخلّص المنتجان من مقاتلي آلهة النور، بيريك دونداريون، مثلاً، الذي قُتِل وهو يحاول حماية آريا، مقدماً لها نوعاً من الحماية لم تحتجه بالفعل. فيما لعبت الساحرة “المرأة الحمراء” دور “الولاعة” في الحلقة الأخيرة! وضعا أتباع آلهة النور خارج التاريخ، وقذفا بهم في لحظات النهايات كحلول تقنية أكثر منها عوالم سحرية. سحبا كلّ حقٍّ لهذه العوالم في أن تتطوّر وتغذّي عالم الحقائق، والأهم أن تشوّش عليها. بنفس الطريقة. لم يفهما المهارات ذات الطابع السحري؛ إذ ليست المشكلة في أن تقتل آريا “ملك الليل”، بل في أن لا تستثمر ما تعلّمته: تغيير الوجوه، في تحقيق المهمّة النهائية، التي كان كل شيء يحدثُ، منذ بداية المسلسل، لـ”خاطر” إتمامها.

■ ■ ■

سيطرَ المنتجان على الموت وصار في خدمتهما، بينما كان الموت في ملحمة مارتن مُنفلتاً من عِقاله، يتحرّك دون منطقٍ محسوب، أو لنقل: لا يُفهم إلّا بطريقة ارتجاعية، تماماً مثلما هو الموت في اليوميّ. كان موتاً حقيقياً. كان الموت عند مارتن يتحركُ داخل الشخصية كمُمكنٍ جاهز في أي لحظة للانفجار، لكنه في الكتابة الثانية أصبح خارج الشخصيات، وغدا مكتوباً على خط الزمن، ينتظرها أكثر ممّا يُساكنها ويسكنها. حرّك المُنتجان الشخصيات وفق قوانين نيوتن للحركة، بعدما كانت تتحرّك وفق “أثر الفراشة”.

لذلك أيضاً، بدا إحراق كينغزلاندينغ محض نزوعٍ لامرأة عُصابية تستند إلى سجلّ وراثي مجنون. أمرٌ جعل هذا الجنون غير مُبرّرِ الحدوث؛ كأن حرقها للمدينة مسألةٌ هرمونية أكثر من كونها رؤيةً ثورية عنيفة، تسلبُ الحقّ في الحياة من الذين لم يثابروا على تحرير أنفسهم. لم يكن إحراق سُكان كينغزلاندينغ انتقاماً نسائياً من سيرسي، بقدر ما كان انتقاماً من الشعب الذي لم يُبدِ أيّ اهتمامٍ بتحرّره. صحيحٌ أن هذا يسمى جنوناً في النهاية، لكنه جنونٌ له قصّته في المحصّلة.

بات شعبٌ كامل، من العبيد والمخصيين المُحرَّيين حديثاً على يد أم التنانين، خارجَ الحكاية بشكلٍ كلّي؛ هؤلاء أيضاً فقدوا حكايتهم نتيجة عدم فهم شخصية دينيرس، باتوا قوارض تاريخية، وأثاثاً للمشاهد التي تظهر فيها أم التنانين، كما التنانين تماماً، وغادروا دون أن يفرضوا أي شرط سوى نفي أسير! كأن المسألة المتصلة باتباعهم لأم التنانين ومشروع تحرير العبيد وتحطيم امتيازات السادة لم تكن شيئاً يذكر. فحين اجتمع السادة في آخر الحلقة الأخيرة، ليعيدوا إنتاج النظام القديم بسلاسة مُفرطة، وقد انقادوا بما يشكّلون من قوة مهيبة للنوع “الأرقى منها”، رحل العبيد دون أن يشترطوا عليهم ألّا يستعبدوهم مجدداً. لذلك، لم يُحرق العرش تماماً كما يليق به، إلا على مستوى بصري، ولم تحمل النهاية مفهوماً جديداً للسلطة قادراً على استثمار طاقة العرش ككرسي متحرك. لقد أعاد العالم الجديد إنتاج نفسه بين سادة الممالك الستة، مع شمالٍ يَعافُ الولاء للمركز.

■ ■ ■

مارست دينيرس حُبّها بلا عمق، كما مارست جنونها على السطح. كان من الطبيعي أن تقعَ في حبّ جون سنو، وهو بدوره كمتلقٍّ سلبي للأفعال كان سيُحبّها بالضرورة. يوافق التحليل النفسي على هذه العلاقة، لكن لنُقارنها بشخصية إيغريت (التي غادرت الحياة في مطلع الموسم الرابع)، ومع الفارق بين الشخصيتين، ومع كمّ التشابه أيضاً، إلّا أنّ المهم هو ما خسرناه في تكوين “عالمٍ يخصّ الحب”، وهو ما يصفه مارسيل بروست بدقة: “أنا لا أرغب في امرأة، بل أرغب أيضاً في منظر طبيعي تنطوي عليه هذه المرأة”.

لم تكن العلاقة التي جمعت بين جون ودينيرس، تنطوي الشخصيات داخلها على منظر طبيعي. كانت مقحمةً دون “تجميعيّات” حولها وتخصّها، ودون شبكة ذكية من المواقف ترتخي عليها العواطف والجنس. كانت محضَ علاقةٍ مُفردة، تدور حول الأخلاق، وتمرّ من خلال السلطة بشكلٍ مبتذل. لو لم يخرج جون سنو من علاقته مع إيغريت سوى بقولها: You know nothing, Jon Snow وهي تنطوي كامرأة داخل مشهد الكهف، لكفاه للتذكّر. لكن، ما الذي سيتذكّره من دينيرس؟ الرحلات الرومانسية على ظهر التنين؟ أم الحوارات السطحية من نوع: “أنت ملكتي” و”لكنك الوريث الشرعي”؟

لعلّ الشخصية الأكثر حظاً في النجاة من التشويه الذي مسّ باقي الشخصيات كلها كانت: جون سنو؛ لأنه الأبسط. إنّه الشخصية الوحيدة التي لم تمرّ بصيرورة. لم يتعلم شيئاً، (حتى عند مارتن لم يتعلم شيئاً). كان يقع في نفس الأخطاء، ويكرّرها في كل موسم. كانت معاركه محضَ ورطاتٍ مُصمّمة لينقذه منها الآخرون. إنه تجسيدٌ للواجب اتجاه الخير، دون امتلاك أدنى فكرة عن الطريق الموصلة بينهما. ظلّ سنو، حتى آخر لحظة، وفياً لمعضلاته الأخلاقية دون أن يطوّر منها شيئاً. كان من المنطقي جداً أن يعود إلى “حراسة الليل”. إلى ما خلف الجدار.

■ ■ ■

في النهاية، لم تعد “الصيرورةُ” الزمنَ الذي تتحرّك فيه الشخصيات، بل الزمنَ الإنتاجي الرابض فوقها، والذي يخنقها بضرورات الاختصار، وضرورة الانتهاء من القصة التي وجد المنتجون أنفسهم متورطين فيها، بعد أن تكاسل مارتن، عن خبثٍ ربّما، ليُجبرنا على قراءة الرواية، ويُعيد بذلك بعثَ شخصيّة “ليتل فينغر” بحركةٍ خبيثة.


  1. حصل على تقييم 67٪ في موقع Rotten Tomatoes، بينما لم ينزل موسم سابق عن حاجز الـ90٪