22 سبتمبر 2019

بنوك تزدهر، اقتصاد يتحطّم

بنوك تزدهر، اقتصاد يتحطّم

في شهر مارس/ آذار الماضي انعقدت في الأردن الدورةُ الثالثةُ من مؤتمر “واقع القطاع المصرفي الفلسطيني في محيطه العربيّ” الذي نظّمته سلطة النقد الفلسطينيّة والبنك المركزيّ الأردنيّ. حملت هذه الدورة عنوان “ابتكارات التكنولوجيا الماليّة ومستقبل الخدمات المصرفيّة”. 

وفقاً لعزّام الشوّا، محافظ سلطة النقد الفلسطينيّة، فإنّ المؤتمر “يأتي ليركّز على التحديات التي تواجه مُقدِمي الخدمات الماليّة في ظلّ التسارع الكبير في مجال التكنولوجيا والابتكارات المالية،.. وتحديد الخطوات اللازمة لاستثمار واستخدام التكنولوجيا في الخدمات المالية والمصرفية”. أضاف الشوّا أنّ المؤتمر يسعى “لتأسيس شراكة.. بين سلطة النقد الفلسطينيّة والقطاع الماليّ وقطاع تكنولوجيا المعلومات للمساهمة في مواكبة التطورات المالية العالميّة وتسهيل اندماج القطاع الماليّ الفلسطينيّ في نظيره العالميّ”.

يصلح هذا المؤتمر كمثالٍ يُوَضِّحُ طبيعةَ نظرة السّلطة الفلسطينيّة ومؤسساتها المختلفة للقطاع المصرفيّ “وللاقتصاد الفلسطيني” بشكلٍ عامّ. ففي الوقت الذي أصبحت فيه السّلطةُ الفلسطينيّةُ على حافة الانهيار الاقتصاديّ، يهربُ “صانعُ القرار” الاقتصاديّ في السّلطة الفلسطينيّة من مواجهة جوهر الأزمة؛ تردّي الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة، والنسب المتصاعدة للفقر والبطالة، ودوّامة القروض الاستهلاكيّة والشيكات المردودة التي تكشف بوضوح عمق المشاكل الاقتصاديّة، وينشغل في تطوير الخدمات الرقميّة والتكنولوجيّة المصرفيّة ومواكبة “النظير العالميّ”. كلّ ذلك دون التعامل بجديّة مع الاستثناء الفلسطينيّ الذي يفرضه الاحتلال، مع تجاهل مهمّة مواجهة المرض بدل أعراضه، والأهمّ مهمة التفكير بأسس اقتصادٍ يخدم التحرّر الفلسطينيّ.

ليست المشكلة في استخدام التكنولوجيا الماليّة بحدّ ذاته، قدر ما يتعلق الأمرُ بخصوصية الحالة الفلسطينيّة وطبيعة النشاط الاقتصاديّ القائم، إذ ستنحصر مساهمة الخدمات المصرفيّة الإلكترونيّة في تسهيل الاستهلاك وتعزيز أنماطه القائمة، ولن يستفيد الفلسطينيون استفادة حقيقية من هذا التطور. كما أنّه من غير المفهوم تكرار المسؤولين الاقتصاديّين في السّلطة إعلان حرصهم على مزيدٍ من الاندماج في النظام الماليّ العالميّ بدل الحديث عن تحقيق الاستقلالية والاكتفاء الذاتيّ، كأنّ الفلسطينيّين بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التكبيل وقيود الهيمنة الاقتصاديّة.

بما يشبه الحيلة الطفوليّة بإغماض العين عن الأزمة علّها تختفي تحاول السّلطة الفلسطينيّة إدارة ما يُسمّى “الاقتصاد الفلسطينيّ” بمعزل عن وجود الاحتلال وتأثيراته. عبر سنوات طويلة، تروّج السّلطة لإمكانيّة تحقيق رفاهٍ اقتصاديٍّ وإرساء أسسٍ لاقتصادٍ فلسطينيّ. بينما في الحقيقة لا يزداد هذا الاقتصاد إلّا ارتباطاً وخضوعاً لاقتصاد الاحتلال كلّما ادّعى منه تحرّراً؛ فهو اقتصاد قائمٌ بالدرجة الأولى على الريع السياسيّ المتمثل بالمنح والمساعدات الدوليّة، ومعتمدٌ بدرجة أقلّ على رأس مالٍ فلسطينيٍّ وعربيٍّ تم استقطابه تحت دعاية الفرص الاستثماريّة الواعدة وبناء الاقتصاد والمؤسسات. 

أنتج هذا اقتصاداً استهلاكيّاً ضعيفاً غارقاً في الأزمة. وقد كشف احتجاز أموال المقاصة الفلسطينيّة مؤخراً بشكلٍ جليّ عن ثمن وتبعات الخضوع الاقتصاديّ للاحتلال، وسيطرة “إسرائيل” على مفاصل المال والاقتصاد الفلسطينيّ. أثبتت هذه الأزمة أنّ الهروب من السّياسة لن ينقذ الاقتصاد، كما أنّ التعامي عن وجود الاحتلال لن يجعله يختفي.

عشرون عاماً من العلاقة العكسيّة

خلال الأعوام المنصرمة ومنذ تأسيس السّلطة الفلسطينيّة تغيّرت أعدادُ المصارف العاملة في الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة أكثر من مرة، وذلك وفقاً لعوامل عديدة، من أهمّها إشتراطات وقوانين سلطة النقد الفلسطينيّة. أُغلقت بعض المصارف واندمجت مصارف أخرى، ليستقر عددها اليوم على 14 مصرفاً، منها 7 مصارف محليّة و7 مصارف وافدة (أجنبية).


نمت أرباح المصارف الفلسطينيّة، إذ بلغ حجم موجوداتها 15.5 مليار دولار أميركي مع نهاية عام 2018، وهي زيادة مقدارها 1% عن العام المنصرم. أما التسهيلات الائتمانيّة فبلغت 8.2 مليار دولار، وهي زيادة 4% عن العام السابق. أما على صعيد صافي الأرباح للمصارف الفلسطينيّة فقد بلغ في العام ذاته 178 مليون دولار بزيادة 8% عن العام السابق.

لكنّ دور التمويل البنكيّ في تحقيق النمو الاقتصاديّ لا يقتصر على كم أرباح البنوك، وإنّما يُقاس هذا الدور بالنظر إلى ما حقّقه التمويل من دعم للأنشطة الاقتصاديّة الحقيقيّة، وانعكاس هذا الدعم على نمو أو تراجع هذه الأنشطة. فمن أبرز الدراسات الاقتصاديّة في هذا المجال، مثلاً، البحث الذي أجراه ألكسندر باتلر (Alexander W. Butler) وغيس كورناغيا (Jess Cornaggia) عام 2011، والذي فحص أثر التمويل الخارجيّ على الإنتاجيّة. استندت الدراسة إلى بحثٍ ميدانيّ يبيّن أثر التمويل البنكيّ على قطاع الزراعة، إذ تدل الإحصائيّات على ازدياد مساحات الأرض المزروعة وعلى كمّ المحاصيل في الولايات التي انتشرت فيها البنوك ومؤسسات التمويل، وأتيح فيها للمزارعين الحصول على التمويل اللازم لمشاريعهم، وينسحب هذا النموذج على نشاطات اقتصاديّة أخرى بطبيعة الحال.

إذا حاولنا تطبيق المنظور ذاته على الواقع الفلسطينيّ سنرى أنّه رغم نمو المصارف وزيادة انتشارها وأرباحها، إلا أنّه نموّ معاكس للتدهور الحاصل في هيكل النشاط الاقتصاديّ الفلسطينيّ في فترة حكم السّلطة الفلسطينيّة. نجد أنّه خلال عشرين عاماً من وجود السّلطة الفلسطينيّة (1995-2015)، ووفقاً لمعطيات البنك الدوليّ، تراجعت حصّة الصناعات التحويليّة من الناتج الإجماليّ المحليّ الفلسطينيّ من 19% إلى 11%، كما تراجعت حصّة قطاع الزراعة في الناتج المحليّ من 12% إلى 4%.


في مقابل هذا التدهور في مجال الزراعة وفي مجالات إنتاجيّة عديدة، شهدت الصّناعة المصرفيّة ازدهاراً كبيراً. يكفي أن نشير إلى أن عدد فروع المصارف وآلات الصّراف الآليّ قد ارتفع بشكلٍ كبيرٍ خلال العقد الأخير، كما انتشرت المصارف جغرافيّاً بشكلٍ أوسع في محافظات الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة.

وفي التعليق على هذه المقارنة، لا بدّ من التذكير أنّ أهميّة قطاعات الزراعة والصّناعات التحويليّة في فلسطين لا تقتصر على كونها أنشطةٍ اقتصاديّةٍ حقيقةٍ متعلقة بأهم الأصول المملوكة للفلسطينيّين (أيّ الأرض والطاقات البشريّة)، بل هي أيضاً أنشطة صغيرة أو متناهية الصّغر بالمجمل، تمارسها الفئات الأقلّ ثراءً في المجتمع، وتتركز جغرافيّاً في مناطق الريف الفلسطيني المهدّدة أساساً بالاستيطان، وتعدّ بؤرةً ساخنةً للمقاومة اليوميّة للاستعمار. بالتالي، فإنّ تراجع هذه القطاعات سيؤدي بالضرورة إلى مزيدٍ من البطالة والفقر، وخسارة الناس لأصولهم أو على الأقلّ تعطيل الاستفادة منها، الأمر الذي قد يساهم في انزياح الناس نحو المدن التي تتركز فيها أنشطة القطاع العام وقطاعات الخدمات. 

تمويلٌ للاستهلاك

غالبية التمويل المصرفيّ موّجهٌ بالأساس للقطاعات الاستهلاكيّة، وتكاد القطاعات الإنتاجيّة تغيب عن خارطة استهداف المصارف. هذا هو المعطى الأساسيّ لفهم الدور السلبيّ الذي لعبته سياسات القطاع المصرفيّ، أو على الأقلّ غياب أيّ أجندة للتنمية الاقتصاديّة عن هذه السياسات. يتماشى الأمر بالأساس مع سياسات السّلطة الفلسطينيّة التي ركّزت كلّ جهودها ومقدراتها وما حصلت عليه من تمويل دوليّ لتقديم خدمات القطاع العامّ، بدلاً من دعم قطاعات كالصناعة والزراعة. 

وقد كان القطاع العام طوال العقدين الماضيين قد حقّق أعلى نسب النمو ضمن مختلف قطاعات الاقتصاد الفلسطينيّ، مع ما يحمله هذا التضخم من حمولةٍ سياسيّةٍ تدفع نحو مزيد من دمج الناس ومعيشتهم بالسلطة الفلسطينيّة ومشروعها السياسيّ. هذا يعني رفع كلفة التحرر ويجعل غالبية الفلسطينيّين مكبّلين بقيود السّلطة الفلسطينيّة، لا على المستوى السياسيّ فحسب، بل وعلى مستوى رزقهم ومصادر دخلهم.

وقد أشار العديد من الباحثين الاقتصاديّين إلى إشكالية السّياسات البنكيّة في فلسطين، فلا يقتصر الأمر على خطورة التمويل الاستهلاكيّ من حيث إغراقه للناس في ديون كبيرة لا تدر دخلاً مقابلاً، بل يرى باحثون ومراقبون اقتصاديّون أنّ التمويل البنكي بصورته الحالية يساهم في تقييم الأصول المشتراة (للاستهلاك غالباً) بأعلى من قيمتها الحقيقيّة، وهو الأمر الذي قد يتسبب بأزمات مالية كبيرة. إذ تُباع السّلع والأصول المشتراة بالتمويل البنكيّ بما يفوق قيمتها الحقيقيّة، وذلك تعويضاً للمصرف عن التسديد بالأقساط على شكل فوائد. كذلك يذهب جزء من الزيادة في السّعر لصالح الشّركات البائعة ضمن اتفاقياتها مع المصارف. وبما أنّ هذه الزيادات على الأسعار -فوائد أو هوامش أرباح إضافيّة- مرتبطة أساساً بسلع استهلاكيّة لا تدرّ دخلاً ولا تساهم في أيّ عملية إنتاجيّة، وموّجهة للرفاهية الشخصيّة غالباً، وهي بذلك لا تُشكّل سوى عبءٍ إضافيٍّ على الاقتصاد والنّاس.

نهايةً، من المهم الإشارة إلى أنّ الخلل في السّياسات البنكيّة وأولوياتها لا تتحمل مسؤوليته المصارفُ وحدها، فهي مصارف قائمة ضمن النظام الاقتصاديّ الذي ارتمت السّلطة في أحضانه، وهي في نهاية الأمر مؤسسات ربحيّة هدفها النهائيّ تحقيق الأرباح دون أن تلزم نفسها بخدمة أهداف وسياسات تنمية اقتصاديّة أو مجتمعيّة. 

أمّا هذه الأهداف فهي تقع على عاتق صانع القرار الاقتصاديّ والماليّ في السّلطة، متمثلاّ بسلطة النقد الفلسطينيّة والتي على الرغم من إدراكها الكبير لحجم الخلل في سياسات التمويل والاستثمار التي تنتهجها المصارف إلا أنها تختار دفن رأسها في الرمال، وتبتعد عن أيّ دور مطلوب لخلق الحوافز، أو ممارسة الضغوط على المصارف لتصويب سياساتها بما يخدم النمو المطلوب للاقتصاد في مواجهة سياسات الاحتلال.