30 مايو 2019

انتخابات إسرائيليّة مجدداً

كيف حدث ذلك وما معناه؟

كيف حدث ذلك وما معناه؟

حَلَّ البرلمان الإسرائيليّ نفسه ليلة أمس بعد أقلّ من شهرين على انتخابه وأُقِرَّت إعادةُ الانتخابات في سبتمبر/ أيلول القادم. يأتي ذلك إثر فشل بنيامين نتنياهو (وهو رئيس الحزب الأكبر في نتائج الانتخابات الأخيرة- الليكود) بتشكيل حكومةٍ جديدةٍ ضمن المهلة التي منحها إيّاه رئيس دولة الاحتلال رؤوفين ريفلين.

لكنّ الحقيقة أنّ المهلة لم تكن تعني بشكلٍ أوتوماتيكيٍّ حلَّ البرلمان والعودة للانتخابات. إنما المتعارف عليه في مثل هذه الحالات أن تعود الكرةُ إلى ملعب رئيس الدولة، ليُلقي بالمهمة على الحزب الثاني من حيث القوّة البرلمانيّة، وهو حزب “أزرق أبيض” بقيادة بني غانتس، حتّى يحاول الوصول إلى أغلبيّة وائتلاف حكوميّ ضمن نتائج وخارطة قوى الانتخابات الأخيرة. أمام هذا الخيار، وجد نتنياهو طريقاً وحيداً لحرمان غانتس من فرصة تشكيل الحكومة، أن يسحب البساط من تحت صلاحيّات رئيس الدولة، وأن يصوّت البرلمان على حلّ ذاته ويفرض انتخابات جديدة. كلّ هذا قبل أن ينتصف الليل وتنتهي مهلة تشكيل الحكومة التي أعُطيت له.

أين تعثّرت سندريلا؟

كيف فشل نتنياهو في تشكيل حكومة رغم أنّ أحزاب ما يُسمّى بكتلة “اليمين” وصلت مجتمعةً إلى أغلبيّة 65 مقعداً من أصل 120، ورغم أنّها جميعاً التزمت بدعم حكومة نتنياهو؟ هل نكثت هذه الأحزاب بالتزاماتها؟ لم تفعل، على العكس، آثرت حلّ الكنيست وخوض انتخابات جديدة على أن تمنح فرصة لحكومة برئاسة غانتس. مع هذا، فقد واجهت نتنياهو مشكلة لم يكن قادراً على حلّها رغم المفاوضات التي استمرّت حتّى الدقائق الأخيرة، ورغم كل المناورات والحيل السياسيّة. بعد أن توصّل نتنياهو إلى اتفاقات مبدئيّة مع أحزاب “كتلة اليمين”، بقي أمامه حزب أفيغدور ليبرمان الذي تشكّل قوّته 5 مقاعد من أصل 120، ولا أغلبيّة من دونه.

تحطّم ائتلاف نتنياهو الحكوميّ على صخرة “قانون التجنيد”، وهو القانون الذي ينظّم تجنيد اليهود المتديّنين “الحريديم” في جيش الاحتلال الإسرائيليّ. وهو قانون له تاريخ طويل (نسبةً لعمر هذه البشاعة) يعود إلى القيم الدينيّة لليهود الأرثوذوكسيين ممّن يتلقّون تعليماً في المدارس الدينيّة المسمّاة “يشيفوت”. واحدة من هذه القيم الدينيّة تُسمّى “توراتو أومانوتو”، ومعناها بالعربيّة أنّ “التوراة حِرفتُهُ” – أي أن دارس التوراة معفيّ من أيّ عملٍ أو خدمةٍ أخرى.

منذ تأسيس الدولة الصهيونيّة، تم إعفاء اليهود المتديّنين من الخدمة العسكريّة تحت هذا المسمّى. استمرّ ذلك حتى سنوات السبعينيّات (وتفاقم الحاجة العسكريّة إثر احتلال 1967 طبعاً)، إذ ظهرت حينها نقاشات عديدة من قبل الإسرائيليين العلمانيّين حول ما سمّوه “المساواة بالأعباء”. يدّعي العلمانيون أن شباب اليهود المتديّنين، بحجّة دراسة التوراة، لا يخدمون في الجيش ولا يعملون ولا يدفعون الضرائب، بينما يقومون هم بكلّ هذه الواجبات. مع الوقت، تحوّلت هذه القضيّة إلى إحدى القضايا المركزيّة في الخلافات الجذريّة بين الإسرائيليين العلمانيين والإسرائيليين المتديّنين.

ما الجديد في تكسير الفخار لبعضه؟

عبر عقود، سُنّت سلسلة طويلة من القوانين التي جرى الالتماس ضدّها وإلغاؤها ثم تعديلها مرةً تلو الأخرى، حتّى صارت قضيّة التجنيد عين العاصفة في السياسة الإسرائيليّة الداخليّة. أما الخلاف الأخير فهو كالآتي: عام 2018 صوّتت الـ”كنيست” بالقراءة الأولى على مشروع قانون تجنيد جديد. يهدف هذا القانون الجديد إلى رفعٍ تدريجيّ لأعداد اليهود المتديّنين الخادمين في الجيش؛ أن يُجنّد في أوّل عام 3348 شاباً متديّناً، ويرتفع عدد المجنّدين  تدريجياً ليصل إلى 5737 مجنداً في العام حتّى عام 2027. في حال عدم الوصول إلى هذه الأرقام من المجنّدين، تُفرض على المدارس الدينيّة عقوبات ماديّة تُقلّص وفقها الميزانيّات الحكوميّة لهذه المدارس. عندما طُرح مشروع القانون للقراءة الأولى اعترضت الأحزابُ المتديّنة عليه، لكنّها لم “تفرط اللعبة” نهائيّاً. بدلاً من أن تنسحب من الحكومة وتؤدّي إلى حلّها، اشترطت هذه الأحزاب ألاّ يُسن القانون نهائيّاً، بالقراءة الثانية والثالثة، قبل أن يخضع لتعديلات لصالح المتديّنين. بعدها، توقّفت إجراءات سنّ القانون بسبب الانتخابات الأخيرة التي شهدناها في أبريل/ نيسان الماضي.

في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، اشترطت الأحزاب الدينيّة (وقوّتها 21 مقعداً بما يشمل “الصهيونيّة المتديّنة”) تعديلات على القانون قبل سنّه نهائيّاً. تَطلبُ تلك الأحزاب أن يُعدّل القانون بحيث لا يفصّل نصّ القانون أعداد المجنّدين سنويّاً بدقّة، بل أن يمنح القانون صلاحيّة تحديد هذه الأعداد للحكومة، وهو ما من شأنه أن يسهّل التلاعب بالأعداد وتخفيضها داخل الحكومة دون العودة إلى البرلمان.

من جهته، رفض حزب ليبرمان، والذي يُعتبر أحد الأحزاب الصهيونيّة العلمانيّة، إجراء أي تعديلات على مشروع القانون، وأصرّ على سنّه كما جاء في صيغته الأولى.

لا يُمكن توقّع الانتخابات، أما الأحزاب العربيّة…

إعادة الانتخابات تشكّل ضربةً (وإن محدودة) لـ”إسرائيل”. من جهةٍ فإنّ تكلفة هذه الانتخابات تقارب نصف مليار شيكل، ليس العبء في المبلغ ذاته، بقدر ما هو العبء السياسيّ الذي سينتج عن الأموال التي ستُقتطع من ميزانيّات التعليم والصحّة بهدف سدّ ذلك المبلغ، وهو وضعُ يؤدي غالباً إلى إضرابات خاصةً مع بداية السنة الدراسيّة القادمة. علاوةً على ذلك، فإن إعادة الانتخابات تعني خسائر للاقتصاد الإسرائيليّ تُقدّر بمبلغ 5 مليار شيكل.

كذلك سيؤدي تأجيل الانتخابات إلى تأجيل اختيار قيادات جديدة لجهاز الشرطة ولمصلحة السجون لمدّة عام. كما ستضطر “إسرائيل” إلى تأجيل إقرار مخططات لتطوير بنية جيش الاحتلال، وتأجيل صفقات أسلحة تحتاج لقرار المجلس الوزاريّ المصغّر، أهمّها صفقة شراء طائرات مروحيّة عسكريّة.

لكنّ هذه الانتخابات تعبّر في الوقت ذاته عن لحظة ذروة في مبنى النظام السياسيّ الإسرائيليّ، وأهمه أنّ “كتلة اليمين” الحاكمة تقوم على خلافات جوهريّة غير قابلة للجسر بين تيّارين علمانيّ ومتديّن. يبدو أنّ النظام الانتخابيّ الإسرائيليّ عالقٌ في منطقة رماديّة بين نظام متعدّد الأحزاب ونظام ثنائيّ الأحزاب، وهي ناتجة عن فجوة بين قوانين التصويت الفعليّة من جهة، وبين أنماط التصويت وتصرّفات الناخبين من جهة أخرى.

من العبث توقّع ما ستنتجه الانتخابات القادمة. لكنّ الأكيد أن مسألة الشرخ العلمانيّ/المتديّن ستكون في مركزها، وهي مسألة أساسيّة في فهم تناقضات المجتمع الإسرائيليّ والسياسات الإسرائيليّة، وفهم مكامن الضعف التي من شأنها أن تعطّل ديناميكيّات الحكم هناك.

نهايةً، لا بدّ من قولٍ أخيرٍ حول الأحزاب الفلسطينيّة في الداخل والتي خاضت انتخابات الـ”كنيست”. بعد الانتخابات الأخيرة تعهّدت جميع الأحزاب أن تقوم بمراجعة ذاتها وإصلاح أخطائها، وهي ترى اليوم بأنّ إعادة الانتخابات فرصة لبناء القائمة المشتركة من جديد.

لو كان هذا هو “الإصلاح” الذي تتحدّث عنه الأحزاب، فإنّ الصورة لن تتزحزح عن بؤسها. سنشهد جولةً جديدةً  من استغباء الناس، بل وتصعيداً في الدعوة للتصويت من أجل “إسقاط حكومة نتنياهو”، وإقناع الناس أنّهم كانوا قاب قوسين أو أدنى، وأننا بحاجة إلى “دفشة صغيرة” لإسقاط حكم اليمين.

إضافةً إلى البشاعة السياسيّة التي تُنادي علناً بدعم سفّاح غزّة، مجرم الحرب بيني غانتس، خاصةً بعد التلاقي بين مجرم الحرب وأيمن عودة، ودعوة الأخير ليُلقي كلمةً في مهرجان صهيونيّ للدفاع عن “الديمقراطيّة الإسرائيليّة”، تحت شعار يستحضر أبشع المجازر التي ارتُكبت بحق شعبنا، “السور الواقي”.

هذا كلّه مع الإمعان في الكارثة السياسيّة الحقيقيّة التي يعيشها فلسطينيّو الداخل: إعدام التنظيم الجماهيريّ والعمل الاجتماعيّ ونضالات الناس لصالح العمل البرلمانيّ واستجداء المِنّة بدلاً من انتزاع الحق.