21 يناير 2019

الفلسطيني والعلاج النفسي الإسرائيلي

الفلسطيني والعلاج النفسي الإسرائيلي

أمين: “معنى هذا أنّك يئست مني، أنتَ تتنازل عنّي، ولا تريد أن تكون معالِجي”.
يورام يوفيل: “ما الذي يظهر في داخلك الآن حين تشعر بأنّي يئستُ منكَ وتنازلتُ عنكَ؟”
أمين: “بأنّ أمري لا يهمّك، بأنّك تركتني، كما فعلت أمّي”.

يَظهَرُ هذا الحوار في واحدةٍ من حالات العلاج النفسيّ الموثّقة التي تُدرّس في كليّات علم النفس الإسرائيليّة. يكتب يورام يوفيل Yoram Yovel، وهو على المستوى الشّعبيّ أحد أشهر أطباء ومحلّلي النّفس الإسرائيليّين والباحث في علوم الدماغ، عن حالة علاجيّة، يُطلَق عليها اسم “عدوّ في الغرفة” (2001). أمين خوري (اسم مستعار) هو شاب فلسطينيّ من الناصرة، وبحسب يوفيل فقد حَضَرَ أمين واحدةً من محاضرات يوفيل، واتصل به هاتفياً بعدها، وعبّر عن إعجابه الشّديد بالمحاضرة.

قدّم أمين نفسه كطالبٍ “عربيٍّ” في تخصص علم النّفس، وقال إنّه يطمح أن يصبح المحلل النّفسيّ العربيّ الأول في البلاد. عبّر أمين أيضاً عن رغبته في أن يكون مُعالَجاً لاعتقاده بأنّ يوفيل هو المُعالِج الملائم له. لكن، يقول يوفيل بأنّ المحادثة الهاتفيّة الأولى التي وصفها باللطيفة، وفيها ثناء لشخصه، “لم تجهّزه” لشكل ومضمون الجلسات مع أمين. بحسب يوفيل: “بدأ يتضح بأن أمين يعاني من مشكلة اجتماعيّة بغاية الجديّة، تنّغص عليه وعلى من حوله. مشكلته وليدة سمات وصفات شخصيّة متجذّرة وعميقة”.

بهذه الكلمات يصفُ المعالج النفسيّ الإسرائيليّ أزمةَ أمين: “مشكلته ليست نابعة من كونه الطالب العربيّ الوحيد في صفٍ لليهود. ومع أنّه فضّل وصف مشاكله بأنّها وليدة التّمييز والظّلم، فقد أخذ يتضح لي بأنّ غضبه ومعيقاته الكثيرة جعلوا منه ذئباً وحيداً ساخطاً وسط الطلاب العرب في الحرم الجامعيّ أيضاً (…)، ولكنّي بدلاً من أن أنبش في المشكلة وأتوصل إلى جذورها، وجدتُ نفسي أنجرّ بغير إرادةٍ لمواجهاتٍ عدّة مع أمين الذي قام باستفزازي مراراً”.

هكذا، يستمر أمين “باستفزاز” طبيبه النفسيّ الإسرائيليّ خالقاً “علاقة كراهيّة” من خلال أساليب مختلفة، مثل الوصول المبكّر للموعد، والسّعال القويّ في غرفة الانتظار، والحديث عن “الفلسطينيين والإسرائيليين”، وعدم تطرّقه لمواضيع وشؤون شخصيّة متعلّقة بتقدّمه للعلاج. يذكر يوفيل في توثيق الحالة أقوال أمين على شاكلة: “كم أنتم، اليهود، أذلّاء. لا تصلون مكاتبكم في الوقت المحدّد. ولا عجب أنكم تحاولون بصواريخكم الذكيّة إصابة بيت واحد وينتهي الأمر بتدميركم عشرات البيوت”. يُجيبه المُعالج النفسيّ الإسرائيليّ: “أمين، إنك تخاطبني مجدّداً بصيغة الجمع”.

ذلك كلّه إلى أن “طفح كيل” يوفيل، واقترح على أمين أن ينتقل إلى محللٍ نفسيٍّ آخر، واعترف بأنّه لم يعد يحتمله. وهو ما أدّى إلى الحوار الذي جاء في بداية هذه السّطور. وبنظر يوفيل، أصاب هذا الاقتراح أمين في الصميم، فها هو قد رأى دموعاً لأوّل مرّة منذ أن بدأوا مسيرتهم “العلاجية”.

بعد هذه المحادثة، يعبّر يوفيل عن تعجّبه وعدم فهمه، ويغضب من أمين بسبب لومه لأمّه “المسكينة” وعدم قدرته على اتخاذ أيّة مسؤولية ذاتية. وبعد المحادثة تأتي سلسلة اعترافات يقدّمها أمين، بحسب يوفيل، ويبوح فيها عن حقيقة كونه ابناً متبنّى. وبأن علاقته مع اليهود مركبّة لأنّه يعتقد أنّ أمّه البيولوجية التي تركته كانت يهوديّة- “مثلك يوفيل”. وأنه يعتقد هذا بسبب مظهره و-“قدراته الذهنيّة” المختلفة كليّاً عن العائلة المتبنية. انطلاقاً من هذا البوح، يبدأ ما يصفه المحلل النفسيّ الإسرائيليّ والقراءة الاكاديميّة بأنّه “تقدّمٌ” في السّيرورة العلاجيّة والعلاقة بين الطرفين.

فلسطينيّون في جهاز إسرائيلي

يستخدم الفلسطينيّون داخل الأراضي المحتلّة عام 1948 الخدمات الصحيّة الإسرائيليّة، وضمن ذلك يزداد في السّنوات الأخيرة اللجوء لخدمات الصحّة النفسيّة. والتقدم لتلقّي العلاجات النفسية لم يعد محصوراً في الخدمات التي تقدّمها المرافق العامّة مثل المستشفيات، والعيادات العامّة أو الجامعات، بل يشمل أيضاً العيادات الخاصّة التي تصل رسوم العلاج فيها إلى 500 شيكل (130 دولاراً) للقاء من ساعة واحدة. ولا يقتصر هذا على شرائح عينيّة من المجتمع الفلسطينيّ، بل يزداد الأمر في الانتشار بين جميع الشّرائح الطبقيّة والعمريّة.

تتعدّد الأسباب وتختلف، فهناك من يطلب علاجاً لاضطرابٍ نفسيٍّ مزمنٍ أو غير مزمن، وهُناك من يُجبر على تلقّي العلاج. وتتفاوت حدّة الاضطرابات بين الأشخاص، منها مثلاً اضطرابات عسيرة وحقيقية تسلب الشّخص الذي يعاني منها القدرة على أداء أبسط المهام الحياتيّة. بحسب دراسات وأبحاث أكاديميّة إسرائيليّة، يحتلّ الفلسطينيّون في الأراضي المحتلة النسب الأعلى في الإصابة بحالات الاكتئاب والقلق (Anxieties). كذلك يلجأ للعلاج من يبحثون عن مساعدةٍ في تسوية مشاكل وتحديات في العلاقات الزوجيّة والأسريّة، لا سيما من أمّهات وآباء يحاولون فهم سلوكيّات أولادهم الإشكاليّة وتجاوزها. وهناك من يطرق هذا الباب على إثر اعتداءات جنسيّة، مثل الاغتصاب، أو التحرّشات، أو التعنيف، وصدمات كثيرة أخرى.

لكن السؤال الحقيقيّ المطروح هو إن كان جهاز العلاج النفسيّ الإسرائيليّ (بالإضافة إلى الأكاديميا والمسار التعليميّ التخصصّي) قادر فعلاً على أن يتعامل مع المُعالَج الفلسطينيّ بمعزل عن السّياسة الصّهيونيّة السلطويّة القامعة تجاه الفلسطينيين. يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً وضرورة في علاقة تقوم في جوهرها موازين قوى غير متساوية أصلاً.

عدوّ في الغرفة: كيف يرى الإسرائيليّون العلاقة؟

تكتسب الحالة العلاجيّة “عدوّ في الغرفة” أهميّتها أولاً من كونها تُدرّس في كليّات علم النفس الإسرائيليّة باعتبارها نصّاً لفهم “علاقة علاجيّة” بين محلل\طبيب نفسيّ اسرائيليّ (ويُمكن للمعالِج أن يكون فلسطينياً أيضاً، لكنّه يمارس ما تلقّاه في الأكاديميا الإسرائيليّة) ومعالَج فلسطينيّ، تنشأ بينهما علاقة كراهية وعدائية داخل الغرفة العلاجيّة. وثانياً، لأنّ يورام يوفيل بذاته هو شخصيّة بارزة في الجهاز النفسي الإسرائيليّ؛ يدرّس ويحاضر في عدّة جامعات، وله حضور قويّ في الإعلام الإسرائيليّ ويكتب بشكلٍ ثابتٍ في أكثر المواقع الإسرائيليّة انتشاراً، ويقدّم برنامجاً في التلفزيون الرسميّ الإسرائيليّ يحاور فيه مشاهير إسرائيليين. وقد أشار في إحدى الاحتفاليّات بمناسبة العام السبعين “لاستقلال” دولة الاحتلال أنّه عالج رؤساء وزارات إسرائيليين سابقين.

ان هذه الحالة العلاجيّة وتدريسها يعكسان بصورةٍ صارخةٍ محاولة تطويع الفكر والمعرفة في مجال علم النفس، مثلاً، ليتكيّفا مع الواقع الإسرائيليّ وأيديولوجيّته. وهي محاولة جاهدة قد لا يفلت منها الإنسان الفلسطينيّ، ولا سيما الطلّاب في هذا الحقل: يورام يوفيل مُقتنع تماماً في نقاشه للحالة بأن مشكلة أمين تكمن في تاريخه الشخصيّ، في ديناميكيّات نفسيّة داخليّة وفي أسلوبه بالمبادرة (أو عدمها) بإقامة العلاقات مع الآخرين. قد يكون هذا الادعاء صحيحاً من منظور  نفسانيّ – يمكن التعرف إلى شخصيّات يصعب عليها بشكلٍ خاصٍّ إقامة علاقات اجتماعيّة أو عاطفيّة (قد تنسب صعوبات كهذه لظروف وسياقات متقاطعة)، وقد يكون أمين شخصية كهذه.

لكن ما يهمنا التمعّن فيه هنا هو العلاقة الناشئة بين المعالِج يوفيل والمعالَج أمين. فإن هذه العلاقة بين الطرفين (المعالِج والمعالَج)، بحسب النظريات العلاجيّة وممارستها، ولا سيما العلاجات العلائقية (relational and intersubjective therapies)، التي هي بذاتها السّبيل إلى العلاج والعلاج نفسه. أي أن السيرورة العلاجية تُحدد وتُفهَم وتحُلل بواسطة العلاقة بين الطرفين، وهذه العلاقة الناشئة بين الطرفين تكون مفتاحيّة في فهم وتحليل وتصحيح تجارب نفسيّة إشكالية لدى المعالَج. ويكون ذلك من خلال تقعيد وتأسيس “تحالف علاجيّ” (therapeutic alliance)، والذي يكون بمثابة اتفاقية غير منطوقة بين الطرفين، تصيغ الأهداف العلاجية والأساليب المتّبعة لتحقيقها.

كيف تُعرّف حالة أمين هذه في الأكاديميا الإسرائيليّة؟ تُعتبر مخاطبة أمين لمعالِجه بصيغة الجمع على أنّها تفتعل نوعاً من الإبعاد والمحو، فالمخاطبة بصيغة الجمع تمحو الفرد. هنا، ينكشف التوقّع الضمنيّ في علم النفس الإسرائيليّ، وهو توقّع ينطبق على طلّاب علم النفس أيضاً: أن يضعوا التفكير الجمعيّ جانباً عند ممارسة العلاج، أن يخلعوا عن أنفسهم أيّة هويّة جمعيّة سياسيّة. بكلمات أخرى؛ يحاول العلاج النفسيّ الإسرائيليّ بناء التحالف العلاجيّ بين المحلل النّفسيّ والمعالَج متأسساً على أن العلاقة العلاجيّة وأهدافها والأساليب المتّبعة يجب أن تكون معزولة عن واقعنا الذي يرزح تحت الاستعمار. ولكن هذه الحقيقة تستتر وراء خطاب تأهيلي للمتخصصين في العلاجات النفسيّة يحث المعالجين اعتماد نهج ما يُسمّى “الحساسية الثّقافيّة في الممارسة العلاجيّة”، باعتبار المجتمع الإسرائيليّ مجتمعاً “متعددَ الثقافات والهويّات”، بحيث يتعامل مع الفلسطينيين كمسلمين ومسيحين ودروز أو حتى عرب. ينصّ هذا النهج أيضاً بأنه يجب على المعالج النفسيّ التّحلي بمعرفة معينة حول الثقافات المختلفة في “إسرائيل”، وبِحَسبها يصيغ تدخلاته العلاجيّة. هذه الحساسية المُدّعاة تجاه “الهويات” زائفة لأنها ببساطة مُفرغة من قيمتها السياسية. فالمتخصص والمعالِج غير مُطالب بالالتفات إلى الدور الذي تلعبه دولة الاحتلال في تأثيرها بتكوين نفسيّات الأفراد.  

الإدعاء المركزيّ الذي يُقدَّم في الأكاديميا الإسرائيليّة في قراءتها لحالة أمين هو أن التحالف العلاجيّ لا يُبنى بالحب بين المعالِج والمعالَج فقط (معتمداً أفكاراً نطق بها المحلل النفسيّ البريطانيّ دونالد وينيكوت  Winnicott, D.W.)، إنما يمكن بناء هذا التحالف أيضاً بواسطة الكراهية؛ أيّ من خلال القول إن كراهية أمين ليوفيل ليست كراهية بين عربيٍّ ويهوديّ، إنما هي كراهيّة تُغلّف أشياء أخرى لدى أمين.

هكذا يرى يوفيل نفسه قادراً على أن يتعامل مع أمين: العلاقة القائمة على الكراهيّة دون أن يكون لهذه الكراهيّة بين الطرفين سياق. الكراهيّة باعتبارها عاطفة “تطوّريّة” مثلما يكره القط فأراً يكره العربيّ اليهوديّ – وليس لأسباب سياسيّة واضحة في جوهرها القمع الاستعماريّ.

كذلك تعتبر التحليلات الإسرائيليّة في الأكاديميا أن “قدرة يوفيل” على أن يكره أمين ويعاديه كمحلل نفسيّ هي التي أحدثت التغيير المطلوب في العلاقة، لأنّ أمين شخصيّة تشعر بحاجةٍ لصناعة تأثير ما، وأن أمين حقق هذه الحاجة حين نجح في التأثير على يوفيل وأيقظ فيه مشاعر عدائيّة وكراهيّة.

هذه القراءة لا تتماشى مع الممارسة العلاجيّة العلائقية، والتي تحثّ المعالج على النظر إلى الديناميكية الناشئة بأنها تفاعلٌ تبادليٌّ بين طرفين. أيّ أنّ هذه القراءة تتجاهل تماماً إمكانية تجاوب وتفاعل أمين مع عدوانية يوفيل المتأصلة فيه قبل أيّ شيء وكرهه لأمين، وتُحَمِّل أمين مسؤولية الكراهّية والعدوانيّة في العلاقة بينهما. بتبنيها لهذه القراءة الجزئية، تتجاهل المؤسسة الإسرائيلية القراءة الأرجح بأن أمين يخلق (بوعي أو بغير وعي)  فنتازيا\حقيقة عن أمٍّ يهوديّة تُوِقظ القليل من التعاطف لدى “السيّد” يوفيل، تلاعب وتدغدغ صهيونيّته حتى لا يترك المعالَج “العبد” الفلسطينيّ، فنتازيا تُعبّر عن حاجة أمين بأن يعترف به يوفيل الإسرائيلي بأنه إنسان. هذه القراءة موجعة ومأساوية لأنها تكشف عن ديناميكية بين “عبد” و”سيد”، وتُظهر بأن الاعتراف الوحيد الذي تحقق (بواسطة عبارة أمين “يهودية مثلك يوفيل”) هو بأن يوفيل بصفته يهودياً، هو السيد وهو الإنسان.

إن استخدام نظرية المحلل النفسي البريطاني وينيكوت حول كره المعالَج “Hate in the counter-transference لفهم هذه الحالة العلاجية وعلاقة الكره بين أمين ويوفيل هو استخدام مضحك وهزليّ. التحويل المضادّ (counter transference) هو مصطلح يعبّر عن المشاعر التي يحملها المحلّل النفسيّ تجاه المُعالَج، يكون جزءٌ منها متعلقاً بالمحلِّلْ نفسه، مثل مزاجه أو مواقفه وآرائه. أما الجزء الثاني فيكون متعلقاً بمشاعر يثيرها فيه مُعالَجٌ عينيّ، أي أنها تُـنسب أولاً وآخراً للمعالَج وبأنماطه العلائقية، التي يتصل من خلالها بالمُحلّل.

من خلال الجزء الثاني في التحويل المضادّ، وباعتباره أداة تشخيصيّة وعلاجيّة مهمة، يستطيع المحلّل التعرّف على القصة النفسيّة التي يحملها المعالَج. يقول وينيكوت إن على المحلِّل أن يكره المعالَج بطريقة موضوعية، أي أن على الكراهية التي يشعر بها المحلّل نحو المعالَج في علاقتهما العلاجيّة أن تدلّ على ديناميكية نفسيّة مركزيّة لدى المُعالَج، تحكي قصة عن دواخل الشّخص القادم للعلاج وصعوباته. تكون الكراهيّة موضوعيّة وعينيّة لأن الآخرين في الخارج يشاطرون المحلّل هذه المشاعر السّلبية تجاه المُعالَج.

هذه ليست الحالة التي نراها هنا، فإن الكراهية التي يشعر بها يوفيل اتجاه أمين، لا يُمكن أن تُـفسّر فقط على أنها كراهية مفتاحية لفهم ديناميكيات أمين النفسية التي تشي بكراهية وحقد أمين لنفسه. الكراهية التي يحملها يوفيل تجاه أمين تشي قبل أي شيء بعدوانيّة منهجية، سياسية وعنصريّة صهيونية، وهي بالتالي غير موضوعيّة. إنّ تطبيق فلسفة وينيكوت وتدريسها من خلال هذه الحالة، ليست مسألة “نقطة عمياء” تجاه الإنسان الفلسطيني فقط في الوجود الاسرائيلي، بل هي امتداد لمنهجية القمع والتجهيل في الاكاديمية الإسرائيلية.

نهايةً، يمكن القول، إنّ حالة أمين هذه، والعلاقة التي أنشأها مع معالجه يوفيل ليست فقط إشكالية، بل إنّها أعادت إنتاج القمع الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، كما خلقت ديناميكيةً نفسيّةً خاضعةً للذهنيّة والنفسيّة الصهيونيّة من داخل الغرفة العلاجيّة. وبالتالي من الأرجح (أو حتّى بالضرورة) أن يظهر تدهورٌ في نفسيّة المعالَج الفلسطيني.

إن استخدام نظرية وينيكوت في قراءة هذه الحالة العلاجيّة من قبل المؤسسة الأكاديميّة الإسرائيلية، تدل هي أيضاً على ارتباطها بممارسة القمع الفكريّ تجاه طلّابها لا سيّما الفلسطينيين منهم، فهذه الأكاديميا على معرفة تامّة بوجود خطاب علاجيّ يحث المعالجين والأكاديميا على تبنّي نهج علاجي واعٍ سياسياً. ولكن الأكاديميا الإسرائيلية وإن تبنّت هذا الأسلوب العلاجيّ، فهي تختلف مع الإنسان الفلسطيني جوهرياً فيما يتعلق بالواقع السياسيّ المعاش.

هل باستطاعة المحلل النفسي توسيع رقعة الحريّة الداخلية التي يحملها الفرد الفلسطيني بحيث يصبح قادراً على أن يعيش بحريّة في العالم الخارجي المُستعمَر؟ هل المعالج والمحلل الفلسطيني في الداخل يستطيع التحرّر من الذهنية الصهيونية التي انكشف لها في سنوات تأهيله العلميّ والمهنيّ؟ وهل يمكننا كفلسطينيين، بواسطة تبنّي خطاب ونهج علاجيّ واعٍ سياسياً في الغرف العلاجية، الحذر من التواطؤ والتعاون مع ممارسات قمعية؟ الإجابة بنعم على السؤال الأخير فقط.