fbpx

الـ"أونروا".. كيف يرتبط مصيرُ شعبٍ بوكالة؟

الـ
عند مدخل مدينة أريحا (تصوير: Thomas Coex).

تأخذُ الإدارة الأميركيّة بجرّة قلمٍ قراراتٍ مفصليّة، من شأنها حسمُ مسألةٍ على مستوى عالٍ من الحساسيّة التاريخيّة. تُوقِف الدعم الماليّ لـ"وكالة غوث وتشغيل اللاجئين-الأونروا"، مُستغِلةً الظروف الإقليميّة لتوطين اللاجئين، وتُقدِم على سياساتٍ تهدفُ إلى تصفية المخيّمات ككيانات اجتماعيّة وسياسيّة قائمة على إرادة العودة.

لكنّ هذا كلّه وما سبقه من ممارسات عنجهيّة، لم يكن مُمكناً دون حالة العجز الفلسطيني المرعبة، والمصيبة الأكبر أنّ هذا العجز لم يعد مسألةَ قرارٍ سياسيٍّ يُمكن تغييره بين ليلةٍ وضحاها، بل تمّت مأسسته بتدريجٍ وتراكمٍ حتّى صارت مفاتيح الحياة الفلسطينيّة مِلك اليدِ الاستعماريّة.

إنّ السعي الإسرائيليّ-الأميركيّ الحاليّ لإغلاق الأونروا هو عقدة أخرى في حبل الكارثة الممتدّ؛ بدءاً من خيار "منظمة التحرير الفلسطينيّة" نقلَ الثقل السياسيّ الفلسطينيّ من خارج الأرض المحتلّة إلى داخلها، وصولاً إلى اعتزال المنظّمة شبه التّام من التنظيم الاجتماعيّ والنضاليّ للاجئين، ولاحقاً مرحلة ما بعد الانتفاضة الثانية التي آلت إلى منظومة دوليّة مُحكَمَةً لوأد المقاومة والخضوع التامّ لمنظومة المنح الغربيّة، ومن بعدها الهزيمة الدمويّة التي أُلحقت بـ الربيع العربيّ ومن ضمنها تدمير وحدة اللجوء الفلسطيني في سوريا، وخلق مآسي لجوءٍ جديدة.

هذا هو السياق السياسيّ، ومن دونه ما كانت خطوات الإدارة الأميركيّة مُمكنةً بهذه السهولة. إذ كانت أزمات الأونروا تتصاعد مع هذه الأحداث والمراحل اضطرادياً، ليتفاقم إضعافها وإنهاكها تدريجياً، حتّى بات من الممكن تحويل ما فيها من سوء إدارةٍ وإخفاقات إلى "أسبابٍ موضوعيّة" تُبرِّرُ بالنسبة للدول المانحة انهيارها، كما فاقمت مع الزمن "ضغينة" بين اللاجئين والوكالة، قد تجعل جهود التحرّك للدفاع عنها محصورة الانتشار والتأثير.

التستّر خلف "المفاوضات"

لم يكن الإعلانُ الأميركيُّ عن وقف تمويل الأونروا أواخر شهر أغسطس/ آب الماضي مفاجئاً، فقد سبقت ذلك إشارات عديدة دلّت عليه. تعود بعض تلك الإشارات إلى ما قبل فترة الرئيس الأميركيّ الحالي دونالد ترامب، ولكنها تكثّفت وتسارعت بعد ولايته، خاصّة مطلع هذا العام. فبعد أسابيع قليلة من إعلانه "الدراماتيكي" عن القدس عاصمة لدولة الاحتلال، ولاحقاً نقل سفارة بلاده إليها، تفرّغ ترامب لقضية أساسيّة من ثوابت الفلسطينيين؛ حقّ العودة، واللاجئين.

محتجّون ضد تقليص موظّفي الأونروا في غزّة في يوليو/ تموز الماضي (تصوير: AFP).

محتجّون ضد تقليص موظّفي الأونروا في غزّة في يوليو/ تموز الماضي (تصوير: AFP).

مطلع هذا العام، بدأت الإدارة الأميركيّة تلوّح بربط مسألة دعم الأونروا بعودة السلطة الفلسطينيّة إلى طاولة المفاوضات. إذ صرّحت المندوبة الأميركيّة في الأمم المتّحدة نيكي هيلي Nikki Haley، بأنّ بلادها ستتخذ قراراً بوقف دعم الأونروا حتى يعود الفلسطينيون إلى المفاوضات. تصريحٌ لحقه ردّ فعلٍ سريعٍ من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي عبّر مباشرةً عن حماسته لإغلاق الأونروا، متّهماً إياها "بخلق لاجئين وهميين وتخليد قضية العودة للاجئين الفلسطينيين".

في اليوم ذاته غرّد ترامب عبر تويتر: "بما أنّ الفلسطينيين لم يعودوا مستعدّين للحديث عن السلام، فلماذا نستمر في صرف هذه المبالغ الضخمة لهم مستقبلاً؟".

بعد هذا التصريح بأسبوعين صدر القرار الرسميّ. ففي يوم 16 يناير/ كانون الثاني أعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة رسميّاً تجميدها لأكثر من نصف المساعدات الماليّة التي كانت مُقرّرة للأونروا بداية العام، بقيمة 65 مليون دولار من أصل 125 مليون دولار من الميزانيّة المخصّصة لعام 2018.

في حينه ادّعى المسؤولون الأميركيّون، بعكس ما صرّح به ترامب ومندوبته، أنّ صرف أي منح مالية للأونروا مرتبطٌ "بالتغييرات التي تجريها الأونروا على عملها"؛ أي أنّ وقف التمويل يرتبط بعوامل لا علاقة فعليّة لها بالمفاوضات.

الاختباء خلف "سوء الإدارة"

في 31 أغسطس/ آب الماضي، جاء القرار الأميركي الثاني، بوقف الدعم كُليّاً عن الأونروا، في محاولة للضغط على الأخيرة لإجراء ما سُمّي "إصلاحات" على طريقة عملها، وهي أسوأ أزمة مالية تمرّ عليها في تاريخها، سبّبت لها عجزاً بقيمة 200 مليون دولار.

يقول نصّ القرار الأميركي هذا: "عدا عن الفجوة في الموازنة والفشل في حشد تقاسم ملائم ومناسب للأعباء، فإن نموذج العمل الأساسي والممارسات المالية التي ميّزت عمل الأونروا لسنوات -والتي ترتبط بتوسّع مجتمع المستفيدين والمستحقّين لخدمات الأونروا بأضعاف مضاعفة وإلى ما لا نهاية-  هو ببساطة نموذج غير مُستدام، وقد كان في وضع الأزمة لعدّة سنوات".

علاوةً على أن خنق الأونروا شأنٌ لا علاقة له بطاولة المفاوضات كما ادّعى ترامب ومندوبته، فإنّ ما يصوّره الأميركيّون في خطابهم كشأنٍ متعلّق بالموازنة والممارسات الماليّة وسوء الإدارة، يرتبط في نهاية المطاف بقضيّة سياسيّة جوهريّة يُريد لها "المنطق" الأميركيّ أن تظهر كمسألة نموذج إداريّ. إنّ "توسّع مجتمع المستفيدين" هو الازدياد الطبيعيّ للاجئين، ومنع هذا التوسّع معناه نزع صفة اللجوء عن أبناء وأحفاد اللاجئين، وبالتالي تصفية قضيّتهم مع وفاة آخر لاجئٍ ممّن عاصروا النكبة.

بحسب ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" ووسائل إعلامية أخرى الشهر الماضي فإن الإدارة الأميركيّة تهدف إلى أن ينخفض عدد اللاجئين الفلسطينيين المُسجلين رسمياً لدى "الأونروا" من 5 ملايين فلسطيني، إلى 500 ألف فقط، هم في الأساس من عاشوا اللجوء عام النكبة، دون أن يشمل العدد من ورثوا اللجوء عن آبائهم.

تقليص اللاجئين بتغيير التعريف!

في يوليو/ تموز 2016، وفي إطار مراجعته للأموال الأميركيّة المصروفة على "الأونروا"، طالب الكونغرس الإدارةَ الأميركيّة، ووزارة الخارجيّة بالذات، بفحص قضية تعريف اللاجئ الفلسطيني، والاستفسار عن العدد "الحقيقي" للاجئين. يقول الإدعاء الأميركيّ إنّ كثيرين ممّن تُقدّم لهم المساعدةُ من الأونروا لا يمكن أن يُحسبوا كلاجئين، بالأخصّ أولئك المقيمين في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة.

في العام ذاته، وبموازاة هذه الجهود، مارس نوّاب جمهوريّون ضغوطاً على الخارجيّة الأميركيّة لإعادة تعريف "اللاجئ الفلسطينيّ"، وأثاروا أسئلة حول اختلاف التعريف الذي تعتمده الأونروا للاجئين الفلسطينيين مع ذلك المعتمد في "مكتب الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين" (UNHCR) والمؤسسات الأمميّة الأخرى. كما طالبوا بفحص إن كان هذا التعريفُ "يُعزّزُ فرصَ السّلام في المنطقة أم لا."

مجلة "فورين بوليسي" الأميركيّة،  نشرت في أغسطس/ آب الماضي، مراسلاتٍ داخليّةٍ، بالأخصّ لـ جيرالد كوشنر، مستشار ترامب، تُشير إلى جهود الاثنين لوضع "نهاية لصفة اللاجىء الرسميّة التي يحملها ملايين الفلسطينيين في العالم". تشير تلك المراسلات، حسب تعبير المجلة إلى موقف ترامب وعدائه الواضح لوكالة الأونروا.

في إحدى هذه المراسلات، في يناير/ كانون الثاني 2018، يقول كوشنر: "من المهمّ أن يكون هناك جهدٌ صادق ومخلص من أجل تعطيل عمل الأونروا… هذه الوكالة تُديم الوضع القائم، وهي فاسدة، ولا تساعد في تحقيق السلام". في مراسلات أخرى عرضتها الصحيفة، تقول إحدى مستشاري غرينبلات، إن البيت الأبيض يحاول إيجاد طريقة من أجل القضاء على وكالة الأونروا.

تُعلق "فورن بوليسي" على ذلك بالقول، إنّه كما فعلت أميركا في قضية رئيسية أخرى -القدس- في ديسمبر/ كانون الأول 2017، باعترافها بها عاصمة لـ"إسرائيل"، يبدو أنّها اليوم تحاول إعادة صياغة وتحديد معنى اللجوء الفلسطيني بما يخدمها، أي "إسرائيل".

(تصميم: متراس)

(تصميم: متراس)

يبدو أن هذا الحرص الأميركي -والإسرائيلي من خلفه- على خفض عدد المُعرّفين رسمياً كلاجئين فلسطينيين لدى وكالة الأونروا، هو ما أدّى مثلاً إلى القلق والشكّ في نتائج الإحصاء اللبناني-الفلسطيني المشترك لعدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والذي جرى لأوّل مرة، وأُعلن عنه في نهاية 2017. ففي حين تُشير التقديرات الأمميّة إلى وجود ما يقارب 470 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، خَلُص التعداد اللبناني-الفلسطيني إلى وجود 174,422 ألف لاجئ فقط لا غير.

أربك هذا الرقم المنخفض جداً نسبياً الكثير من الفلسطينيين، بين ما رأوا فيه نتيجة مُتعمّدة ومقصودة، وشكّكوا في مشروع التعداد من أصله وتمويله (3 ملايين دولار) وأهدافه، وتهديده ربّما لصفة اللاجئ.

إلّا أنّ هذه الشكوك التي تستند إلى مؤشرات سياسيّة لا يمكن تجاهلها، يجب ألّا تَحولَ دون تناول الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ الأليم للاجئ الفلسطينيّ في لبنان، والذي أدى فعلاً إلى تخلي جزء من اللاجئين عن صفة اللجوء والحصول على جنسيّات الدول الأوروبيّة، خاصةً في النرويج والسويد.

أسئلةٌ لغيرِ الأميركيين

يرى الإسرائيليّون والأميركيّون بأن "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" هي أحد عوامل تثبيت مسألة اللجوء والعودة، وهي تحفظ الوضع الحاليّ وتحافظ على المكانة السياسيّة للاجئ الفلسطينيّ. بالتالي، ترى دولة الاحتلال في الأونروا عاملاً يُبقي على الخطر الوجوديّ -أي إمكانيّة العودة- قائماً. لذا فإنّها تسعى لإنهاء عملها وتحديد تعريف اللاجئين في: من عايشوا النكبة دون توريث صفة اللجوء للأجيال الفلسطينيّة، وتذويب مسألة اللاجئين الفلسطينيين في الحلول الدوليّة لمسألة اللاجئين عموماً، كمسألةٍ ذات طابع إنسانيّ عام دون حمولة تاريخيّة.

أما فلسطينيّاً، فإن إغلاق الأونروا يُعتبر خطوة مفصليّة نحو تصفية قضيّة اللجوء الفلسطينيّ، وإزالة الحماية القانونيّة والخصوصيّة التي أبقت على حقّ اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم.

لكنّ هذه الحالة الموصوفة فلسطينياً تطرحُ أسئلة مهمّة يجب أن نسألها لأنفسنا، لا للأميركيين ولا للأوروبيين ولا لكوريا الشماليّة: ما الذي أوصلنا إلى حالةٍ تكون فيها صفة اللاجئ، وتسجيله لاجئاً، والحفاظ على الكتلة الاجتماعيّة والسياسيّة للاجئين، رهينة في يد منظّمة دوليّة؟ لماذا لا تُدير "منظّمة التحرير" سجلّاً تفصيلياً يعتمد التعريف الفلسطينيّ للجوء، وتكون للاجئ فيه مكانةٌ مشتقّة من انتمائه لشعبه لا لمنظّمة دوليّة؟

لماذا علينا حتّى عام 2017 أن "نقدّر" وجود 470 ألف لاجئٍ في لبنان مثلاً لنجدهم في نهاية المطاف 174 ألفاً؟ كيف يمكن أن يصل التنظيم السياسيّ للاجئين إلى حضيضٍ مرعبٍ كهذا، حيث تُقرّ قرارات (على مستوى المكانة السياسيّة وعلى مستوى الكارثة المعيشيّة المرتقبة) بهذه الخطورة دون أن يشكّل اللاجئون ضغطاً؟ وما الذي استثمرته "منظّمة التحرير" آخر ثلاثة عقود لتوفّر للاجئين الحدّ الأدنى من مؤسساتٍ تحفظ كرامتهم، في ظلّ ما يمارس ضدّهم من غبن حيثما لجأوا؟

هذه أسئلة وجب الخوض فيها، وعليها أن تواجه من أهمل تنظيم الوجود الفلسطينيّ في العالم كلّه ليحرس أسوار مقاطعته، وهي بهذا تصبو إلى "عودة" مسألة اللجوء إلى موقعها الحقيقيّ في القضيّة الفلسطينيّة: جوهرها ومرجعها، بدايتها ونهايتها.

إقرأ أيضاَ