23 فبراير 2020

هكذا قلّصت "إسرائيل" معدّلات الولادة الفلسطينيّة

هكذا قلّصت "إسرائيل" معدّلات الولادة الفلسطينيّة

لطالما استخدمت "إسرائيل" خطاب "القنبلة الديموغرافيّة" للإشارة إلى التعداد السكانيّ ونسبة الولادة الفلسطينيّة. لعب هذا الأمرُ دوراً أساسيّاً في بناء السياسات الصهيونيّة تجاه الفلسطينيين. بعد تقسيم فلسطين التاريخيّة إلى معازلَ جغرافيّة وتشريد شعبها، اعتبرت الصهيونيّةُ الحفاظَ على أغلبية يهوديّة في الأراضي المحتلة عام 1948 أحد أهم الأسس للحفاظ على كيانها بحسب معادلة "عددنا مقابل عددهم".

لم تتوانى "إسرائيل" في توظيف سيطرتها على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 48 في الصراع على الديمغرافيا. وظهر ذلك مثلاً في هوس وزارة الصّحة الإسرائيليّة تجاه ما يسمّى "التخطيط العائليّ" الفلسطينيّ، أو اعتبار الإجهاض لدى النساء الإسرائيليات تهديداً للاعتبارات الديمغرافيّة اليهوديّة، أو فرض قانون "لم الشمل" الذي يقيّد الزواج بين الفلسطينيين من الداخل والضفة الغربية، أو تشجيع هجرة الفلسطينيّين من البلاد مقابل تشجيع الهجرة اليهوديّة إليها.1هامش: داليلا أمير وشوشي نيفا، "قانون الإجهاض الإسرائيلي: نظرة جندرية ونسويّة"، عيونيم بمشباط، مِجدار وفمينيزم (2007)، ص 777. (المصدر باللغة العبرية). 

هذه قراءة مختصرة لجزء من سياسات "إسرائيل" تجاه الديموغرافيا الفلسطينيّة من خلال استهدافها للخصوبة الفلسطينية، وذلك في ظلّ المعطيات الأخيرة حول انخفاض نسب الولادة لدى الفلسطينيّات عموماً وفي الأراضي المحتلة عام 1948 بشكلٍ خاصّ.

التغير الذي طرأ على معدلات الخصوبة بين الفلسطينيات في أراضي الـ48، وبين الإسرائيليات، في العقدين الأخيرين، وفقاً لجهاز الإحصاء المركزي الإسرائيلي.

"الشيطان الديموغرافي"

"كيف تحوّل الشيطان الديموغرافي إلى معجزة ديموغرافية؟" كان هذا السؤال المركزي الذي طُرح في بحث لـ"مركز الاستراتيجية الصهيونيّة" عام 2018. 2يعرّف المركز نفسه على أنه: "مركز مستقل يعمل من أجل الحفاظ على الطابع اليهودي الديمقراطي لإسرائيل وفق مبادئ وثيقة الاستقلال". يعرض البحث التحولات الإحصائيّة في أنماط الولادة لدى المجتمع الإسرائيليّ والمجتمع الفلسطينيّ، ويُظهِر أنّ نسبَ الولادة في الضّفة وغزّة والأراضي المحتلة عام 48 في حالة انخفاض. يستنتج البحث أنّ التهديد الديموغرافي، الذي طالما شكّل عقدةً لـ"إسرائيل"، آخذٌ بالاختفاء. وأنّ الغالبيةَ الفلسطينيّة بين البحر والنهر لم تعد تُشَكِّلُ تهديداً على المشروع الصهيونيّ في فلسطين، وعبّر عن بداية نهاية الهوس الإسرائيلي تجاه "القنبلة الديموغرافية" الفلسطينيّة.3ياعكوف بيطلسون، "تطور الخصوبة العامة في أرض إسرائيل: كيف تحوّل الشيطات الديموغرافي إلى معجزة ديموغرافية؟"، فبراير 2018، مركز الاستراتيجية الصهيونيّة).

في ذات السنة نشر مركز الأبحاث الإسرائيلي "تاوب" -وهو مركزٌ متخصصٌ في بحث السياسات الاجتماعيّة في "إسرائيل"- معطياتِه حول نسب الولادة في المجتمع الإسرائيليّ والمجتمع الفلسطينيّ في الأراضي المحتلة عام 1948. وقد ظهر انخفاضٌ في نسب الولادة في المجتمع الفلسطينيّ مقابل ارتفاعها في الإسرائيليّ. كذلك تشير دائرة الإحصاء المركزيّ في "إسرائيل" إلى نمط انخفاضٍ حادٍّ في نسب الولادة في المجتمع الفلسطينيّ مقابل الإسرائيليّ، حيث نشهد ارتفاع نسب الولادة في المجتمع الإسرائيلي منذ عام 2000 مقابل انخفاضه في المجتمع الفلسطينيّ. وبينما لا يمكننا إغفال العلاقة العكسيّة بين نسبة التعليم (التي ترتفع) ونسب الولادة (التي تنخفض) في المجتمع الفلسطينيّ، نجد في المجتمع الإسرائيلي علاقةً طرديّةً بين النسبتين.

 

 

التغير في معدلات الخصوبة- مقارنة بين الفلسطينيات والإسرائيليات من عام 1960-2016.
المصدر: البحث المنشور على "مركز الاستراتيجية الصهيونية"

هوس مبكر

لعبت هذه الأدبيّات التي تُركّز على "الشيطان الديموغرافيّ"، وهي ليست فريدةً من نوعها، دوراً في المؤسسات الحكوميّة الإسرائيليّة، وأسّست لتبنّي سياسات خاصّة في هذا السياق. فمنذ بداية سنوات استعمارها، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيليّة الأوّل، دافيد بن غوريون، عن منحةٍ لكلّ مولودٍ عاشر، وذلك من باب تشجيعِ النساء الإسرائيليات على الولادة. للمفارقة، فقد تمّ إلغاءُ المنحة بعد أن اتضح أنّ غالبية الحاصلات على هذه المنح كنّ نساء فلسطينيات.4Rhoda Ann. Kanaaneh, Birthing the nation: Strategies of Palestinian women in Israel. Vol. 2. Univ of California Press, 2002, p. 36 عام 1967، أنشأت حكومة الاحتلال الإسرائيليّ لجنة "بيكي" لتطوير سياسات لتشجيع الولادة في المجتمع الإسرائيليّ، وتم ربط هذه السياسات بمستقبل "الشعب اليهوديّ"، إذ أعربت اللجنة عن قلقها إزاء ارتفاع معدلات الولادة لدى المجتمع الفلسطينيّ. في العام نفسه أنشأت حكومة الاحتلال "المجلس العامّ للديموغرافيا" امتداداً للجنة "بيكي"، وكانت مهمّته الرئيسة صياغة سياساتٍ ديموغرافيّةٍ للحفاظ على الطابع اليهوديّ لـ"إسرائيل".5غيلا شطوفلر، "السياسات الديموغرافية الإسرائيلية في مجال الولادة وحقوق النساء والأقليات"، ص 473. عام 2002، أُعيد تشكيل هذا المجلس بعد تعطيله لمدة 5 سنوات، وتمت الإشارة في جلسته الافتتاحيّة إلى تشجيع الولادة كأحد أهم بنود برنامجه.

سم عنصريّ في "قطرة حليب"

عام 1980 أنشأت وزارة الصّحة الإسرائيلية "مشاريع لتنظيم الأسرة"، وهو مصطلح لطالما ارتبط بتحديد النسل. ركّزت هذه المشاريع عملها في المجتمع الفلسطينيّ، والذي كانت نسبة الولادة لديه مرتفعة مقارنةً بالمجتمع الإسرائيليّ. بناء على ذلك، افتتحت وزارةُ الصحّة عيادات مختصّة بالتخطيط العائليّ والولادة بكثافةٍ في القرى والمدن الفلسطينيّة.6راجع المصدر رقم 3. وتحوّلت هذه المحطّات إلى ما يسمى اليوم "محطة صحّة العائلة" أو "قطرة حليب"، وهي مراكز رعاية صحيّة في مجال الحمل والولادة. وتقدّم هذه المراكز خدماتٍ طبيّة للنساء في فترة الحمل وما بعد الولادة، لكنّها أيضاً تُقَدِّمُ إرشاداتٍ حول وسائل منع الحمل وتنظيم الأسرة.7من موقع صندوق المرضى "لئوميت" التابع لوزارة الصحة الإسرائيلية.

وفي حين لم توفّر السلطات الإسرائيليّة خدماتٍ صحيّة أساسيّة في البلدات الفلسطينيّة، بل وراكمت العراقيل أمام فتح العيادات الطبيّة العامّة، إلا أنّها بدأت بعد ذلك بالموافقة على افتتاح العيادات بشرط أن تتضمّن العيادات "وحدة تنظيم الأسرة".8راجع المصدر رقم 3. بالمقابل، أظهرت الحكومة الإسرائيليّة حذراً شديداً في فتح عيادات "تنظيم الأسرة" في التجمّعات السكّانية الإسرائيليّة.

مسألة أمنيّة

لم تقتصر مهمةُ تحويل سياسات "إسرائيل" وهوسها الديموغرافيّ تجاه الفلسطينيين إلى واقعٍ فعليٍّ على وزارة الصّحة الإسرائيليّة فقط، بل تجسّدت كذلك في خطّة "اللجنة لشؤون العرب" التابعة لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عام 1968. فرزت هذه اللجنة سياسات "إسرائيل" تجاه الفلسطينيين وفق ثلاثة توّجهات- اقتصاديّة، وسياسيّة أمنيّة، واجتماعيّة- وقد اندرج موضوع الديموغرافيا في الجانب السياسيّ الأمنيّ. تجدر الإشارة إلى أنّ الجوانب السياسيّة الأمنيّة في هذه الخطّة أُديرت من قبل ممثلين عن جيش الاحتلال الإسرائيلي، المخابرات (شين بيت) والشرطة. ومن أهم قراراتها بخصوص الديموغرافيا الفلسطينيّة كان تذويت فكرة "تخطيط الأسرة" في المجتمع الفلسطيني، ومنح امتيازات ماديّة لأي فلسطيني يسعى للهجرة، وإنشاء تدابير ومخططات من أجل "تحرير" النساء الفلسطينيات، مثل زيادة نسب التعليم، وذلك من أجل هدف أساسيّ، وهو المساهمة في تقليل نسب الخصوبة والولادة لديها. يُشار هنا إلى أن هذه اللجنة حذّرت من العلاقة الطرديّة بين مستوى التعليم لدى الفلسطينيّين وبين الحس الوطني لديهم. رغم هذا، فقد رجحت كفّة الاعتبار الديموغرافيّ.9Ahmad H. Sa’di, "Thorough surveillance: The genesis of Israeli policies of population management, surveillance and political control towards the Palestinian minority." (2016), p.44

لا تُغفل قراءة هذا الانخفاض في معدلات الولادة الفلسطينيّة التحوّلاتِ العالميّةَ والمرتبطة في تأثير الارتفاع في نسبة التعليم وانخراط النساء في سوق العمل على انخفاض الولادة كظاهرة عالميّة. مع ذلك، تتوجّب علينا قراءةُ هذه المعطيات وفق السياق الاستعماريّ التاريخيّ الذي وظّفت "إسرائيل" سياساتِها وفقه من أجل إيجاد الحلّ لمسألة الديموغرافيا الفلسطينيّة في الأراضي المحتلة عام 1948. كما أنّه ليس بإمكاننا إغفالُ السّياق التاريخيّ الذي نشأت خلاله المؤسساتُ الحكوميّة الإسرائيلية ومنها وزارة الصّحة، والتي من شأنها التعامل مع كل ما يخصّ الولادة والخصوبة، وهو سياق شكّل فيه "الأمن الإسرائيليّ" المحور الأساسي في هذه العلاقة بين الحكومة وبين الفلسطينيّين. مما سبق نرى أن "إسرائيل" انتهجت سياسةً موجّهةً تجاه الديموغرافيا الفلسطينيّة في الداخل، ربّما هي تقطف ثمارها اليوم.