8 أكتوبر 2019

“مذبحة الأقصى”

ذكريات حيّة واستهداف مستمر

ذكريات حيّة واستهداف مستمر

كأنّها حدثت البارحة، بألمها وبطولتها، يستذكر الفلسطينيّ، ابن البلدة القديمة في القدس، محمود جدة (69 عاماً) “مذبحة الأقصى الأولى”، ويروي أحداثها حريصاً على الدقّة في المعلومة، وبنبرة لا تخلو من العاطفة الجيّاشة. 

ظهر يوم الاثنين، الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 1990، جثا محمود على ركبتيه في ساحات المسجد الأقصى، مُتأثّراً من هول المصيبة وعظم التضحية. انهار محاولاً استيعاب ما كان شاهداً عليه، وذلك بعد أن شارك مع شبابٍ آخرين في نقل الجرحى والشّهداء من ساحات الأقصى باتجاه باب الأسباط، الواقع شمال المسجد، لنقلهم من هناك عبر سيارات الإسعاف إلى المستشفيات.

في ذلك اليوم، وقعت ما عُرِفت لاحقاً بـ”مذبحة الأقصى الأولى”، إذ لحقتها “مذبحة” أخرى، أو في صيغة ثانية: هبّة النفق، التي سُميت “مذبحة الأقصى الثانية”، عام 1996. 

ذلك اليوم كان التوتر والترقب يسود المدينة المحتلة، إذ أعلنت جماعة “أمناء جبل الهيكل”، نيّتها اقتحام المسجد الأقصى، وأن يحمل المستوطنون في اقتحامهم حجرَ الأساس لما يحلمون ببنائه؛ “الهيكل الثالث”. لم يكن ذلك التصريح الأول بحلم إدخال “حجر الأساس”، فقد حاولت هذه الجماعة، التي نشأت في سبعينيّات القرن الماضي، وتفرعت منها الجماعات الاستيطانيّة التي تستهدف الأقصى اليوم، تنفيذ مخططها أكثر من مرة. في ذلك العام، عام المجزرة، أُشيع أن شرطة الاحتلال أعطت موافقتها على إدخال الحجر، وأن ذلك سيكون من خلال باب المغاربة، الباب الغربيّ للمسجد الأقصى، ويوم الثامن من أكتوبر/ تشرين الثاني.

اقرأ/ي المزيد: ماذا تعرف عن اقتحامات المستوطنين للأقصى؟

لا يختلف المشهد في ذلك اليوم عن يومنا هذا، إذ يستذكر الشاهدون على تلك التضحيّة إقبال النّاس على الرباط في المسجد الأقصى، وانتشار الدعوات الشّعبيّة والدينيّة للنفير إلى المسجد، ومنع الاقتحام، منها دعوة انطلقت من منبر المسجد في صلاة الجمعة السابقة ليوم المذبحة. هكذا منذ ساعات الصّباح الباكر، توّجه النّاس من القدس، والضّفة الغربيّة، وأراضي الـ48، رجالاً ونساءً. قُدّر عددهم ما بين أربعة إلى خمسة آلاف فلسطينيّ.

يقول جدّة: “صباح ذلك اليوم، كنتُ في طريقي إلى المسجد، وكان المشهدُ في شوارع المدينة يدلّ على أن شيئاً جللاً سيحصل اليوم، فقد كانت عند باب العامود، أحد أبواب البلدة القديمة، وفي الطرق المؤدية للمسجد، أعدادٌ كبيرةٌ من جنود الاحتلال”.

كان النّاس قد أدّوا صلاة الفجر، وجلسوا في المسجد مرابطين، للتصدي لأي اقتحام. بعد شروق الشّمس وأداء صلاة الضّحى، كانت مجموعات تجلس أمام المُصلى القِبلي، عند متوضأ “الكأس” الشهير؛ بعضهم يُردد الأناشيد الدينيّة خلف المنشد المقدسيّ أبو حذيفة البسطامي، ومعهم الشيخ حامد البيتاوي، وغيرهم يُذكّرون بضرورة الرباط حتى صلاة الظّهر، وعيونهم لا تنزاح عن باب المغاربة. 

قنابل الغاز والرصاص الحيّ.. “كأن القيامة قامت”

تجاوزت السّاعة العاشرة والنصف، وحينها كان عدد من الشيوخ والناشطين قد شكّلوا جداراً بشريّاً بموازاة الرواق الغربيّ للمسجد الأقصى، تحديداً عند باب المغاربة، بينما كان جنود الاحتلال، يتوّزعون في سلسلة كذلك، من باب المغاربة إلى باب السّلسلة، وعلى الأسطح القريبة من المسجد والملاصقة له. وبينما كان الشيوخ في محاولتهم “لتهدئة” الحاضرين، خاصّة من الشّباب، كانت أصوات النساء تعلو بالصراخ في محيط قبة الصّخرة.

يستذكر جدّة تلك اللحظات، ويقول إنّ الصّوت كان صراخاً عالياً ومُنبئاً بما يُخيف، فتحرك الشّبان فوراً باتجاهه. هناك، كان جنود الاحتلال قد بدأوا “المذبحة” بضرب قنابل الغاز مباشرةً على النساء، فأصيب بعضهن بالاختناق وأُغمي على أخريات. زكريا نجيب (63 عاماً) الذي كان يسكن على بعد أمتار من المسجد، يقول إنه بمجرد ما تم الاعتداء على النساء، كان الجنود قد اقتحموا المسجد بأعدادٍ كبيرةٍ، وبدأوا يُطلقون قنابل الغاز والرصاص الحيّ على المتواجدين، بشكل كثيف وعشوائي. يقول نجيب: “شعرنا يومها أن يوم القيامة قد قام… كان ذلك واحداً من أسوأ الأيام التي شَهِدتُها في الأقصى”. 

تعددت في ذلك اليوم أشكال الاعتداء الإسرائيليّ وألوانه. يروي نجيب أنّ طائرة هيلوكبتر حلقت فوق الأقصى وشارك من فيها من جنود باستهداف النّاس. كما أطلق القناصةُ النّارَ من فوق سطح المدرسة التنكزيّة غرب الأقصى، والتي سيطر الاحتلال عليها عام 67 وحوّلها مغفراً لشرطته.

بعض من بقايا قنابل الغاز التي أطلقت على المرابطين في المسجد الأقصى. عدسة: محمود جدّة.

في مقابل هذا الاعتداء، كان النّاس، كما يفعلون اليوم، يواجهونهم بما أوتوا من قوّة؛ بالحجارة والكراسي البلاستيكيّة، والتكبير. أول الشّهداء في ذلك اليوم، ابن البلدة القديمة برهان كاشور، الذي تلقى الرصاص عند باب المغاربة، فأصاب رأسه مباشرةً وفجّر دماغه. نجيب الذي كان قريباً من المكان، ركض لحمل كاشور، وخلع قميصه ليربط بها رأس المصاب الذي كانت تتناثر منه أشلاء الدماغ. 

وبعد إصابة كاشور، توالت الإصابات. استهدف الاحتلال في ذلك اليوم كما يخبرنا أحد الشّهود على ذلك اليوم، تيسير الرجبي (62 عاماً)، الأجزاء العلويّة من أجساد المرابطين، مركزاً على الرؤوس والصّدور، وكان أحد من حُفر في ذاكرة المقدسيين حقده جنديٌ إسرائيليّ من أصولٍ عربيّة، معروف بشراسته ويخدم في البلدة القديمة. وصل في نهاية اليوم عدد الشهداء إلى 17 شهيداً استشهدوا في ساحات المسجد. ارتفع العدد لاحقاً إلى 19 شهيداً، بعد أن استشهدت مريم مخطوب عند باب حطة، واستشهد الجريح سليم الخالدي بعد أسبوعين من إصابته.

يروي الحاضرون أن إطلاق النّار استمرّ ما يقارب عشرين دقيقة، وسط حالة من الصدمة في أوساط النّاس. كان البعض منشغلاً في مواجهة شرطة الاحتلال بما أوتي من قوّة، وآخرون مشغولون، كجدّة، بنقل المصابين نحو باب الأسباط، وهو نقلٌ عرقتله قوات الاحتلال، في بعض الأحيان حتى صلاة العصر، وسط نقص في حمّالات الإنقاذ وسيارات الإسعاف. فيما فتح النّاس بيوتهم في البلدة القديمة والقريبة من المسجد لاستقبال المصابين الذين تمكن معالجتهم ميدانيّاً. أما الشّهداء، فقد دُفن أغلبهم على عجل في مقبرة باب الرحمة الإسلاميّة، خوفاً من أن يختطف الاحتلال جثامينهم.

يقول محمود جدّة: “نقلنا عشرات المصابين دون توقف، وحتى اليوم لا أعرف سر القوة التي ملكناها فجأة لنحمل كل هؤلاء المصابين ونركض بهم خارج أبواب الأقصى تحت إطلاق الرصاص الكثيف، ومن ثمّ نعود لأخذ غيرهم”.

الصّفحة الأولى لمجلة محليّة في الذكرى الأولى لمذبحة الأقصى.
الصّفحة الأولى لمجلة محليّة في الذكرى الأولى لمذبحة الأقصى.

حصار واعتقال بعد الهجوم

بعد هدوء الساحات من الرصاص، أغلق الاحتلال أبواب المسجد الرئيسة، وحاصر عدداً من المحتمين داخل المصلى القبلي، وأطلق من خلف الأبواب والنوافذ النّار عليهم كذلك. لاحقاً نفذت قواته حملة اعتقال جماعيّة من داخل المسجد، طالت أكثر من مئتي شخص.

لم ينته أمر ذلك “الاثنين الأسود”، كما يُصفه الرجبي، عند ذلك الحدّ، فقد انتقلت المناوشات بين جنود الاحتلال والفلسطينيين إلى خارج المسجد، تحديداً عند باب حطّة وباب الأسباط. كان النّاس يحاولون الدخول إلى المسجد لنقل المزيد من المصابين، فيما يمنعهم الجنود من ذلك، حتى أطلقوا عليهم النّار. في تلك الحادثة، وعند باب حطة، أحد أبواب الأقصى الشمالية، ارتقت الشّهيدة مريم مخطوب من قرية القبيبة شمال غرب القدس، بعد إصابتها برصاصة مباشرة في عينها. 

وكان من شهداء ذلك اليوم، نظمي أبو صبيح، وابراهيم ادكيدك الذي لم يتجاوز 16 عاماً، والشهيد فوزي الشيخ من قرية خربثا غرب رام الله، والشيخ ربحي العموري الرجبيّ، والشهيد عدنان مواسي من طمرة في الجليل. 

أُعلن بعدها حظر التجول في الضّفة والقدس، وصادر الاحتلال مفاتيح بوابات المسجد وأغلقه في وجوه الفلسطينيين من مساء يوم الاثنين، إلى مساء الأربعاء العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول، فيما أدّى المقدسيون صلاتهم عند أبواب المسجد، خلال يومي الإغلاق، تماماً كما يفعلون اليوم في كلّ “مناسبة” يُغلق فيها الاحتلال المسجد. وعندما فُتِح المسجد مغرب الأربعاء، فُتح باب العزاء والتهنئة بالشّهداء داخل ساحات المسجد.

اليوم، عند تجوّله في المسجد الأقصى، يُشير جدّة إلى موضع أثرِ رصاص المجزرة، خاصّة ذلك البادي على رخام مسجد قبة الصّخرة، ويقول: “شعرنا بالعجز الشديد ونحن نرى الشهداء يسقطون أمامنا واحداً تلو الآخر، بقي العجز مسيطراً علينا بعدها لأيام كثيرة بعد انتهاء المجزرة”. أما نجيب فقد بقي معـه من أثر ذلك اليوم ملابسه التي تشرّبت دماء الشّهداء والجرحى، والتي بقيت ترافق ذاكرته لسنوات.