16 يونيو 2019

مديحٌ فاشلٌ للسبويلر

مديحٌ فاشلٌ للسبويلر

قصّتي مع "السبويلر" بدأت قبل بضع سنوات. دخلت إلى مقهى ووجدت صديقاً، اسمه سعيد، يجلس مرخياً على كرسيّ في الزاوية، مثل صفوة الشباب اليساريين، يشرب قهوةً ويقرأ كتاباً. لم يتكلّف الأخ بأن يرفع جسده عن الكرسيّ أو يرفع عينيه عن الكتاب ليردّ التحيّة بشكلٍ لائقٍ، رغم أنّي جئت خصيصاً لرؤيته. "شو بتقرأ؟" لم يُجِب، لكنّه رفع الكتاب أمامي لأرى الغلاف بنفسي: "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت. "آه.."، قلت له، "بيجيش بالآخر."

- "شو؟" سأل مثل "الإيموجي" مفنجر العينين.

- "غودو..." قلت، "بتخلص المسرحيّة... وما بيجيش."

شاط سعيد غضباً، وقفز بهستيريا عن كرسيه وخبط الكتاب بالطاولة فنزل الكتاب على طرف صحن الزجاج الصغير تحت فنجان القهوة، فطار الفنجان عن الطاولة وانكسر على الأرض. ثم بدأ صديقي – قلنا أن اسمه سعيد- يُبدع ويلوّن في صياغة الشتائم الموجّهة نحو السيّدة الفاضلة – أمّي.

لم أكن أعرف يومها أن الأمر جديٌّ إلى هذا الحدّ. ربّما لم أكن أعرف يومها أن السبويلر يُدعى سبويلر أصلاً. لم تكن قضيّةً بالنسبة لي. ظننت الأمر عادياً؛ تشاهد فيلماً، ثم يأتي شخص ويقول لك إن "فلان هو القاتل"، فتقول له "يا زلمة كول خرا" وينتهي الأمر. وبقيت لأسابيع طويلة منذ ذلك اليوم أحاول أن أفكّر بهذه الحادثة بجديّة، بحرقةٍ ما، وكنت أصل مرةً تلو الأخرى إلى ذات الاستنتاج الجديّ: "عزا شو هاظ الهبل؟".

أثار الموقف حفيظتي، خاصةً وأنه شتم أمّي أمام الكثير من المعارف في المقهى. سأل الناس: "شو السيرة"، ولما عرفوا شو السيرة وقفوا في صفّه فوراً. تضامنوا معه وأنا انضغطت، ولم يكن لديّ رأي واضح أو جواب مقنع، باغتني الموقف فقُلت بغباء: "كيف يعني بتعرفش؟ مين بعرفش إنه غودو بيجيش؟ بعدين إنت ليش مش قاري غودو لحدّ اليوم؟"... ثم اتّضح لي بأن أغلبيّة من كانوا حولنا لم يقرأوا المسرحيّة، وأنّهم شعروا بالإهانة من هذا الردّ المستعلي، فأجمعوا كلّهم، بصوت رجلٍ واحدٍ، حتّى الصبايا منهنّ، على شتم أمّي.

خسرنا المعركة لكننا لم نخسر الحرب بعد

كنت مذلولاً. لكنّي بدأت على الفور أتجهّز لجولة الانتقام. كنت في البداية أتدرّب على كافة الادعاءات المتداولة: ما الذي يعنيه أن تعرف بأنّ كاثرين ستموت في آخر "وداع السلاح"؟ هل ستفسد "الجريمة والعقاب" إن عرفت أن رسكولنيكوف سيسلّم نفسه؟ هل ستفقد "أولاد حارتنا" قوّتها لو قلت لك أن عرفة سيُقتل بعد أن يتسبب بموت جبلاوي؟ وهل ستتغيّر الحياة لو عرفنا قبل أن نبدأ القراءة بأن "لوليتّا" الطفلة ستهرب في الفصل الأخير من هومبرت البيدوفايل إلى دير راهبات في ولاية ميريلاند لتكبر هناك، وتساعدها راهبة لتبدأ حياتها من جديد، وتدرس القانون وتتزوّج من محاضر في علم النفس وتنجب منه طفلةً جميلة تُسمّيها شارلوت - على اسم الراهبة.

ثم صرت أضيف ادعاءات كنت أظن أنّي أبدعتها بنفسي قبل أن أكتشف لاحقاً أنها متداولة أيضاً، ادعاءات من مثل: أصلاً، ما الذي يدعو الإنسان لقراءة "في انتظار غودو" غير أننا نعرف أنه لن يأتي أبداً. السبويلر، أحياناً، قد يكون الدعوة الحقيقيّة الوحيدة لقراءة العمل.

مثلاً؛ من منّا سيقرأ دون كيخوتة لو أننا لم نعرف أنه سيقاتل طواحين الهواء؟ أي مللٍ كان سيصيبنا لو أن ساحرات شكسبير الثلاث لم تخبرن ماكبث والقرّاء، منذ البداية، بمصيره؟ وماذا عن النبيّ العرّاف ترسيّاس في الأسطورة الأغريقيّة (ذاك الذي كان ذكراً ثمّ عاقبته الربّة هيرا فحوّلته أنثى، ثم عفت عنه وأعادته ذكراً، ثم تناقرت هيرا مع زوجها زيوس كبير الآلهة على سؤال "من يستمتع أكثر أثناء السكس، الذكر أم الأنثى؟" فاختاروا أن يحكم بينهما ترسيّاس لأنّه جرّب الطرفين، ولمّا وقف ترسيّاس في صفّ زيوس، شاطت هيرا - مثلما شاط سعيد في بداية هذه المقالة- وعاقبت ترسيّاس فجعلته أعمى، بينما كافأه زيوس وجعله عرّافاً يبصر المستقبل)؟ ترسيّاس صرخ في وجه أوديبوس نهاية المسرحيّة في الثلث الأوّل منها: "أنت قاتل الرجل، أنت القاتل الذي تطارده (...) إنك تمارس الفاحشة مع أقرب الناس إليك دون أن تعرف" (أو شيء من هذا القبيل). أما في مسرحيّة أنتيغون فإن ترسيّاس، ذاته، يحكي للملك كريون كيف ستكون نهايته. الإغريق أغرقونا بالسبويلرز، بل كان عندهم، عملياً، نبيٌّ خاصٌّ للسبويلرز، ولم يزعج ذلك أحداً. والآن، على حظّي، يخاف الجميع من السبويلرز؟

خيبة الآمال الكبيرة

بعد أن وجدت أغلب الادعاءات التي لديّ مكرّرة، قرّرت أن لا مفرّ من التكرار، وأن عليّ بدل الإبداع أن أجعل الادعاء متيناً وجاهزاً للمواجهة القادمة مع سعيد. سأحرص أن يكون ذلك في ذات المقهى وأمام ذات الناس، وسأقول هناك بصوت ساخرٍ وواثقٍ: إن الـ"سبويلرفوبيا" بدعة تافهة يبالغ من خلالها الناس في إظهار تعلّقهم بالأدب أو السينما أو المسرح أو النتفليكس.

قرّرت الاستعانة بالإنترنت. وجدت دراسة من عام 2011 تثبت بأن الانكشاف للسبويلر يزيد من متعة المشاهدة أو القراءة. تقول الدراسة إنّ معظم من انكشفوا لنهاية الحبكة أو لمفاصل أساسيّة منها وجدوا متعةً أعلى وكانوا أكثر وعياً بالجماليّات والتفاصيل الصغيرة في الحبكة. ورغم أن الدراسة كانت مقنعة وعلميّة ومتماسكة إلا أنّي قرّرت عدم اعتمادها في الدفاع عن موقفي. فأنا، في نهاية المطاف، أفضّل خسارة الحرب على أن أكون ذلك الشخص السمج الذي يقطع النقاش قائلاً: "بس في أبحاث أثبتت، بقدر أبعثلك لينك!".

واصلت البحث في الموضوع إلى أن لمع في عيني اسمٌ غاب عن بالي: روجر إيبيرت! واحد من أهم نقّاد ومؤرّخي السينما عالمياً، 46 عاماً من الكتابة عن السينما، الناقد السينمائيّ الوحيد الحائز على جائزة بوليتسر ونجمة تحمل اسمه بين النجوم على أرض هوليوود، ومؤلّف أربع مجلّدات الـ Greatest Movies – ومن يقرأ في هذه المجلّدات الأربعة يعرف جيّداً أنّها أربع مجلّدات سبويلرز خالصة! هذا الرجل الذي حرق The Goodfellas على صفحات الجريدة، الذي فصفص بالكلمة جرعة إيما ثورمان الزائد في Pulp Fiction، إيبيرت الذي فصّل واحداً من أهم مشاهد الجوكر في باتمان The Dark Knight. أكيد أنّه كتب أفضل دفاع عن السبويلرز. هذا هو، دون أدنى شك، السلاح القاصم الذي سيحسم المعركة.

ثم دخلت إلى المقال الذي كتبه إيبيرت عام 2005. واسودّت الدنيا في وجهي. كان عنوان المقال: "لا حقّ للنقّاد بنشر السبويلرز". يبدأ إيبيرت مقاله بتحذير من أن المقال قد يحتوي على سبويلرز، ثم يقول: "ليس من حقّنا أن ندمّر للآخرين تجربتهم في أن يتفاجأوا من الخيارات [التي تتخذها الشخصيّات] كما تفاجئنا نحن،" ويضيف، "قبل بضع سنوات بدأت ألاحظ تحذيرات من سبويلرز في مواقع تقييم الأفلام على الانترنت (...) بعد أن سمعت عن قرّاء كثر يتهمونني بأنّي أكشف من القصّة أكثر من اللازم، بدأت استعمل هذه تحذيرات السبويلرز في مقالاتي"... حتّى أنت يا إيبيرت؟

رغم خيبة الأمل التي كسرت قلبي، فهمت من السطور الأولى للمقال أنه يخوض معركةً أكثر جديّة من معركتي الخاصّة: عام 2004 عُرض فيلم "Million Dollar Baby" لكلينت إستوود: ماغي، نادلة تقرّر تغيير مسار حياتها وتبدأ بتعلّم الملاكمة. مدرّبها، فرانكي، يقف إلى جانبها لتحقق أحلامها. خلال مباراة القمّة تُصاب ماغي بكسرٍ في العنق يؤدّي إلى شللٍ تام في جميع أطرافها. لا تكون قادرةً على الحركة بتاتاً، وبالتالي لا تكون قادرةً على وضع حدٍّ لحياتها فتطلب من مدرّبها، فرانكي، أن يساعدها على الانتحار، أي أن يقتلها.

بعد عرض الفيلم، كتب معلّقان من اليمين الأمريكيّ، روش ليمباوغ وميكائيل ميدفيد، (ويرفض إيبيرت أن يسمّيهما ناقدين سينمائيين) نقداً للفيلم يكشف الكثير عن القصّة. يرى إيبيرت أن المعلّقين اليمينيين لديهما رؤية دينيّة محافظة مناهضة لـ"الحق في الموت"، وأنهما استخدما السبويلرز في النقد السينمائيّ كوسيلة لتخريب متعة المشاهدة ووصم الفيلم بهويّة سياسيّة، وردع الناس عن مشاهدة الفيلم. من جهةٍ أخرى دافع المعلّقان عن أنفسهما بأن المُشاهد من حقّه أن يعرف ما الذي سيشاهده. أنّه ليس من حقّ صنّاع الفيلم أن يعلنوا عن دراما ملاكمة، ثم يكون الفيلم في نهاية المطاف "دعوةً لقتل النفس".

المنظّمة الأمريكيّة لمصابي النخاع الشوكيّ أصدرت بياناً فيه معلومات عن فحوى الفيلم. إيبيرت نفسه يقول إنّه قرأ رسالة امرأة ابنها مصاب بشللٍ رباعيّ، وهي تقول إن السبويلر أنقذها من الضرر الكبير الذي كان يمكن أن يتسبب به الفيلم لطفلها لو شاهده. إيبيرت يعالج هذه المسألة الأخلاقيّة ببرودٍ مزعجٍ: واجب منظّمة مصابي النخاع الشوكيّ أن تقوم بمسؤوليّاتها اتجاه المصابين وتكشف موضوع الفيلم، لكنّ ذلك ليس جزءاً من عمل الناقد السينمائيّ.

اوكي، أنا الآن في مأزقٍ حقيقيّ، عمليّ وأخلاقيّ في آن. من جهة، إيبيرت ملك السبويلرات تخلّى عنّي وبدأ يقاوم الظاهرة، وهو علاوةً على ذلك ينادي بموقف لا يمكن لي الدفاع عنه أبداً – أن النقد شيء والمسؤوليّة اتجاه حياة الناس شيء آخر. هذا من جهة، ولكن من جهة أخرى، ودون أن أنتبه، أصبحت في الخندق المدافع عن السبويلرات رفيقاً لحضيض اليمين الأمريكيّ الرجعيّ اللذين أكاد أجزم أن واحداً منهما على الأقل يمتلك محطّة راديو خاصّة وطقم رشاشات أوتوماتيكيّة يتسلّى بها في نهاية الأسبوع (روش ليمباوغ، أكيد!). وهذا لا يليق قطعاً بشابٍ مثلي، من صفوة الشباب اليساريين، ولا يمكنه، قطعاً، أن ينقذ موقفي أمام الناس في المقهى. الآن أنا، هنا، في ورطة حقيقيّة. أخشى أن سعيد وجميع كارهي السبويلرات في العالم، انتصروا.

تويست، لا بد من تويست

عندما يقع البطل في مأزقه الأكبر وتنسدّ الدنيا في وجهه، لا بدّ من تويست-  أيّ التواء بهلوانيّ ما في الحبكة يحلّها بشكلٍ مفاجئٍ وصادم. هذه أداة دراميّة تعتمد على المفاجأة بالضرورة. ولأنّها كذلك، فإن السبويلر هو العدوّ الأوّل للتويست. والآن، أمامنا معضلة جديّة. أنا بحاجة لتويست ناجح حتّى أستطيع أن أدافع عن موقفٍ مؤيّد للسبويلرات. مفارقة.

طيّب، أسهل شيء عندما تكون في مأزقٍ، وليس في يدك لعبة بارعة تلعبها في الحبكة، هي أن تستخدم أداة الحبكة المعروفة بأسم "Deus Ex Machina" ("إله من داخل الماكنة"). هذه الأداة معناها أن نضيف عاملاً من خارج القصّة، من خارج الحبكة وتسلسلها المنطقيّ، عاملاً ما ورائيّاً مثلاً، إلهيّاً، لم يظهر سابقاً في القصّة، فيحلّ لنا المأزق. لنقل في حالتنا أننا سنستحضر الوحي. جاء الوحي وقال، مثل خيرة مدرّبي التنمية البشريّة والإن-جي-أوز: "فكّر خارج الصندوق".

"فكّر خارج الصندوق". فكّرت. عليّ أن أخرج من ثنائيّة "مع السبويلر أو ضد السبويلر"، عليّ أن أهاجم الخصم من جهةٍ لا يتوقّعها. نزل الوحي، لمعت الفكرة. يوريكا! نقيض السبويلر! ماذا عن نقيض السبويلر؟ لنسأل الأخ سعيد السؤال الآتي: إذا كنت تبحث عن المفاجأة، ألن يكون وقع المفاجأة أقوى لو قلت لك، مثلاً، أن غودو سيأتي، فزدت من ثقتك بأنه سيأتي، فتضاعفت صدمتك عندما تنتهي المسرحيّة بلا شيء سوى الانتظار؟ ألن تكون الصدمة الفاجعة أكثر ترويعاً حين تقرأ لوليتا وتكتشف أنّها لا تنتهي بلجوءٍ إلى الدير ومن ثم حياة هانئة سعيدة، مثلاً؟ أليس من الأشرس أن يكون هذا ما تنتظره عندما تكتشف أن الطفلة تهرب من البيدوفايل هومبرت إلى البدوفايل كويلتي الذي أراد أن يشغّلها بالبورنوغرافيا، وأن هومبرت يقتل كويلتي ويذهب إلى السجن ويموت هناك وتتزوّج "لوليتّا" في سن الـ17 وتنجب طفلةً. أليست صدمةً أعظم إن ظننت أنّها ستنجب طفلةً تسميها شارلوت على اسم الراهبة التي رعتها، ثم تكتشفت أنّ شارلوت هو أسم أمّ لوليتا التي قُتلت في حادثٍ؟ وأن الجنين وُلد ميّتاً؟ وأن لوليتّا ماتت أيضاً أثناء الولادة؟ وفي هذا السياق بالذات، ألن تتضاعف صدمتك حين تُمسك الكتاب وتكتشف بأن هذه النهاية، كلّها، مذكورة في أول صفحتين من الرواية؟

أوكي، لنعترف الآن أن التويست لم يكن مصدره الوحي الخارجيّ، وبالتالي لا يمكن تصنيفه "Deus Ex Machina"، إنما كان مزروعاً في المقال منذ البداية بسبق إصرار وترصّد. أعترف بالجُرم. لذلك فهو أداة دراميّة شهيرة أخرى اسمها "مسدّس تشيخوف". وهي تقول بأن "المسدّس" الذي يظهر في الفصل الأوّل (أو الثاني في حالتنا، مع الاعتذار من تشيخوف) لا بدّ أن يطلق النار في الفصل الأخير.


أبيلوغ

لست مقتنعاً بحجّتي. أستطيع أن أركّب شيئاً من هذه الادعاءات وأحسم النقاش القادم وأستعيد بعضاً من كرامتي في المقهى. ولكنّي لست مؤمناً بما أقول. أعرف جيّداً أن الأمر ليس له علاقة بتأجيج الإثارة أو المفاجأة. هناك شيء آخر. رغبة الإنسان أن يدخل الوهم الدراميّ بريئاً، لوحة بيضاء صافية لا يعكّرها التوقّع ولا التمنّي. نريد أن نخضع للتجربة، أن نتركها تأسرنا وتحملنا إلى عوالم أخرى نطير نصارع فيها التنانين، أو ننقذ ملكة بريطانيا، أو نهرّب الكريستال ميث. نحن لا نستلقي بعد يوم عملٍ طويل حتّى نحلل الحبكة، وحركة الكاميرا، وطريقة تحدّث الشخصيّات، والموسيقى، والتناص. هذا كلّه يذوب في مزيجٍ واحدٍ من الوهم الدراميّ الذي لا يرغب أحد بتفكيكه.

وحدة الإنسان هي شرط الدراما. عزلته عن الآخرين، عن كلّ ما يشتته ويسحبه من الوهم إلى الواقع. وعزلته عن نفسه أيضاً: عن ماضيه، عن شخصيّته، عن أخلاقيّاته، وعن... عن لغته. توغّل الوحدة المستمر في حياتنا هي شرط أساسيّ في أن يبقى الانتاج الدراميّ يُدهشنا كل مرةٍ من جديد ويتجاوز ذاته. التقنيّة التي تفسح المجال لوحدتنا، أو بالأحرى تضيّق الدوائر حولنا، هي ذاتها التقنيّة التي تحمل على كفّها الدراما المذهلة كلّ مرةٍ من جديد.

أما الخوف من السبويلر فهو ليس إلا حاجزاً، حاجزاً طبيعياً ينشأ ليحمينا داخل وحدتنا. جدار نربّيه ليحمي قدرتنا على الصمود في وجه العزلة من خلال الوصول إلى خلاصة وعصارة الإثارة والدهشة والتوهّم. أن ندخل التجربة الحسيّة أنقياء من لعنة الآخرين، من طريقتهم الغبيّة والسمجة في التعبير عن الأشياء (وتُسمّى الكلام). نحن لا نريد أن نسمع عن الأحداث، نحن لا نريد أن نرى الأحداث. نحن نريد أن نعيشها. وأن نعيشها يعني أن تكون هي الحاضر. وأن لا يكون لنا أي ماضٍ آخر غير ما عشناه فيها، وأننا لا نريد أن نبصر المستقبل إذ أن في ذلك دعوة للهلاك.

هذا ليس حكماً أخلاقيّاً، ولا هو نوستالجيا لماضي كانت فيها السينما محور صناعة الثقافة. الحنين برمّته هبلاً. قد يكون خوفاً سياسياً، لكنّه عبثيّ هو الآخر، تتردّد فيه مزامير وولتر بنجامين المحنّطة. لكن هذه طبيعة الأمر ويجب التوقّف عندها والاعتراف بأن الخوف من السبويلر قائم، وهو ليس ثقل دمٍ بل هو حاجة اجتماعيّة تتعلّق في كيفيّة تناول الإنسان في عصرنا للعمل الفنيّ. وعلى الإنسان إن أراد أن يكتب أو يصوّر شيئاً جميلاً لعصرنا هذا، أن يفهم كيف يحاكي هذه الوحدة، وكيف يتعامل مع مسألة الوهم.

لماذا أنبش الأمر كلّه إذن؟ لأنّي متمسّك باستعادة شيء من كرامتي أمام روّاد المقهى وأنتقم من إهانة أصابتني أمام الناس. ويبدو للوهلة الأولى بأنّي فشلت، ولم أجد جواباً مقنعاً يثبت تفاهة الخوف من السبويلرز. وهذا صحيح، لكن الانتقام يأتي على مزاجه. وتشيخوف يقول إنّ المسدّس الذي يظهر في الفصل الأوّل (الأوّل يعني الأوّل) لا بد أن يُطلق في الفصل الأخير. ولهذا تعمّدت أن أذكر اسم صديقي - سعيد. والآن، وقد نُشر المقال وصار أمامكم، فإن أمّي (وهي تقرأ فخورة ما يكتب ابنها الغزال) ستقرأ أوّل فقرتين ثم تملّ من كثرة كلامي. لكن أوّل فقرتين كافيتان لتعرف أمّي بأن سعيد كان قد أبدع ولوّن في شتمها أمام الناس. وكونوا على ثقةٍ تامّة بأنّها ستمسح فيه الأرض أينما رأته وكلّما رأته. وهذا سيكون كفيلاً بأن تنتهي هذه القصّة نهايةً سعيدة، وأخرج منها منتصراً.



25 ديسمبر 2018
عند جبل حيدر

لا الثورة ولا النكبة ولا كل هذه العقود يمكن أن توقظ في ذاكرة عمران ورفاقه تلك السهرة عند جبل حيدر…