18 سبتمبر 2021

عن الهيئات التنظيميّة في السجون

لماذا يحرقُ الأسرى غُرَفهم؟

لماذا يحرقُ الأسرى غُرَفهم؟

في أغسطس/آب 2015 هدّدت الهيئةُ القياديّة العليا لحركة الجهاد الإسلاميّ في سجون الاحتلال بحلِّ نفسها وكلِّ الهيئات التنظيمية للحركة داخل السجون، كخطوةٍ احتجاجيّةٍ على نقل عددٍ من أسراها بشكلٍ تعسفيٍّ من سجن ريمون إلى زنازين سجن نفحة. أدّى ذلك التهديد في حينه إلى تراجع إدارة السّجون عن قرارها وبالتالي عدم نقل أولئك الأسرى. 

بعد ست سنوات، وتحديداً في سبتمبر/أيلول 2021، وعلى إثر هروب ستة أسرى فلسطينيين، خمسة منهم من حركة الجهاد، من سجن جلبوع، حلّت إدارةُ مصلحة السجون الإسرائيليّة بنفسها الهيئاتِ التنظيميّة لحركة الجهاد. يشرح هذا المقال بعضاً من جوانب الهيئات التنظيميّة للفصائل الفلسطينيّة داخل السجون، وكيف تُستخدم هذه الهيئات كورقة تهديدٍ بيد الأسرى أحياناً، وكيف تتحوّل لخطوةٍ عقابيّةٍ مُوجهةٍ ضدّهم في أحيانٍ أخرى.

بعد هروب الأسرى الستة، عاشت السجون حالةً من التوتر والغليان، إذ اتخذت مصلحة السجون الإسرائيليّة سلسلةً من الإجراءات العقابيّة بحقّ الأسرى، وقد ترافق ذلك مع حملة تحريضٍ كبيرة عبر الصحافة الإسرائيليّة وحسابات الصحفيين الإسرائيليين المعروفين كلها تصب في خانة الادعاء أنّ "الأسرى هم من يُدير السجون وليس السجانين".

وتفيد المعلومات الواردة من السجون أن قائمة العقوبات تضمنت: تقليص عدد ساعات الخروج للساحة "الفورة"، وتقليل عدد زيارات الأهالي، والتحكم في بعض المرافق التي كان الأسرى يُديرونها، وهي إجراءات تراجعت عنها مصلحة السجون لاحقاً. هذا بالإضافة للاعتداءات التي تعرّض لها أسرى سجن جلبوع والتي لا تزال تفاصيلها مخفية بسبب عدم إمكانية التواصل معهم. 

أما أسرى حركة الجهاد الإسلامي، فقد كان من نصيبهم جملة عقوبات خاصّة، تمثّلت في حلّ هيئتهم التنظيميّة، وذلك عبر عزلهم عن بعضهم البعض، ومنع التواصل فيما بينهم، وتوزيعهم على غرف الفصائل الأخرى، وتوصيف الحركة كتنظيمٍ محظور في السجون، وهي خطوة أبلغت إدارةُ السجون ممثلي الفصائل الأخرى في بداية المفاوضات أنها "لن تتراجع عنها بأي حال من الأحوال". ردّ أسرى حركة الجهاد على حلّ هيئتهم التنظيميّة بحرق غرفٍ في سجني ريمون والنقب، وتُعتَبر هذه الخطوةُ أقصى درجات الاحتجاج التي يلجأ لها الأسرى في مواجهة أخطر أنواع القمع. 

كيف تشكّل التمثيل الجماعي في السجون؟

ولعلّ ذلك يكشف عن أهمية التمثيل الاعتقاليّ بالنسبة للأسرى، فهو بالإضافة إلى كونه حاجة جماعيّة سياسيّة مرتبطة بمبدأ وحدة الجماعة الواحدة والتمايز الفصائلي، فإنّه يُشكّل أيضاً حاجةً شخصيّةً لكلِّ أسيرٍ لاعتقاده أنَّ انتمائه للجماعة يُحقق له نوعاً من الحماية ومنع الاستفراد. وقد تبلور الشعور بهذه الفكرة بعد أول إضرابٍ جماعيٍّ خَاضَهُ الأسرى عام 1976، والذي كان مطلبياً بالأساس، لكنّه أسس لمبدأ العمل الجماعيّ في السجون أو ما يمكن تسميته "مجتمع السجون".

ومع انطلاق عددٍ من حركات المقاومة في نهاية الستينيات، من بينها الجبهتان الشعبيّة والديمقراطيّة لتحرير فلسطين، أصبح الفرز التنظيميّ داخل السجون أكثر وضوحاً لوجود معتقلين من خلفيات أيديولوجية وفكريّة مختلفة، وتغلّبت العلاقاتُ الفصائليّة على العلاقات الاجتماعية القائمة على المناطقية بالأساس أو العلاقات الشخصيّة.

أدرَكت إدارةُ مصلحة السجون الإسرائيليّة بعد إضرابي 1976 و1977 خطورة وجود نخبةٍ تقود الأسرى وتُمَثِّلُهم، وتنسق الخطوات الجماعيّة دفاعاً عن حقوقهم، فعمدت إلى عزل كوادر الحركة الأسيرة في سجن نفحة من أجل عزلهم وإنهاء الحالة التنظيميّة داخل السجون. ردّ الأسرى على ذلك بإضرابٍ نُظم في يونيو/تموز 1980 استمر لمدة 32 يوماً، رضخت مصلحةُ السجون بعده لمطالب الأسرى وأصبحت تتعامل مع الهيئات التنظيمية كأمرٍ واقعٍ تبحث عن طُرق الاستفادة منه لأنه أصبح من غير الممكن تجاوزه أو إنهاؤه.

اقرؤوا المزيد: "يوميات أسرى في الفورة".

تطوّر عمل الهيئات التنظيميّة لاحقاً ليتجاوز دور مواجهة الإدارة وتحصيل الحقوق منها، إلى دورٍ داخليّ يتمثّل في إعداد النظام الداخليّ لكل تنظيم، وتشكيل لجان متخصصة لإدارة كافة مناحي الحياة الاعتقالية، ثقافيّاً وسياسيّاً وإداريّاً. وبعد انطلاق حركتي الجهاد الإسلامي و"حماس" في ثمانينيات القرن الماضي، انضوى الأسرى تحت إطار خمسة فصائل رئيسية لديها غرف تنظيمية، يشار إليها في السجون بـتعبير الفصائل "المعترف بها وطنياً"، وهي: "فتح"، "حماس"، الجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية.

تُدير الفصائل في السجون شؤونها من خلال هيئاتٍ تنظيميّة، فلكل قسمٍ داخل السجون هيئة تنظيميّة مسؤولة عن إدارته، وتُنتخب هيئة عامة لإدارة شؤون الفصيل على مستوى السجن الواحد، وتضمُّ بشكلٍ أساسي مُمثلَ التنظيم لدى إدارة السجن ومسؤول عام للتنظيم وهو أرفع منصب تنظيمي في السجن، ومسؤول عن تنسيق العلاقات مع الفصائل الأخرى. وبالإضافة لذلك يختار الأسرى هيئة تنظيمية مركزية تُمثل الأسرى في كافة السجون يُطلق عليها الهيئة القيادية العليا. وأعطى هذا التمثيل التنظيميّ بعداً سياسياً نضالياً إضافياً للاعتقال، ففي الوقت الذي ترفض فيه "إسرائيل" التعامل مع الأسرى الفلسطينيّين كأسرى حرب وفق القانون الدولي، يقوم الأسرى - ولو معنوياً- بفرض صفتهم السياسية كمناضلين من خلال هذا التمثيل.

وقد حدَّد هذا الواقع التنظيميّ في السجون العلاقةَ بين السجان والأسير، فلم يعد بمقدور الأخير المطالبة بحقوقه بشكلٍ فرديّ ومباشر (إلا في حالة الإضراب عن الطعام للإداريين وحالات استثنائية نادرة أخرى)، وإنما من خلال مُمثليه. وقلّص هذا الواقع كذلك من إمكانية قيام أسير بمفرده بخطوات احتجاجية بغض النظر عن حدتها، وبالتالي لم تعد قرارات المواجهة أمراً خاصّاً بالأسير، وساهم ذلك في تقليل التوترات في السجون. كما أنّ مطالب الأسير تُقدّم عبر ممثليه، فلا وجود لعلاقة مباشرة تجمعه مع السجان، وبالنسبة للممثل فإنه يُعدّ قائمةَ مطالب خاصّة وجماعية بشكل دوري ليُناقشها مع الجهات المختصة في مصلحة السجون، والتي بدورها وصلت لنتيجة مفادها أنّ الهيئات التنظيميّة عنصر استقرار نسبيّ، وذلك رغم كونها ورقة قوّة بيد الأسرى لقدرتها على قيادة خطوات احتجاجيّة جماعيّة.

يُمكن وصف هذا الوضع الذي يُدير فيه الأسرى أنفسهم بأنفسهم بأنّه نوعٌ من "المصلحة المتبادلة" بين طرفي المعادلة؛ إنَّ عدم وجود ضابطٍ تنظيميٍّ يجعل مصلحةَ السجون في حالة تأهبٍ مُستمرٍ تحسباً لأيّ عملٍ فرديّ يُمكن أن يُقدِم عليه أحدُ الأسرى، كطعن سجّان أو رشقه بالماء الساخن أو ما هو أقلّ من ذلك حدة، وبالتالي فهي بحاجة للشعور بالاستقرار من أجل وقف حالة الاستنزاف التي قد تتعرض لها نتيجة تعاملها بشكلٍ مباشر مع قضايا وقرار كلّ أسيرٍ على حدة، وهو أمر تدركه قيادةُ الحركة الأسيرة، واستفادت منه في تحصيل حقوق الأسرى، وكورقة ضغطٍ وتهديدٍ في بعض الحالات.

اقرؤوا المزيد: "الترددات القادمة من جحش السجن".

وتتعامل إدارةُ مصلحة السجون مع تهديد الحركة الأسيرة بحلّ الهيئات التنظيميّة على أنّه تهديدٌ "انشطاريّ" يحمل في طياته جملةً من التهديدات، فهو بمثابة إخلاء مسؤولية عن خطواتٍ متفق عليها مُسبقاً بين الأسرى تأخذ طابعاً فرديّاً، كعمليات الطعن وعدم الامتثال لقرارات وإجراءات السجانين الروتينية كـالعدد والفحص الأمني. يضعُ هذا الأمر مصلحةَ السجون في أقصى درجات التأهب، والتي غالباً ما يُقدّر الأسرى أنّها لن تستطيع الاستمرار بها لفترةٍ طويلة، وتتمثّل في زيادة عدد الكادر البشريّ وتجهيزاتِه واحتياطاتِه، والتعامل بحذرٍ شديدٍ عند دخول أقسام السجن، ومواجهة عشرات حالات الاحتجاج الفرديّ التي تضطر الإدارةُ للتعامل معها من خلال قوّةٍ خاصّة.

لكن استهداف فصيلٍ بمفرده وتوزيع أسراه على غرف الأسرى، كما هو الحال اليوم، قد يكون اختباراً لآليات عمل إسرائيلية جديدة، تكتشف مصلحة السجون في النهاية أنها أفضل من التقليدية، لذلك فإن الدفاع عن هيئة الجهاد التنظيمية هي مهمة عامة في السجون، وقضية قد تمس كل الفصائل لاحقاً.

صورة جوية لسجن مجدو شمال فلسطين المحتلة في 20 آب / أغسطس 2003. حيث استخدم جيش الحتلال الغاز المسيل للدموع والرصاص وخراطيم المياه ضد الأسرى الفلسطينيين. تصوير: MEIR PARTUSH/AFP

ويبدو أنّ إدارة مصلحة السجون قد تراجعت عن بعض إجراءاتها بعد تهديد الحركة الأسيرة بخوض إضراب مفتوح عن الطعام، كما توضح مصادر في الحركة الأسيرة، لكنها تحاول الإبقاء على بعض العقوبات الرمزية لكي تحفظ بها ماء وجهها أمام الجمهور الإسرائيلي، الذي يلاحق أخبارها بشكل استثنائي غير مسبوق، إلى درجة أن الصحفيين الإسرائيليين أصبحوا ينقلون آخر تطورات المفاوضات مع الأسرى والعقوبات الخاصة بأسرى الجهاد من خلال تصريحات رئيس هيئة الأسرى وصفحتها الرسمية. ولهذا السبب تصر حتى اللحظة على عزل بعض قيادات حركة الجهاد بالإضافة لمنع وجود أكثر من غرفتين للحركة داخل القسم الواحد، لكن سقفها الأعلى في العقوبة قد خُرق عندما وافقت أن تعود هيئة الجهاد لممارسة عملها، لأن عكس ذلك ليس أقل من إعلان حرب في السجون.



22 سبتمبر 2019
بنوك تزدهر، اقتصاد يتحطّم

تروج السلطة لإمكانية تحقيق رفاه اقتصادي وإرساء أسس اقتصاد فلسطيني. بينما في الحقيقة لا يزداد هذا الاقتصاد إلا ارتباطا وخضوعا…