15 أبريل 2019

كيف ترى الأجهزة الأمنيّة المصريّة “حماس”؟

كيف ترى الأجهزة الأمنيّة المصريّة “حماس”؟

يتناول هذا المقال نظرة الأجهزة الأمنيّة المصريّة المختلفة -التي تتنوّع اختصاصاتها ومسؤولياتها- إلى حركة “حماس”، وطبيعة المقاربات التي تتبعها في التعامل مع الحركة ضمن السياسة العامة للنظام المصريّ، سواءً قبل ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 أو بعد يوليو/ تموز 2013.

بدايةً، ينظر النظام المصريّ إلى حركة “حماس” باعتبارها إحدى المهددات لأمنه القوميّ، إذ يعتبرها جناحاً من أجنحة جماعة الإخوان المسلمين، وتعاظمت هذه النظرة خاصّةً بعد سيطرتها على قطاع غزة عام 2007[1]. على صعيد النهج والسياسة، فإنّ الحركة تتبنى خيارَ المقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يُمثّل نهجاً مُغايراً للنهج المصري المتبني لمسارات أوسلو والحلّ السلميّ للقضية الفلسطينية، بل الذي وقع بنفسه اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال. كما يساهم في هذا الموقف المصريّ المُعادي أنّ لدى “حماس” علاقات جيّدة مع دول إقليميّة تتبنى سياساتٍ مُخالِفَة لتلك التي يتبناها النظامُ المصريّ، مثل إيران وقطر وتركيا.

تلك الأسباب عبّر عنها المسؤولون المصريّون في تصريحات متنوعة. مثلاً، عقب فوز “حماس” بالانتخابات التشريعيّة عام 2006، اعتبرَ رئيسُ المخابرات المصريّة العامة السّابق اللواء عمر سليمان أنّ من حقّها الحكم، ولكن بعد أن تستوفي ثلاثة شروط، وهي “وقف العنف، واحترام الشرعية الدوليّة من خلال احترام المعاهدات الموقعة سابقاً، والاعتراف بإسرائيل”.1. لاحقاً، عدَّ الرئيسُ السّابق محمد حسني مبارك سيطرة “حماس” على غزّة انقلاباً على الشرعية الفلسطينيّة. أما رئيس لجنة العلاقات الخارجيّة السابق في مجلس الشّعب مصطفى الفقي، فقد قال حينها إنّ “مصر لا يمكن أن تتحملَ قيام إمارةٍ إسلاميّةٍ على حدودها الشرقيّة”.2. فيما قال السّفير المصري السابق في تل أبيب، محمد بسيوني، إنّ “حماس تُطلق الصواريخ على “إسرائيل” دون الالتفات لمصالح الشعب الفلسطيني، ولكن مراعاةً لإيران التي تتلقى منها أموالاً”.3.

في ظلّ العوامل السابقة، اضطر النظام المصريّ منذ عهد مبارك للتعامل مع حركة “حماس”، خاصّةً أنّها صارت رقماً في المشهد الفلسطينيّ، ولكن جرى التعامل معها باعتبارها ملفاً أمنيّاً أكثر منه سياسيّاً.

الأجهزة الأمنية المصرية، ونقاط التماس مع حركة “حماس”

تتشكّل المنظومة الأمنيّة المصريّة من ثلاث أجهزةٍ رئيسة؛ المخابرات العامّة، وقطاع الأمن الوطنيّ، وجهاز المخابرات الحربيّة والاستطلاع. يتخصص كلُّ جهازٍ بالإشراف على ملفات محددة له، وتلتزم تلك الأجهزةُ بالسياسة العامّة للنظام المصريّ، وتعمل وفق نهج تقاسم الأدوار لا الجُزر المنعزلة.

جهاز المخابرات العامّة

يتبع جهاز المخابرات العامّة لرئاسة الجمهورية بشكلٍ مباشرٍ، ويشرف على “القضايا التي تمسّ الأمن القوميّ للدولة، بالإضافة إلى أنه معنيٌّ بكل ما يخص أنشطة الدول الأجنبية داخل البلاد”. يقع الملف الفلسطينيّ ضمن الملفات التي يمسك بها الجهاز، وينظر إلى حركة “حماس” باعتبارها أمراً واقعاً لا بدّ من التعامل مع إلى حين وجود بديلٍ لها، أو إلى حين التمكّن من تطويعها وتغيير نهجها، وسحبها إلى مربع الحلّ السلميّ. كما يتعامل جهازُ المخابرات العامّة مع الحركة فيما يخصّ ملفات التهدئة مع دولة الاحتلال، والحوار الوطنيّ الفلسطينيّ، وحصار قطاع غزّة، ومفاوضات صفقات الإفراج عن الأسرى، مثل صفقة إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2011 مقابل الإفراج عن 1027 أسيراً فلسطينيّاً. من ناحية أخرى، لم يتورط الجهاز بشكلٍ مباشرٍ في قضايا توقيف أو تعذيب عناصر من حركة “حماس”.

جهاز الأمن الوطنيّ

يتبع جهاز الأمن الوطنيّ لوزارة الداخليّة المصريّة، ويختصّ “بالحفاظ على الأمن الوطنيّ، والتعاون مع أجهزة الدولة المعنية لحماية وسلامة الجبهة الداخليّة، وجمع المعلومات، ومكافحة الإرهاب”. وفقاً لذلك، فإنّ تماسّ الجهاز مع حركة “حماس” يرتبط بالأحداث التي تقع داخل الأراضي المصريّة. وقد لوحظ ضمن بنية الهيكل التنظيمي لجهاز أمن الدولة قبل الثورة تواجد قسم يُدعى “قسم فلسطين” تابع لمجموعة “فلسطين والصهيونية”، وهي مجموعة مُندرجة ضمن الإدارة العامة للنشاط الخارجيّ داخل الجهاز. ترأس تلك المجموعة عام 2008 وزير الداخلية المصريّ الحاليّ اللواء محمود توفيق.4.

ينظر جهاز أمن الدولة إلى حركة “حماس” باعتبارها حركةً إرهابيّةً تُمثّلُ رديفاً لجماعة الإخوان المسلمين داخل مصر، فضلاً عن اعتباره قطاع غزّة بمثابة عمقٍ لوجستيّ يمدُّ العناصر الجهاديّة المصريّة بالأفراد والسّلاح والخبرات. في هذا الإطار وجّهَ الجهاز أصابع الاتهام عام 2006 لبعض الجهاديّين الفلسطينيّين مثل هشام السعيدني الشهير بأبي الوليد المقدسي5، بتدريب ودعم عناصر “جماعة التوحيد والجهاد”، التي نفذت هجمات ضخمة استهدفت السياح الأجانب جنوب سيناء خلال الفترة الممتدة من عام 2004 إلى 2006.6.

في مطلع عام 2008 أوقف جهاز أمن الدولة القياديّ في كتائب القسام أيمن نوفل أثناء تواجده في مدينة العريش، وذلك ضمن جموع الفلسطينيين الذين تجاوزوا الجدار العازل الحدوديّ لشراء مستلزماتهم الحياتية إثر اشتداد الحصار على قطاع غزة حينها. دارت التحقيقات مع نوفل حول نوعية الأسلحة والصواريخ التي تحوزها “حماس”، ومصادر التمويل الخاصّة بها، وهيكلية جهازها العسكريّ، بالإضافة إلى السؤال حول مكان تواجد الجندي الإسرائيليّ المأسور شاليط. كما اتهمّ الجهازُ عناصرَ جهاديّة فلسطينيّة، منهم أفراد من آل دغمش، بالضلوع في تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية قبيل ثورة يناير 2011. ثمّ عقب اندلاع الثورة وَجَّهَ الجهازُ اتهاماتٍ لحركة “حماس” بالضلوع في مهاجمة السّجون المصريّة، وتهريب القيادي أيمن نوفل من سجن المرج، وهي القضية المشهورة باسم “الهروب من السجون”.7.

إثر الانقلاب العسكريّ في مصر، اتّسمت علاقة الجهاز مع “حماس” بمزيد من العداء، من ذلك أنْ فُتِحت قضية قضائية ضدّ الرئيس المصري السّابق محمد مرسي وعدد من مساعديه، اشتُهِرَت باسم “التخابر مع حماس”.8.

كذلك ادّعت وزارةُ الداخليّة حينها أنّ التحقيقات مع بعض الموقوفين في قضايا كُبرى مثل قضية “أنصار بيت المقدس”9، وقضية اغتيال النائب العام هشام بركات عام 2015، كشفت عن تلقي بعض العناصر المُسلّحة تدريباتٍ على يد عناصر من كتائب القسّام في قطاع غزّة.10. لاحقاً، ورد اسم اثنين من قادة كتائب القسّام في قضية “أنصار بيت المقدس”، وهما أيمن نوفل، ورائد العطار.

جهاز المخابرات الحربيّة

يتبع هذا الجهاز للجيش المصريّ ويختصّ بمتابعة القضايا المتصلة بالأمن القوميّ من الناحية العسكريّة. توّسع دور الجهاز عقب الانقلاب العسكريّ في يوليو/ تموز 2013، إذ صارت له اليدُ الطولى في عدد من الملفات الداخليّة، وعلى رأسها ملف ما يُسمّى “مكافحة الإرهاب”. على إثر ذلك، ذَاعَ اسمُ سجن العزولي في مدينة الإسماعيلية، والذي تُشرِفُ على التحقيقات مع الموقوفين أمنياً فيه عناصرٌ من جهاز المخابرات الحربيّة. كما توّلى الجهازُ التعامل مع ملف الأنفاق من الطرف المصريّ، وارتبط نشاطه فيه بطبيعة علاقة النظام المصريّ مع حركة “حماس”، فعندما شهدت العلاقة بين الطرفين توتراً على خلفية تعثر الوساطة المصريّة في صفقة إطلاق الجندي شاليط صعّدت المخابراتُ الحربيّةُ من حملة هدم الأنفاق عبر استعمال الغاز وخراطيم المياه والمفرقعات، حتى وصل عدد الشهداء الفلسطينيين داخل الأنفاق خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2008، 25 شهيداً11.

استكمل الجهاز عملية هدم الأنفاق بشكل مكثّف عقب الانقلاب العسكريّ في مصر، فضلاً عن إشرافه على تهجير سكان المنطقة الحدوديّة في رفح. كما يشتبه بضلوع الجهاز في حادث اختطاف أربعة عناصر من كتائب القسّام عقب اجتيازهم معبر رفح من الجهة المصريّة في أغسطس/ آب 2015. ورغم نفي السلطات المصرية في حينه ضلوعها في اختطافهم، إلا أنّ بعض المصادر الفلسطينية أشارت إلى تقدّم القاهرة بعدة طلبات لـ”حماس” مقابل الإفراج عنهم، ومن أبرزها تعزيز التواجد الأمنيّ على الجانب الفلسطيني من الحدود لمنع تسلل أنصار تنظيم الدولة إلى سيناء، وتسليم بعض العناصر الغزاويّة المطلوبة للقضاء المصريّ. وقد جرى الإفراج عن المختطفين الأربعة في نهاية فبراير/ شباط 2019 برعاية المخابرات العامة المصرية.

التقارب بين النظام المصري وحركة “حماس”

شهد عام 2017 تراجعاً للتوتر بين النظام المصريّ وحركة “حماس”، وخفوتاً في الحملات الإعلاميّة المصريّة ضدّ الحركة. يُعزى ذلك إلى عدد من الأسباب، من بينها:

أولاً، حاجة النظام المصريّ إلى جهود “حماس” في ضبط الحدود من الجانب الفلسطينيّ، ومنع تسلل العناصر الجهاديّة الموالية لتنظيم الدولة الإسلاميّة إلى داخل شبه جزيرة سيناء. في هذا السّياق، يُقدّرعدد الفلسطينيين الذين التحقوا من قطاع غزّة بصفوف ولاية سيناء خلال الفترة من 2014 حتى 2017 بقرابة 130 فلسطينياً.

ثانياً،  يُوّظف النظام المصريّ الحصارَ على قطاع غزّة في ضغطه على “حماس” سعياً لعقد تفاهمات مع محمد دحلان، قائد جهاز الأمن الوقائيّ السّابق في غزّة، خاصّةً إثر تنامي الخصومة بين دحلان ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بالتوازي مع فرض عباس لعقوبات اقتصادية على القطاع، مما جعل عباس بمثابة الخصم المشترك لـ”حماس” ودحلان.

ثالثاً، يُوّظِف النظام المصريّ أزمة حصار قطر التي اندلعت في مايو/ أيار 2017، وما تلاها من تزايد الضغوط الإقليميّة والدوليّة على الدوحة لوقف دعمها لحركة “حماس”، فضلاً عن توتر علاقة “حماس” بإيران إثر موقف الحركة غير الداعم لنظام الأسد في قمع الثورة السوريّة، يُوظّف المصريون ذلك من أجل إحداث تقارب بينهم وبين “حماس” بهدف المساهمة في تطويع الحركة بعد تراجع الدعم الخارجيّ الموّجه لها.

إن كانت النقاط السابقة تتعلق برغبات النظام المصريّ من “حماس”، فالنقطة الرابعة تتعلق بحاجة “حماس” إلى علاقة جيّدة ومتوازنة مع دولة مجاورة كمصر، خاصّة في ظلّ سعيها لتخفيف الحصار عن سكان القطاع وبالتالي تخفيف حدّة الضغط الشعبيّ، وتلافي أيّ حروب استئصالية قد تحاول “إسرائيل” شنها للاستفادة من الظروف الإقليمية الراهنة.

لذلك عملت “حماس” على ضبط أنشطة عناصر جناحها العسكريّ، ومنع أيّ صلات فرديّة لبعضهم مع التنظيمات المصريّة التي تنتهج المواجهة المسلّحة ضدّ نظام السيسي (مثلما حدث سابقاً من جانب رائد العطار قائد لواء رفح في كتائب القسام، وفقاً للسلطات المصريّة). كذلك، في هذا السياق تُمكن قراءة تعديل “حماس” ميثاقها التأسيسيّ، إذ أعلنت في مايو/ أيار 2017 عن وثيقة المبادئ والسياسات العامة، والتي حذفت فيها البنود التي تربطها بجماعة الإخوان المسلمين، واكتفت بتعريف نفسها كحركة تحرّر ومقاومة وطنيّة فلسطينيّة إسلاميّة.

الخلاصة

يمكن القول إنّ سياسات الأجهزة الأمنيّة المصريّة المختلفة تجاه “حماس” تجري ضمن مقاربة تقاسم الأدوار، وتحت سقف السياسة العامّة للنظام المصريّ الذي يعتبر “حماس” خصماً لدوداً وإن اضطر للتعامل معها باعتبار الضرورات الواقعيّة، نظراً لأن ملف التهدئة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وقضية تبادل الأسرى، والمصالحة الوطنية الفلسطينية، تُمثّل إحدى أوراق التأثير التي تجعل لمصر حضوراً في المشهدين الإقليميّ والدوليّ. من ثمّ، فإنّ التقارب المصريّ الحمساويّ، سيظلّ تقارباً تكتيكياً تُمليه الأوضاعُ الراهنة إلى حين تَمَكُّنِ بديلٍ، مثل دحلان، من إعادة التموضع داخل غزّة، أو النجاح في الضغط على “حماس” وتجريدها من عوامل قوّتها عبر تطويعها للتخلي عن خيار المقاومة، وإضعاف ارتباطاتها بالإخوان وبالدول التي ترى فيها مصر منافسةً لها، أي قطر وتركيا وإيران، مع إلزامها بضبط الحدود مع مصر لمنع تهريب الأسلحة أو المقاتلين إلى سيناء.

  1. قسم الأرشيف والمعلومات في مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، (مصر وحماس)، تقرير معلومات (7)، عام 2009، ص18.
  2. المرجع السابق، ص37. وللاطلاع على حيثيات قرار كتائب القسام بالسيطرة على القطاع عام 2007،  انظر: (الكتاب الأبيض، عملية الحسم في قطاع غزة: اضطرار لا اختيار) الصادر عن المكتب الإعلامي لحركة حماس في  نوفمبر 2007.
  3. المرجع السابق، ص50.
  4. موسوعة الجلادين، وثائق التنقلات داخل جهاز أمن الدولة لعام 2008.
  5. قُتل السعيدني لاحقا بغارة إسرائيلية على مخيم جباليا عام 2012
  6. لمزيد من التفاصيل عن تلك الهجمات انظر: أحمد مولانا، من التوحيد والجهاد إلى أنصار بيت المقدس (المعهد المصري للدراسات،20 أغسطس 2017).
  7. انظر حيثيات الحكم في القضية رقم 2926 لسنة 2013 كلي شرق القاهرة.
  8. انظر حيثيات الحكم في القضية رقم 2925 لسنة 2013 كلي شرق القاهرة.
  9. البوابة نيوز – 13/2/2015- اعترافات أعضاء جماعة أنصار بيت المقدس (أحمد خضر، أحمد سليمان، كريم أمين ، محمد سمري خطاب، عمر الحجاوي).
  10. انظر حيثيات رفض نقض الحكم في قضية النائب العام في الطعن رقم 61 لسنة 88 القضائية بتاريخ 25 نوفمبر 2018.
  11. تقرير معلومات (7)، مصدر سابق، ص25.