14 مايو 2020

كيف استُشهد الأسير نور البرغوثي؟ تفاصيل مسكوت عنها

كيف استُشهد الأسير نور البرغوثي؟ تفاصيل مسكوت عنها

في 22 أبريل/ نيسان من هذا العام، أُعلن عن استشهاد الأسير نور البرغوثي (25 عاماً) من قرية عابود غرب رام الله، وذلك في قسم 25 في سجن النقب الإسرائيلي. البيانات الرسميّة لهيئة شؤون الأسرى والمُحررين، كما بيانات المؤسسات الحقوقيّة، أفادت أنّ الأسير "أغمي عليه وسقط في الحمّام". إلا أن الحقيقة غير ذلك: معلومات موثّقة من السجن، وأخرى موّثقة لدى الهيئة نفسها، تُفيد بانتحار الشهيد البرغوثي شنقاً، بعد تدهور حالته النفسيّة بسبب التعذيب الجسديّ والنفسيّ الإسرائيليّ البشع الذي تعرّض له قبل حوالي العام والنصف، وذلك خلال التحقيق في "المسكوبيّة" من قبل مخابرات الاحتلال.

لسنواتٍ طويلة، ظلّت قضيّة الصحّة النفسيّة للأسرى، والآثار النفسيّة الكارثيّة للتعذيب الإسرائيليّ المتواصل، تحت جنح التعتيم بسبب نزعات اجتماعيّة تنظر بعين سلبيّة لمسائل الصحّة النفسيّة. يزداد التعتيم سوءاً حول قضايا انتحار الأسرى بسبب التعذيب، لما يرتبط به الانتحار من تحريمٍ دينيّ واجتماعيّ. يُرجّح أن تكون هذه هي الأسباب المركزيّة لتعتيم الهيئات الرسميّة وجهات في الحركة الأسيرة، وكذلك الصحافة الفلسطينيّة، على قضيّة الشهيد نور البرغوثي الذي قضى نحبه أولاً وأخيراً جرّاء همجيّة الاحتلال الإسرائيليّ.

تعذيب قاسٍ وإهمال طبيّ متعمد

بعد اعتقاله في العام 2017، حُكِمَ نور البرغوثي بالسجن لمدّة 8 سنوات. بعد انتهاء التحقيق المطوّل معه دخل إلى أقسام سجن عسقلان، وقضى هناك 8 شهور تقريباً قبل أن يُنقل فجأةً إلى "المسكوبية" ليواجه تحقيقاً جديداً. هناك قضى نور 40 يوماً من أقسى أيامه.

كان نور عند دخوله سجن عسقلان أوّل مرة شابّاً اجتماعيّاً ونشيطاً ومحبوباً بين الأسرى وتأقلم مع رفاقه في القسم، ولم تبدُ عليه أي عوارض نفسيّة سلبيّة. لكن بعد عودته إليهم من التحقيق الثاني في "المسكوبيّة"، والذي تعرض فيه إلى تعذيب جسديّ ونفسيّ شديد، طرأت عليه تغيّرات نفسيّة حادّة. امتنع الأسير الشهيد عن الأكل والكلام ورفض أن يُدلي بأي تفصيل عمّا جرى معه في التحقيق، كما امتنع عن الخروج إلى "الفورة".

حسب مصادر مُقرّبة من الشهيد، بعد عودته من تحقيق "المسكوبيّة"، كان البرغوثي يتحدّث كثيراً عن فكرة الانتحار. بناءً على هذا الوضع، حذّر الأسرى إدارةَ السِّجن من حالة الأسير، كما حاول الأسرى مرافقته والاهتمام به عن كثب. عُرض الأسير لمرّة واحدة على المُعالج النفسيّ الإسرائيلي، الذي قام بإهانته ولم يتعاون في علاجه، واكتفى بوصف مهدئات لتخفيف الأعراض. في حديث مع "متراس"، أكّد طبيبٌ نفسيٌّ فلسطينيّ أنّ الدواء الذي وصفه طبيبُ السجن (اسم الدّواء محفوظ لدى هيئة التحرير) ليس علاجيّاً، ولا يلبّي الحدّ الأدنى من الحاجة الصحيّة للأسير كما وُصِفَت حالته.

خلال تردّي وضع البرغوثي الصحّي، قامت إدارة السّجن بنقله من سجن "عسقلان" حيث علاقاته التي كوّنها إلى سجن النقب، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2018. وهذا بالرغم من معرفة الإدارة للحالة النفسيّة السيئة للأسير، وما يؤدّي إليه النقلُ من تدميرٍ إضافيٍّ للنفسيّة وشعورٍ بعدم الاستقرار، إذ أنّ النقل هو أداة من أدوات العقاب للأسرى. وهناك أيضاً استمرّ نفس النهج؛ إهمالٌ أكثر وأكثر للبرغوثي زاد من حالته الصحيّة سوءاً، إذ كانت تُصيبه نوبات "هلعٍ" مُتكرّرة، وألم رأسٍ مُتكرّر مع دوران. أسيرٌ رافقه في السّجن قال إنّه كان يضرب رأسه بالحائط أحياناً من شدّة الوجع. ومع ذلك اقتصر تعامل إدارة السجن معه على إعطائه مُهدئاتٍ فقط مثل "بندول". 

بعد شهور طويلة من تجاهل إدارة السجن الإسرائيلية للأوضاع الصحيّة النفسيّة للأسير إثر التعذيب، وبعد إهمال شنيع من قبل عيادات السجون رغم معرفة الأطباء بظروفه، وُجِدَ الأسير مشنوقاً بواسطة أقمشة مربوطة ببعضها البعض داخل غرفة الحمام. حين وجده رفاقه الأسرى كان نور ما يزال على قيد الحياة، فيما تأخرت إدارة السجن في التدخل لمحاولة إنعاشه مدّة نصف ساعة، إلى أن أعلن عن استشهاده.

عند هيئة الأسرى: ملف ويُطوى!

شُرّح جُثمان الشهيد في "أبو كبير"، ثمّ نقل جُثمانه إلى مُجمّع فلسطين الطبيّ في مدينة رام الله. لم تصدر عن المجمع الطبّي- أو عن أيّ جهةٍ رسميّةٍ فلسطينيّةٍ- معلوماتٌ عن الجريمة التي ارتكبها الاحتلال بحق الشهيد. في 26 أبريل/ نيسان صدر بيانٌ من هيئة شؤون الأسرى قيل فيه إنّ ممثلاً عنها سيُشارك في التشريح، لكن دون أن يُعلن أيُّ بيانٍ لاحق له أي نتائج للتشريح حتى اللحظة.

في المُقابل، اقتصرت بيانات هيئة شؤون الأسرى والمُحرّرين على ذكر خبر استشهاد البرغوثي بالإشارة إلى سقوطه في الحمام وإصابته بحالة إغماء شديدة. حمّلت تلك البيانات الاحتلال المسؤولية بتأخره في تقديم الإسعاف الأوليّ له، دون أن تذكر ما تعرّض له الأسير من تعذيب مُمنهج، ودون معلومات مفصّلة تكشف علاقة التعذيب الإسرائيلي الذي تعرّض له باستشهاده. كما لم يزد استنكار الهيئات والمؤسسات عن حدود لا شرعيّة احتجاز الجُثمان، وسياسة القتل البطيء والإهمال الطبيّ في إنعاش عاجل للشهيد.

تكشف قصة الشّهيد نور حالةً من الإهمال الرسميّ الفلسطينيّ تجاه متابعة قضايا التعذيب بحقّ الأسرى. فإنّ كان أسير أُخرج بعد انتهاء التحقيق معه بشهور لتحقيق ثانٍ تعرّض فيه لمختلف أنواع التعذيب (وهو أمر يعدّ مثيراً للقلق في عُرف الأسرى)، فلماذا لا توجد في أرشيفات الجهات الرسميّة وطواقم محامي الدفاع أيُّ إفادةٍ مُسجّلة ومُفصّلة عمّا حصل مع الشهيد؟ ولماذا لم تتطرق البيانات حول استشهاده إلى تفاصيل التعذيب الذي تعرّض له؟ يدفعنا هذا للسؤال: كم من قصة تعذيب وحشيّة أُهملت وأسقطت من الخطابات ولاحقاً من أولويات العمل والنضال؟

عند سؤال رئيس هيئة الأسرى أبو بكر عن أي توّجهٍ لفتح تحقيق حول ملابسات قتل الشهيد، قال: "مش معنيين نفتح تحقيق في الموضوع.. [الرواية] إنّه هو وقع في الحمام وتأخر إسعافه..". من المفهوم أن الحساسية الاجتماعيّة قد تدفع العائلات أحياناً إلى تجنب الحديث في التفاصيل المتعلقة بما حصل فعلياً مع أبنائها الأسرى، إلا أنّ ذلك ليس مفهوماً البتّة عندما يتعلق الأمر بالجهات الرسميّة والحقوقيّة. لا تُعفي هذه الحساسيةُ هيئة الأسرى والجهات الحقوقيّة من فتح تحقيق في القضية، لكشف الحقيقة، الحقيقة التي تُساهم أولاً وأخيراً في إدانة "إسرائيل" في مسائل التعذيب والإهمال الطبيّ للأسرى. كما أنّه لا يوجد أي مبرر وطنيّ أو أخلاقيّ يُبرر التنازل عن متابعة جريمة تُجسّد واحدةً من أبرز القضايا التي يُناضل من أجلها الأسرى: حقّهم في العلاج.

عدا عن أن هذا الملف يشكّل فرصةً لمراكمة شهادات عن تعذيب الأسرى وتقديمها للمرافعة الدوليّة، كما صدّعت السّلطة رؤوسنا بذلك طويلاً، ولكنها مرة أخرى قصة تُطوى وتُدفن دون أي اعتبار. قصة نور البرغوثي هي قصة آلاف الأسرى الفلسطينيين، ومستوى التجاهل والمسارعة إلى إغلاق الملف دون متابعة يدفعنا نحو القلق على مصير كلّ الأسرى. 

هكذا إذن، غابت القصّة الفعليّة لاستشهاد الأسير البرغوثي عن حفلات الاستنكار، فليس السبب الأوّل لاستشهاده تأخّر الطواقم الطبيّة الإسرائيلية في إنعاشه، فهذا هو السبب الأخير. أمّا الأسباب الأولى فهي الجريمة التي ارتكبها الاحتلال معه في التحقيق، والإهمال الطبيّ في علاجه من آثار التعذيب، وزيادة حالته النفسيّة سوءاً بنقله بين السجون.