16 أبريل 2020

"كورونا" واليسار.. الكارثة طريقنا للخلاص؟

"كورونا" واليسار.. الكارثة طريقنا للخلاص؟

في نصّه الطويل "سنترال بارك"، يكتب فالتر بنيامين Walter Benjamin واحدةً من عباراته الأكثر حضوراً اليوم: "الخلاص يعتمد على الصّدع الصغير في الكارثة". مثل غيره من منتسبي "مدرسة فرانكفورت"، ومعاصريه ممن شهدوا بربريّة الحرب العالميّة الثانية وبدايات الـ"هولوكوست"، رأى بنيامين بالكارثة شرطاً أساسيّاً للنظام الرأسماليّ ومصيره. لكنّه رأى بها أيضاً، بشكلٍ أو بآخر، طريقاً للخلاص، أو عتبته على الأقلّ. 

تبدو أفكار الفيلسوف الألمانيّ ذي الأصول اليهوديّة عن "الكارثيّ" أكثر تفصيلاً في مقالة "في مفهوم التاريخ". إلا أنّ "سنترال بارك"، وهو نصّ أقرب للنقد الأدبيّ منه إلى الفلسفة السياسيّة، مع هذا (أو لهذا السبب) يبدو أكثر مناسبةً للاقتباس. فكتابات بنيامين ليست بالضرورة أدق مرجعٍ فسلفيٍّ للتفكير في الكارثة، لكنها بلا شك أكثرها شاعريةً وملحميةً وغموضاً، وأيضاً أكثرها مأساوية.

 رؤيا فالتر اللاهوتي 

العلاقة بين الرأسمالية ومفاهيم مثل "الأزمة الدائمة" و"التناقض الداخليّ" و"الكارثة" أقدم من ماركس نفسه، لكننا في هذا المقال نبحث عن اللاهوتيّة التي تغلّف كتابات بنيامين وتتخلّلها. نبحث في تلك اللغة المسيحانيّة المعنيّة بـ"الخلاص" ولعنة الأيّام الآخرة، وملائكتها، وهي لغة متأثّرة بدراسة بنيامين الحميميّة للتراث التوراتيّ والتصوّف اليهوديّ. لم يكتمل الانفصال بين العلمانيّ واللاهوتيّ أبداً بوصول الحداثة. وتظل التصوّرات "المقدّسة" عن الحركة الغائيّة للتاريخ، لاكتمال ملكوت الله، حاضرةً في نبوءات ماركس وحتميته التاريخيّة، وفي يوتوبيا مجتمعه اللاطبقيّ، تماماً كما هي حاضرة في نظريات "نهاية التاريخ" الليبرالية الأحدث. 

يرفض بنيامين أي تصورٍ خطيٍّ للتاريخ طبعاً، بل ويلقي بالتاريخيّة كلّها وراء ظهره، فشذراته أكثر راديكالية وتعقيداً من تلك التصوّرات المبسّطة. مع هذا، فإنّه يظهر في مواضع كثيرة كواحد من أنبياء أسفار العهد القديم وهم يعلنون نبوءات الهلاك التي ستنزل بالأمم، عقاباً على ضلالهم، قبل أن يعود شعب الربّ من أرض الشتات.   

لوحة فنيّة تُجسّد قصة "الوحش" المذكورة في سفر الرؤيا.

في العهد الجديد أيضاً، وفي سفر الرؤيا تحديداً، لا يكتملُ ملكوت الربِّ ومجيء المسيح الثاني مع السحاب ملكاً سعيداً يملك على الأرض ألف عامٍ سوى بمجيء الوحش، بنزول الضربات الإلهية على المسكونة، تصبح الشمس دماً والقمر ظلمة، ويخرج ياجوج وماجوج ليعذبوا بني البشر. الديسوتوبيا ليست عكس اليوتوبيا، بل هي صورتها المقلوبة في المرآة. لا يمكن لواحدةٍ أن تتحقّق دون الأخرى، كما يذهب الفيلسوف العلمانيّ بول ريكور صاحب المرجعيّات اللاهوتيّة.

وباء يُشعُّ أملاً

هكذا، ومع كل كارثة تلحق بالبشريّة، تتحقّق نبوءة يساريّة ونقديّة. في كل كارثة متوقّعة: إمّا "الاشتراكية أو البربرية". وكل أزمة يمكن نسبها بأثر رجعيّ لتناقضات الرأسماليّة الذاتية. تأتي "كورونا" بديسوتوبيا حقيقية، بحالة من الاحتفاء المكتوم بين بعضٍ من نقاد "النيوليبرالية الجديدة" وسياسات التقشف، ومن بين مناصري البيئة، وأعداء العولمة، بل وحتى أحياناً من أقصى اليمين القوميّ. لا يخلو الخطاب النقديّ أحياناً كثيرة من حسٍّ ضمنيٍّ بالشماتة أو بالتشفي، "كنّا على حقّ"، الأرض الأمّ تستعيد توازنها، "ولم تستمعوا لنا"، والدلافين تعود مرة أخرى لقنوات فينيسيا أخيراً. في هذا الأيام، يتركّز النجاح الساحق لبعض اليسار في تحقق خرابٍ طال انتظاره، وفي الرقص حول ركام الكارثة. 

وبذات الحس الطوباوي، تطفو قناعةٌ بأنّ العالم قبل "كورونا" لن يكون كالعالم بعده. جيجيك الذي دعانا قبل عامين إلى "شجاعة اليأس" والاعتراف بأنّه لا يجب علينا توّقع "ضوء في نهاية النفق"، تُنعِشُه اليوم أصداء الـ"كورونا" ويملؤه الوباء بالأمل: "جاء الوقت لنؤسس مجتمعاً اشتراكيّاً حقيقياً". وهو أملٌ ربما تُشجّعه المظاهر التي تبدو من حولنا الآن. بضع عقود من سياسات التقشّف وانكماش الدولة تُثِبتُ فشلَها اليوم، أولوية الاقتصاد على حياة البشر لم تبدو أبداً بمثل تلك الفجاجة من قبل، اقتصاد الأوراق الماليّة ينهار ونعاود اكتشاف قيمة العمل اليدويّ، سؤال الضروري مقابل الاستهلاكي أصبح مصيريّاً ويوميّاً، الضربة الإلهية كما هي عقاب مستحق، فهي أيضا "تجربة" وصفعة للاستفاقة من الخطايا ومن "الوعي الزائف".

لا ضمانة

تُغيّر الأوبئةُ العالم بلا شك. كانت ضربات الطاعون المتتابعة مدخلاً لأنظمة الصحّة العامة في أوروبا، لشبكة الصرف الصحيّ في باريس ومن قبلها بعدّة قرون في المدن الإسلاميّة. قتلت الحمى الإسبانيّة حوالي مئة مليون إنسان في مطلع القرن العشرين، فغيّرت التاريخ بالطبع، حُسمت الحربُ الأولى لصالح الحلفاء، فخسائر أعدائهم من المرض كانت فادحة، وباتت سلطة الراج البريطانيّ في الهند في حكم المنتهية بعد الانهيار الكامل للإدارة العامة أثناء الجائحة. أما حكومة جنوب إفريقيا، فقد اتخذت قفزاتٍ واسعةً في اتجاه الأبرتهايد.

تُغيّر الأوبئة التاريخ حقاً، إنما بنتائج مختلطة واتجاهات لا يمكن توقعها مسبقاً. الأدهى أن ذاكرة الوباء الإسبانيّ تبخّرت سريعاً من الذاكرة الحيّة لمعاصريها. لا يحتفظُ النّاسُ بذاكرة الكوارث لاستخلاص الدروس كما يظن البعض. قاد الكساد الكبير إلى الحرب العالمية الثانيّة، فالكارثة تنتهي بكارثة أخرى أحياناً كثيرة، والخلاص ليس مضموناً.

انطلقت نبوءاتٌ مماثلة أثناء الأزمة الماليّة في 2008، لكن انهيار النموذج النيوليبراليّ لم ينتهِ بتعلم أيّ شيءٍ. ذهبت الحكومات إلى مزيدٍ من التقشف، لصالح ضخ السيولة في المؤسسات الماليّة المنهارة، وتأميم خسائرها وديونها بأموال دافعي الضرائب. مال الناخبون إلى اليمين أكثر، ليوجّهوا غضبهم إلى الفئات الأكثر هشاشةً - الأقليات والمهاجرين والعاطلين عن العمل. لا ضمانة للخلاص في الكارثة. 

سلب حقوق نصف الكوكب

تعود ناعومي كلاين، صاحبة "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث"، لتؤكد لنا بأن ما حدث بعد أزمة 2008 يتكرر بالفعل الآن. تضخ الحكومات الغربيّةُ سيولةً هائلة في المنظومة الرأسماليّة، ونشهد قرارات استثنائية بتخفيض الضرائب للمؤسسات الضخمة. وبحجة مواجهة الكارثة، تتجه الحكومة البريطانيّة كعادتِها لتأميم وسائل النقل وشركات الطيران المنهارة، تأميم مؤقت للخسائر بالطبع. تثبت العسكرة والنزعة الأمنيّة كفاءتها في مواجهة الكوارث، وتتحوّل أنظمة المراقبة والتجسس الإسرائيلية نحو الداخل. صار السعال في وجه رجل شرطة مخالفة تستوجب السجن في بريطانيا الآن، وتنتهز حكومة أوربان في المجر الفرصة لتسنَ قوانين شديد السلطوية، وتُصادر الحقوق الأساسية بالكامل لنصف سكّان الكوكب.  

ليست هذه نبوءةً كارثيةً أخرى، ربما تقود التبعاتُ المستحيلُ تصورها اليوم إلى تغيراتٍ راديكاليّةٍ في شكل العالم، بعد انتهاء الوباء. ولكن ربما العكس، إذ تضرب العالمَ ردةٌ أكثر سلطويّة، أو خليط من هذا وذاك، الأكيد أنّه لا ضمانة لأي شيء، لا شيء ميكانيكيّ في حركة التاريخ، ولا حتميّ للأسف.