fbpx

كرامة الناس تحمي المقاومة.. 3 نقاط حول احتجاجات غزّة

كرامة الناس تحمي المقاومة.. 3 نقاط حول احتجاجات غزّة

تمدّدت التظاهرات التي دعتْ إليها مجموعةٌ من النشطاء في شارع الترنس في جباليا شمال قطاع غزّة الخميس الماضي (14 مارس/ آذار) تحت عنوان "بدنا نعيش" إلى أكثر من مدينة في القطاع، مثل دير البلح، وبدرجة أقلّ رفح وخانيونس، وذلك احتجاجاً على رفع نسبة الضّرائب وزيادة أسعار السّلع الشهر الماضي. قَمَعَتْ وزارة الداخليّة الفلسطينيّة في حكومة غزّة تلك الاحتجاجات وردّت عليها باستخدامٍ واسعٍ للعنف والقمع والتهديد والاعتقال الذي طال عدداً من المتظاهرين والحقوقيين والصحافيين.

في خلفية هذه التظاهرات تقع الحزمُ الجديدة من الضرائب التي أعلنت عنها وزارةُ الاقتصاد الفلسطينيّ في غزّة فبراير/ شباط الماضي، والتي طالت العديد من المنتجات والسّلع، أهمّها الدخان والخبز، وضرائب أخرى متعلقة بالسيارات واللحوم. أتت تلك الضّرائب في ظلّ حالةٍ عميقةٍ من الركود الاقتصاديّ يعيشها القطاع، تمكنُ قراءةُ بعض مؤشراتِه من خلال إغلاق العديد من المحلات التّجاريّة لأبوابها، وسماع قصص إفلاس العديد من التّجار؛ شهد عام 2017 مثلاً أكثر من 100 ألف أمر اعتقال بسبب الذمم الماليّة.

في ظلّ ذلك الركود، إضافةً للعقوبات المتكررة التي تفرضها السّلطة الفلسطينيّة في رام الله على القطاع -وآخرها إعادة فرض ضريبة القيمة المضافة وضرائب أخرى مطلع العام-، أَتَتْ الضرائبُ الجديدةُ من حكومة غزّة لتُثقِلَ كاهلَ النّاس بمزيدٍ من الضغوطات، خاصّةً أنّها ضرائب تتعلق بالخبز، أي أنّها تطال جميع شرائح المجتمع، عدا عن ارتفاع أسعار المعلبات والخضروات واللحوم. فيما يخصّ ضريبة التبغ، فقد سبق أن أضيفت ضرائب عليه بنسبة زيادة 100%، أي أنه خلال عدة سنوات ارتفع سعر الضريبة على التبغ 200% تقريباً، وهو أمر يطال شريحة واسعة في القطاع تصل تقريباً ربع سكان القطاع حسب المركز الفلسطيني للإحصاء.

تبدو "حماس" في قمع الاحتجاج الأخير كوريثٍ لأنظمة قمع تمتاز باستهانةٍ شديدةٍ بمطالب النّاس، مما يعكس سوء إدارتها لأزمتها بتحميلها لأطرافٍ خارجيّةٍ ومشبوهةٍ، فإنّ هذه الزيادة المستمرة في الضرائب تعني أنّ الحكومة تريد تعويض كلّ فشل في إحضار أو ابتكار الأموال من جيب الناس، بدلاً من محاولة سماع احتجاجاتهم والعمل على معالجة همومهم.

كيف نقرأ جذور الأزمة؟

تبدأ القصة إذن من وقت دخلت "حماس" إلى الحكومة؛ إذ تحوّلت تدريجياً من حركة تَصْرِفُ الناسُ عليها إلى حركةٍ مُطالَبَةٍ بالصرف على الناس. صحيح أن الحصار يتحمل مسؤوليةً كبيرةً في تردي الأوضاع، لكن الحصار أصبح ظرفاً موضوعيّاً، ومهمة الحكومة هي تجاوزه والالتفاف عليه، لا التّذرع به باستمرار،  وهي تعرف ذلك من أول يوم، ومن المفاجئ أن تبدو متفاجئة اليوم.

يبدو إذن أنّ الشّعار الذي رفعته "حماس" منذ دخولها إلى معترك الحكم ضمن السّلطة الفلسطينية "يدٌ تبني ويدٌ تقاوم" قد عطّل حركة اليدين معاً؛ أُرهِقَت المقاومة بحساباتٍ كانت متخففةً منها فيما مضى، وحُشِرت مطالبُها التحرريّة بمسائل الحصار والمعابر، فيما تحوّلت الحكومة التي تُديرها إلى جسمٍ ضخمٍ من البيروقراطية، وإلى موقعٍ لإعادة إنتاج المصالح الشخصيّة، عدا عن كونها مسؤوليةً تُثقِلُ كاهل "حماس" في حسابات المعيشيّ واليوميّ.

مع أن "حماس" حقّقت من هذا الشّعار الكثير من الفوائد على صعيد المقاومة، إلا أنه أثقلها في ذات الوقت، وقد وصلت هذه التّجربة إلى مداها وثبت فشل فكرة الجمع هذه. بذا، أصبح الشكل الحاليّ لأسلوب الجمع بين الفكرتين مسكوناً بكميةٍ ضخمةٍ من التوجس تحكم علاقة الحكومة بالناس والعكس. على الصعيد الداخليّ، تستنتج "حماس" بشكلٍ تدريجيٍّ فشل هذا النوع من الجمع، وهي تريد الخلاص من حكومتها، لكنها لا تعرف كيف يمكنها النزول عن الشّجرة دون أن تأكلها كلُّ قوارض الأرض، حيث لم تنجح في ابتكار طريقةٍ لإدارة القطاع دون أن ترث جهاز السّلطة البيروقراطي بكل عيوبه.

كيف نقرأ القمع؟

في التعليق على القمع الذي قامت به أجهزة الأمن التابعة لحكومة غزّة، راجت على مواقع الإعلام الاجتماعيّ فرضيةُ "الغباء" -أحياناً بحسن ظن وأحياناً أخرى بسوئه-، التي تقول إنّ "حماس تقمع المحتجين لأنها تمتاز بالحماقة". رغم ما في الأمر من حماقة ظاهرة إلا أن الحماقة لا تُفسِّرُ بنيةً استقرّت على هذا الشّكل من التعاطي المهجوس بالخوف والهوس والوصاية،  حتى حُوّل كلُّ تحدٍّ داخليٍّ إلى خطر أمنيّ.

على صعيد القمع يوم أمس، فبالنسبة لـ"حماس" لا يمكن الاستهانة بمجموعة من المحتجين؛ لا تريد "حماس" أن تكون الإخوان المسلمين في مصر، إذ من السهولة أن يتحول الترنس إلى 30 يونيو، فالمتربصون كُثُر، ومن ينتظرون وقوع الجمل قد شحذوا سكاكينه من يوم ولادته.

لذلك، تبدو "حماس" أنّها مستعدة للتضحية بشعبيّتها على أن تضحي بنفسها كليّةً. بناء على هذا التحليل، ترى وزارة الداخليّة في حكومة غزّة أن الاحتجاج ليس بريئاً، بل مدفوعاً من قبل أجهزة خارجيّة وأهمها الأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة في رام الله، مثل الوقائي والمخابرات. يُعزّز هذا الاعتقاد لدى حكومة غزّة أن تلك الأجهزة لعبت دوراً توجيهياً في موجات احتجاجيّة سابقة وسعت لاستغلالها لصالح شعار "إسقاط حماس".

لا يمكن هنا إنكار وجود من يتربّص بحركة "حماس" ومشروعها ساعياً لتوظيف هذا الحراك الشعبيّ، فمن الطبيعي أن يستفيد خصوم "حماس" من أيّ حراك شعبيّ ضدّها، لكن هذا لا يمكن أن يسم كل الحراك بطابع المؤامرة. الفكرة هنا هي كيف يمكن التفويت على خصومك فرصة عزلك عن حاضنتك الشعبيّة، وأن لا تتجاهل مطالب الناس التي لها حقائق ماديّة وفعليّة وبحاجةٍ لحلّ.

كذلك تطوّر النقاش في التعليق على القمع نحو الحديث عن حريّة التعبير والاحتجاج، إلا أنّ ما تواجهه غزّة اليوم لا يقع في صلب الحريات الفرديّة والجماعيّة مع أنه يحويها، لم يقدم نموذج حكم "حماس" في قطاع غزة نموذجاً مشرفاً في الحريات، ولكن الأمر الذي نحن أمامه اليوم يقع في عمق شعور الناس بالإنهاك والمهانة والابتزاز.

ليست الفكرة إذن في أن تسمح "حماس" للناس بالتعبير عن أنفسهم، وهي مسألة مهمة وضروريّة، لكن أيضاً في أن تأخذ على عاتقها حلّ المشكلة التي ساهمت هي نفسها في خلقها. خاصّةً أنها بعد الحرب الأخيرة عام 2014 حملت وعوداً للناس، بعضها متعلق بالمطار والميناء وغيره، وهي وعود لم يتحقق منها شيءٌ حتى اللحظة. وبالتالي بدأت تطلعات الناس تخفت حول أمل ما يمكن إنجازه في تحسين شروط حياتهم، مما دفع بعضهم للخروج إلى الشّوارع.

كرامة الناس تحمي المقاومة

شهدت الفترة الأخيرة تطوراتٍ إيجابيّة نسبياً في قطاع غزّة فيما يتعلق بالتعامل مع المجتمع ومع مختلف الفصائل، تمثل ذلك مثلاً في انخفاض حدّة الاعتقال السياسي، وتصاعد في حالة التنسيق مع الفصائل كإنشاء الغرفة المشتركة، وهكذا فإنّ ما حصل من قمع وعنف يشكّل انتكاسةً حتى لجهود "حماس" في السنتين الأخيرتين وانتكاسة للتطور الإيجابيّ الذي كان من المفترض البناء عليه وتطويره.

هل يمكن فعل شيء الآن؟ رغم القمع الأخير، تبقّى أمام حكومة غزّة فرصة حقيقية لإصلاح علاقتها مع أهالي القطاع، وذلك عبر إعطاء أهمية أكبر لمعاناتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة، في ظلّ الظروف شديدة التعقيد التي تمرّ بها القضية الفلسطينيّة عموماً ومجتمع غزّة خصوصاً. وأن تفتح -أي الحكومة- أفقاً حقيقيّاً لتبلوّر مجتمع مدنيٍّ قوّيٍّ ومُتماسك، لتتجنب لاحقاً أيّة تدخلات أمنيّة معادية في هموم المجتمع، وذلك اعتماداً على فلسفة مشروع المقاومة الذي تتبناه "حماس" ومعها كلُ فصائل المقاومة، والذي تشكّل "الحاضنة الشعبيّة" ركيزةً أساسيةً فيه.

لأجل ذلك، يجب أن يكون الفصلُ بين الوظيفة الإداريّة والخدماتيّة للحكومة ودور المجتمع في متابعتها ومساءلته متى تطّلب ذلك، وبين دور المقاومة المرتبط بالعدوّ، واضحاً. إنّ أيّ توجهات مدنيّة ضدّ الحكومة وتغوّلها الأمنيّ أو الاجتماعيّ لا يعني بحال الاصطدام مع مشروع المقاومة الذي يُعتبر أحد أهم مكتسبات المجتمع الفلسطينيّ، وهنا نذكر أنّ تزامن العرض العسكريّ لكتائب القسّام مع مكان وموعد الاحتجاج المطلبيّ أثار استياء النّاس.

كما أنّ على "حماس" الخروج من نظرية المقارنة مع السّلطة في الضفة الغربيّة، نظرًا لكونها تستمد الكثير من شرعيتها من العمل المقاوم، ومن كونها بَنَتْ فلسفتها الأمنيّة على مصالح وطنيّةٍ حقيقيّةٍ. وبالتالي من المفترض أن تكون "حماس" في سياساتها أكثر تمثيلاً للمجتمع الفلسطيني من غيرها، وأكثر تعبيراً عن تطلعاته، وأكثر حمايةً لكرامته وإنسانيته.

ما يجعل هذا القمع كارثيّاً على الحركة الوطنيّة كلّها، أنّه متداخل مع المقاومة ويتكئ على إنجازها، ويُخاطر بكل شرفها القتاليّ في قضايا معيشية ويبتز الناس باحتياجاتها وعلب سجائرها. بكلمات أخرى، قمع "حماس" أسوأ من قمع "فتح"، ذلك أنّه يعود بالكارثة على الحركة الوطنيّة بالمجمل، أيّ على فكرة المقاومة نفسها؛ إنّه يراكم في ذهن الناس وفي لاوعيها موقفاً ضدّ المقاومة. فيما قمع "فتح" في الضّفة -مهما كان حجمه- يبدو لنا على الضّفة الثانيّة من وجودنا، أيّ أنّه ضدّنا ابتداءً، وكلّ عصا نتلقاها منه نستثمرها في رغبتنا المتصاعدة في مقاومة الاحتلال ومنظومته.

ختاماً، تحوّلت غزّة إلى بيئةٍ طاردةٍ، مع أن أهلها وناسها احتضنوا المقاومة على مدار أكثر من 11 عاماً من الحصار، تخللتها ثلاث حروب، والإقبال على مسيرات العودة بكل تضحياتها. لا يملّ الناس من تقديم التضحيات، لكنهم يملون من أن يجدوها بلا جدوى، من أن يشعروا أنّ بقاءهم مسيّج بأجهزة شرطة قمعيّة. في الوقت الذي يشعر كلّ فرد في غزّة أن صموده كلّ هذه السنوات مسألة تخصّه؛ سرديّة نضاليّة تدخل في صلب ذاكرته وشخصيته، تساهم هذه القوّة الشرطيّة في شرخ هذا الوعي وعزله، وتغريبه عن نفسه حين يجد أنّ كل ما تحمّله ارتد في نهاية الأمر إلى جهازٍ قمعيٍّ يجبي الضرائب والمزيد من الضرائب.

من لا يمتلك حساسيةً تجاه كرامة الناس يُخشى أنّه سينسى تدريجياً أنّ الحرب مع "إسرائيل" هي حرب لأجل هذه  الكرامة بالذات.

إقرأ أيضاَ