14 سبتمبر 2019

قيادة لاحتواء الشعب

مالكوم إكس يلقّن لوثر كينغ درساً

مالكوم إكس يلقّن لوثر كينغ درساً

قدّم القائد الأميركيّ الأسود الثوريّ مالكوم إكس في 10 ديسمبر/ كانون الأوّل 1963 خطاباً هامّاً خلال مظاهرةٍ نُظِّمت في ديترويت، ولاية مشيغين. تنبع أهمية الخطاب من كونه أحد النصوص الهامّة التي وضعت الخطوطَ العريضة للرؤية القوميّة الثوريّة السّوداء، ونصّبت مالكوم إكس كأحد النقاد الرئيسيين لحركة الحقوق المدنيّة.

تجدون هنا جزءاً من الخطاب، ترجمته شروق صلاح بتصرّف، والذي  يُكشف فيه السّياق الأوسع لمسيرة الحقوق المدنيّة التاريخيّة في واشنطن، والتي نُظّمت بعد سلسلةٍ من المواجهات الشعبيّة التي خاضها السّود ضد أمن الولايات. نُظّمت تلك المسيرة في واشنطن؛ “إلى البيت الأبيض، والكونغرس” و”لتعطيل الحكم ومنعه من مواصلة عمله”، بتاريخ 28 أغسطس/ آب 1963، وعُرِفت باسم “المسيرة الكبرى”، وفيها ألقى مارتن لوثر كينغ خطابه الشهير “لدي حلم”. خطاب إكس بعد 4 أشهر لاحقة، والمترجم هنا، يكشف كيف تصرّفت السّلطة البيضاء لدفع الشخصيّات السوداء “المعتدلة” لقيادة تلك المسيرة، ضمن هدفٍ واضحٍ لاحتواء الانتفاضة الشعبيّة المحتملة.



 أخذ سيّدُ العبيدِ توم، ألبسَهُ وأطعمَهُ جيّداً، حتّى أنّه قدّم له القليلَ من التعليم – قليلاً من التعليم، وأعطاه معطفاً طويلاً وقبعةً، وجعل بقيّة العبيد يتطلّعون إليه. ثم استخدمه ليتحكّم بهم.1يشير مالكوم إكس إلى شخصيّة “العم توم” في رواية هيريت ستو Harriet Stowe- “كوخ العم توم” Uncle Tom’s Cabin (المحرّر). ذات الاستراتيجيّة التي استُخدمت في حينه تُستخدم اليوم من قبل الرجل الأبيض ذاته. يأخذ السيّدُ عبدَه الزنجيّ، أو من يُسمّى زنجيّاً، يُشهره ويشدّ عوده، يروّج له ويجعله نجماً، ثم يصبح متحدثاً باسم الزنوج؛ قائداً زنجيّاً. 

عندما فشل مارتن لوثر كينغ في وقف الفصل العنصريّ في ألباني، ولاية جورجيا، تراجع نضالُ “حركة الحقوق المدنيّة” إلى الحضيض. كاد كينغ أن يصبح قائداً مُفلِساً. حتّى على المستوى الماليّ، كان “مؤتمر القيادة المسيحيّة الجنوبيّة”2إحدى المنظّمات المركزيّة في “حركة الحقوق المدنيّة”، وكان كينغ رئيسها الأوّل.(المحرّر). متأزماً ماليّاً؛ وكان متأزماً عموماً أمام الناس، بعد أن فشلوا في تفكيك الفصل العنصريّ في ألباني، جورجيا. 

هكذا، أصبحت قياداتٌ زنجيّةٌ كانت تُعتبر قاماتٍ وطنيّةً، أصناماً مُحطّمة. وعندما أصبح هؤلاء أصناماً محطّمة وبدأوا يخسرون مكانَتَهم وتأثيرهم، ظهرت القياداتُ المحليّة التي تُلهب الجماهير، مثل غلوريا ريتشاردسون في كامبريدج، ولاية ميريلاند؛ وفي دانفيل، ولاية فرجينيا، وفي أنحاء البلاد. بدأت قياداتٌ محليّةٌ تحثّ الناس على مستوى القاعدة الجماهيريّة. لم يحدث ذلك بواسطة الزنوج الذين تعتبرونهم قاماتٍ وطنيّة، فهؤلاء يسيطرون عليكم، لكنّهم لا يحرّضونكم أبداً ولا يحفّزونكم. إنّما يسيطرون عليكم، يحتوونكم، ويحرصون على إبقائكم داخل المزرعة.

حين فشل كينغ في برمنغهام، خرج الزنوج إلى الشّوارع. خرج كينغ منها إلى كاليفورنيا في مسيرة كبيرة جمع خلالها لا أعرف كم ألفاً من الدولارات. ثم أتى إلى ديترويت ونظّم مسيرة وجمع المزيد من آلاف الدولارات.

تذكّروا أن روي ويلكينز Roy Wilkins هاجم كينغ بعدها مباشرةً، واتهم كينغ و”مؤتمر المساواة العرقيّة” (CORE) بأنّهم يثيرون المشاكل في كلّ مكان، ثم يجعلون الرابطة الوطنيّة لتقدّم ذوي البشرة الملوّنة (NAACP) تُخرجهم من السجن وتدفع مبالغ ماليّة طائلة.3ترأس ويلكينز “الرابطة الوطنيّة لتقدّم ذوي البشرة الملوّنة”، واشتهر بمواقفه المعارضة للنشاط الاحتجاجيّ الشعبيّ الأسود، وتواطؤه مع البيض. (المحرّر). ثم اتّهموا كينغ والمؤتمر بجمع الأموال وعدم تسديد الثمن. حدث ذلك؛ لدينا وثائق بذلك نُشرت في الجريدة. روي هاجم كينغ. كينغ هاجم روي. وفارمر James Farmer هاجم كلاهما.

عندما بدأ هؤلاء الزنوج ممّن نعتبرهم قاماتٍ وطنيّةً يهاجمون بعضَهم بعضاً، بدأوا يفقدون سيطرتَهم على الجماهير السّوداء. ثمّ نزل الزنوج إلى الشّوارع. كانوا يتحدّثون عن التظاهر في واشنطن. وكان ذلك في اللحظة التي انفجرت فيها برمنغهام، وتذكّروا أنّها اللحظة التي انفجر فيها زنوج برمنغهام أيضاً – نعم، لقد فعلوا- وخرجوا يطعنون البيض في ظهورهم ويبرحونهم ضرباً- نعم، لقد فعلوا ذلك. في تلك اللحظة أرسل كينيدي القوّات إلى برمنغهام. عندها، وبعدها مباشرةً، ظهر كينيدي عبر التلفزيون وتحدّث عن “الشأن الأخلاقيّ”.4في مايو/ أيّار 1963 شهدت مدينة برمينغهام في ولاية ألاباما مواجهات عنيفة بين المتظاهرين السّود والأمن الأميركيّ، وأدّت المواجهات إلى قرار رئاسيّ بإرسال قوّات فدراليّة إلى قواعد قريبة من المدينة للتجهّز للتدخّل. بعد شهرٍ من الأحداث، قدّم الرئيس كينيدي خطاباً تاريخيّاً تحدّث فيه عن التمييز العرقيّ باعتباره “شأناً أخلاقيّاً”، ووعد بمشروع قانون يضمن “الحقوق المدنيّة” للسود. (المحرّر).

عند ذلك فقط، قال إنّه سيقدّم مشروع قانون الحقوق المدنيّة. وعندما ذكر مشروع قانون الحقوق المدنيّة وبدأ البيض الجنوبيّون الكلام عن كيفية مقاطعته أو رفضه، بدأ الزنوج بالتحدّث – عن ماذا؟ عن أننا سننطلق في مسيرة نحو واشنطن، مسيرة نحو مجلس الشّيوخ، مسيرة نحو البيت الأبيض، مسيرة نحو الكونغرس، حتّى نؤدّي إلى تقييدهم وتعطيل عملهم؛ لن ندع الحكومة تواصل عملها. قالوا سنذهب إلى المطار وننام على مدرّج الطائرات ونمنع  الطائرات من الهبوط. كانت ثورة. هذه كانت ثورة. هذه كانت ثورة السّود.

كانت القواعد الشّعبيّة في الشّارع، الأمر الذي جعل الرجلَ الأبيض يموت خوفاً. بنية القوّة البيضاء في واشنطن تموت خوفاً. كنتُ هناك. وعندما فهموا بأنّ “المدحلة السّوداء” تتّجه نحو العاصمة اتصلوا بويلكينز، اتصلوا براندولف A. Philip Randolph؛ اتصلوا بالقيادة الزنجيّة الوطنيّة التي تحترمونها وقالوا لهم: “أعلنوا عن إلغاء المسيرة”. قال كينيدي: “انظروا، أنتم تسمحون لهذا الأمر بالتمادي”. عندها قال توم القديم: “معلّم، لا أستطيع إيقافها، لأنّي لستُ من بدأها”. قالوا: “لسنا فيها أصلاً، ناهيك عن أنّنا لسنا على رأسها”. قالوا: “هؤلاء الزنوج يتصرفون بمفردهم. إنّهم يتقدمون علينا”. أما الثعلب العجوز المكّار فقال: “حسناً، إن لم تكونوا جميعكم فيها، فسأُدخِلكم إليها، سأضعكم على رأسها. سأقبل بها، وأرحّب بها، وأساعدها. سأشارك بها.”

لم يستغرق الأمر إلا ساعاتٍ قليلة. اجتمعوا في فندق كارلايل في مدينة نيويورك. فندق كارلايل تملكه عائلة كينيدي. قبل يومين قضى الرئيس كينيدي ليلةً فيه، إذ تملكه عائلته. صدرت دعوة باسم نادي أثرياء يتزعّمه رجلٌ أبيض يُدعى ستيفن كورييرStephen Currier لكلِّ قادة حركة الحقوق المدنيّة البارزين ليجتمعوا في فندق كارلايل.

قيل لهم الآتي: “بشجاركم جميعاً مع بعضكم البعض، أنتم تدمرون حركة الحقوق المدنيّة. وبما أنكم تتقاتلون حول المال المجموع من الليبراليين البيض، دعونا ننشأ ما يُعرَف بمجلس قيادة الحقوق المدنيّة المتحدة، ونستخدمه لأغراض جمع الأموال”. دعوني أُريكم خداعَ الرجل الأبيض: بمجرّد ما شكّلوا هذا المجلس، وانتخبوا ويتني يونج Whitney Young رئيساً له، من برأيكم أصبح رئيساً شريكاً؟ ستيفن كوريير، الرجل الأبيض المليونير.

بمجرّد تشكيل المجلس، وعلى رأسه الرجل الأبيض، وعدهم وأعطاهم 800 ألف دولار ليتقاسموها بين الستّة الكبار.5الستّة الكبار (The Big Six): كناية للقادّة الست المركزيّين في حركة الحقوق المدنيّة الأميركيّة، ويضمّون: مارتن لوثر كنج، ويتني يونغ، روي ويلكينز، فيليب راندولف، جيمس فارمر، وجون لويس. (المحرّر). قال بأنّه سيعطيهم 700 ألف دولار إضافيّ عندما تنتهي المسيرة. مليون ونصف مليون دولار قُسِّمت بين الزعماء الذين كنتم تتبعونهم، تدخلون السِّجن من أجلهم، وتُذرف عليهم دموع التماسيح. وهم ليسوا إلا فرانك جيمس وجيسي جيمس وهؤلاء الأخوة.6فرانك وجيسي جيمس هما مجرمان أميركيّان من القرن التاسع عشر، اشتهرا بسرقة البنوك والقطارات. (المحرّر).، وما إن وقعوا في الفخّ، وفّر لهم الرجل الأبيض أهم خبراء العلاقات العامّة؛ وضع قنواتِ الإعلام في البلاد تحت تصرّفهم، ثم بدأت عمليةُ تصدير الستّة الكبار كزعماء للمسيرة.

لم يكونوا جزءاً من المسيرة أصلاً. لكن الرجل الأبيض وضع الستّة الكبار على رأسها، جعلهم هم المسيرة. أصبحوا هم المسيرة. استحوذوا عليها. وأوّل خطوة قاموا بها عندما استحوذوا على المسيرة كانت دعوة والتر رويتر Walter Reuther، وهو رجل أبيض، ودعوا كاهناً وحاخاماً وواعظاً عجوزاً أبيض. نعم. واعظ عجوز أبيض. هذا ائتلاف العناصر البيضاء التي أوصلت كينيدي إلى الحُكم، العُمّال، الكاثوليك، اليهود والبروتستانت الليبراليين. نفس العصبة التي وضعت “كينيدي” في السّلطة انضمت للمسيرة في واشنطن.

الأمر أشبه بأن تكون لديك قهوة سوداء سادة، أيّ أنّها قهوة قويّة جداً. ماذا تفعل؟ تخلطها بالكريمة لتُضعفها. ولو سكبتَ المزيد من الكريمة فيها، لن تعرف إن كانت لديك قهوة أصلاً. كانت حارّة وأصبحت باردة. كانت قويّة وصارت ضعيفة. كان عليها أن توقظك والآن ستجعلك تنام. هذا ما فعلوه في مسيرة واشنطن. انضمّوا إليها، لم يندمجوا فيها بل اخترقوها. انضموا فأصبحوا جزءاً منها ثم استحوذوا عليها. وأثناء استيلائهم عليه فقدت عنفوانها. فَقَدَ الناس غضبهم وحرارتهم، لم تعد غير قابلة للمساومة. حتّى أنها لم تعد مسيرة أصلاً.

أصبحت نزهة، سيركاً. لا شيء إلا سيرك فيه المهرّجون وكلُّ الأشياء الأخرى. كان لديكم واحداً في ديترويت- رأيته عبر التلفزيون- يقوده مهرّجون. مهرّجون بيض ومهرّجون سود. أعرف أن ما أقوله لا يعجبكم، لكنني سأقوله على أية حال لأنّني قادر على إثباته. ولو كنتم تظنّون أنني لا أقول الحقيقة فليحضر مارتن لوثر كينغ، وفيليب راندولف وجيمس فارمر والثلاثة الآخرون، وليُنكروا ذلك على الميكروفون. لا. كانت عملية تصفية. كان استيلاءً. وعندما جاء جيمس بالدوين من باريس لم يسمحوا له بأن يقدّم خطاباً. لأنّهم لم يكونوا قادرين على جعله يسير بحسب السيناريو. منعوا بالدوين من الصّعود إلى المنصّة، لأنّهم يعرفون أنّ بالدوين يُمكنه قول ما يشاء.

لقد أحكموا قبضتهم على المسيرة؛ أخبروا الزنوج بالوقت الذي يجب الوصول فيه إلى المدينة، وكيف يجب الوصول، وأين عليهم التوقّف، وأيّ لافتات عليهم أن يحملوا، وأيّ أغنية يجب أن يغنّوا، وأيّ خطاب يمكنهم أن يقدّموا، وأيّ خطابٍ لا يمكنهم أن يقدّموا. ثم أخبروهم أن يخرجوا من المدينة قبل الغروب. كلّ واحدٍ من هؤلاء الـ “توم” كان خارج المدينة عند غروب الشمس. الآن أنا أعرف أنّ كلامي لا يعجبكم. لكنني أستطيع أن أثبته. كان سيركاً، عرضاً يفوق كل ما يُمكن لهوليوود أن تفعله.



18 أبريل 2019
حِرفَة اليد وصَنعة الروح

تتناول هذه المادة العمل اليدوي من زاوية فلسفية ونفسية، ثم اقتصادية، للباحث في معهد الدراسات المتقدمة للثقافة في جامعة فرجينيا…