fbpx

فيلم "مفك"… آلام الأسرى تغلّفها صورُ البطولة

فيلم

على سعة الإرث الثقافيّ المتعلّق بقضيّة الأسرى، إلا أنّه من النادر مصادفة منتج أدبيّ أو فنيّ أو حتّى صحافيّ لا يُكرر ما سبق قوله، وذلك في تناصٍ مستمرٍّ مع كل الشعارات الوطنيّة، وكليشيهات البطولة، وقدسيّة التضحيات. نادرة هي الأعمال التي لا تلتزم بالحكاية المثاليّة للمعتقل والاعتقال، بعناصرها المعتادة، من الوحدة والحنين والتثقيف الذاتيّ وظلم السّجان. وتبقى جوانب الحكاية الأخرى، غير المثاليّة، ضمن المسكوت عنه.

أحد هذه الأعمال النادرة هو فيلم "مفك" (2018) للمخرج بسّام الجرباوي. في فيلم الجرباوي يخرج زياد (زياد بكري) من السجن عام 2017 بعد اعتقالٍ استمر 15 عاماً، يقف صامتاً، مذهولاً ومشدوهاً أمام الحياة التي تستقبله بكل حيويّتها، فتغمره الأحضانُ والهتافات. يضع المذيع الميكروفون أمامه ويسأله عن مشاعره. لا يجيب زياد، لكن هذا لا يهمّ، فالصحافيّ يمتلك الإجابة جاهزة كما هو الأمر في أيّ حدث تصبغُهُ الوطنيّة؛ كلمات مصطفة تنتظر دورها، وقصائد، وسعادة وانتصار يتشارك فيه الجميع… ما عدا الأسير. كلُّ شيءٍ بالنسبة للأسير يحدث للمرّة الأولى، ومذاق الحياة لا يزال في بدايته، أو ربما في نهايته.

يبدأ الفيلم عام 1992 في أزقة إحدى مخيّمات الضفة الغربيّة حيث يهوى صديقان اللعب، وهما زياد ورمزي. يضرب كلٌّ منهما الآخر بأداةٍ حادّةٍ إشارةً على قوّة الصّداقة ورابط الدم. يبالغ زياد حين يجرح صديقه بمفك، إلا أن هذا لا يفرق بينهما بل يبقى موقفاً يتندران به في مراهقتيهما إذ تستمر المَشاهد بنفس الحميمية عام 2002.

قرر المخرج، وهو كاتب السيناريو أيضاً، أن يشقّ طريقاً جديداً في اجتراح المفارقة بين حقيقة وواقع الأسير المُحرّر من جهة، وبين نظرة الناس إليه والوهم الذي تخلقه الأيقونة المستعادة آلاف المرات في الخطابات الوطنيّة والإعلام المحليّ الذي ينتقده الفيلم بسخرية لاذعة. هذا الإعلام الذي تعتقد أنّ الزمن سيجعلُه أكثر حساسيةً في نقل معاناة الفلسطينيّ أينما كانت مأساته. لكنّ هذا لم يحدث، وأدّى التضخيم من صورة التضحية دون عقلنتها أو أنسنتها إلى جعل المشاعر نحوها معلبةً إلى حدٍّ كبيرٍ، وغابت البديهيات عن كنه الاعتقال ونوعية الألم والفقد الذي يعاني منه الأسرى.

ينجح المُخرج في لقطاتٍ بسيطةٍ وذكيّةٍ في تصوير تعقيدات المجتمع الفلسطينيّ في الضفة الغربيّة وطبقيته أيضاً، ففي حين هناك من يبني القصور، يوجد أهل المخيم الذين يعانون الفقر ويحلمون بالتغيير، وكذلك من وهب عمره للمقاومة. في واحد من المشاهد يلعب زياد ورمزي كرة السّلة على أرض ملعب مدرسة أجنبيّة ضدّ فريقها والفتيات "الفري" يشجعنّ الشباب. ما يساعد الصديقين في تجاوز الطبقية الطافحة هو قدرتهما الجيّدة على اللعب. لكن كلّ هذا يختفي حين يخترق فجأة ملثمون من المقاومة الملعب وهم يركضون هرباً من جنود الاحتلال، وسرعان ما يتبعهم اللاعبون والمُشجِّعات، وهكذا صوّر المخرج مختلف اهتمامات المجتمع في وقتٍ ومكانٍ واحدٍ، ونقل أنَّ ما ينغص حياتهم كذلك شيءٌ واحد. بهذا التلميح وبالحوارات القصيرة الساخرة نجح المخرج -برأيي- في نقل المشهد من محليّتِهِ الشّديدة ليكون عالميّاً.

هكذا هي غالبية مشَاهد الفيلم؛ شديدة المحليّة، ولكن حُوِّلت بلغةٍ إنسانيّةٍ وحوارٍ فيه كثيرٌ من النقد الذاتيّ لتُشبِهَ أيّ مكانٍ وزمانٍ. منها مشهد شرب البيرة بين أربعة أصدقاء بينهم رمزي وزياد، يتحدثون خلاله بتلقائية حول رغباتهم الجنسيّة في عبارات فكاهية غير متحفظة. فجأة تصيب رمزي رصاصةٌ ويستشهد أمامهم دون أن يستطيعوا فعل شيء، فهم على أطراف المخيم في وقت متأخر.

الاحتلال… مثل أي عصابة أخرى

حتّى لحظة الانقطاع هذه، يبقى الاحتلال الإسرائيلي ظاهراً في الفيلم كأثرٍ على الحياة والنّاس، يُشبِهُ أيَّ عدوٍّ آخر. كما أنّ الصديقين، كأيّ صديقين، قد يفرِّقهما العنفُ من عصابة مافيا في حيّ إيطاليّ، أو عنصريّ في حيّ ملونين في أميركا. خاصّةً أنّ زياد ورمزي ليس لهما علاقة بالمقاومة، وشعور زياد بالقهر على صديقه هو إخلاص بين الأصدقاء في بُعدٍ اجتماعيٍّ بحت. ليس لأن الفيلم يتعالى على الوطنيّة، بل لأنه يريد أن يوصل رسالة بأن الاحتلال هو ما يحوّل مسرى كلّ ما هو عادي وطبيعي إلى شيء آخر، وأنّه يتسرب إلى المجتمع بأكمله فيمزّقه من داخله وليس من خارجه فقط، وعلى هذا النسق أيضاً يسري الردّ بالانتقام لاحقاً.

لكن الفيلم أحياناً لا يتجرّأ على مواصلة هذه الفكرة حتّى نهايتها، ويظهر تردداً ما، كما يظهر من مشهد جنازة إحدى الشخصيّات والذي تشعر به مسرحيّاً نوعاً ما، فواقع الجنازات مختلف تماماً عما حدث في الفيلم خاصة حين يبدأ توديع الجثمان في منزل رمزي من قبل والدته وبضع جارات في عبارات ضعيفة وصوت أضعف.

من المفهوم أن المخرج لم يرد أن يقدّم الجنازة الفلسطينيّة التقليديّة الحاشدة التي يملؤها الهتاف ونواح النساء، فهو يريد أن تكون جنازة عاديّة لشابٍ ليس مقاوماً، وإنّما قُتل برصاصة طائشة. لكن لو كان الأمر كذلك، لماذا مشى مسلّحون ملثمون خلال تشييع جثمانه؟ هل لأنّه لا مهربَ من الجو الوطنيّ العام، وتقاليده عند ارتقاء الشّهداء؟، وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يبدأ هذا التقليد من منزله؟

تزيح بقية الفيلم ما في هذا المشهد من تعثر؛ يبقى ثلاثة أصدقاء من "الشلة" يخرجون كما اعتادوا في جولاتهم بالسيارة، ليس في رأسهم أي شيء محدد، وعلى طريق سريع يستخدمه مستوطنون أيضاً، يرون أحدهم يبدل إطار سيارته، ويتجاوزونه. لكن صديقهم الملقب بـ"الأخطبوط" يقنعهم أنه يجب أن يطلق عليه الرصاص انتقاماً لرمزي. بالفعل يعودون إليه ويطلق "الأخطبوط" الرصاص، هكذا دون تخطيط أو اتفاق مع أحد، بل انتقاماً شخصيّاً لصديقهم في ذات النسق الاجتماعي باعتبار الانتقام صفة إنسانيّة أيضاً.

عند تلك اللقطة يبدأ الاحتلال بأخذ صفة الدولة المنظمة والعدوّ القديم، حين تلحق سيارتَهم دوريّةٌ أمنيّةٌ إسرائيليّة وتحاصرهم، فيهربون ركضاً على أقدامهم ويختبئون. لكن زياد لم يفعل ذلك جيّداً، ما يجعل اعتقاله من قبل الاحتلال سهلاً، لكنه يواجه التحقيق بشجاعة رغم التعذيب النفسيّ والتلاعب العقليّ به، فيبقى صامداً رافضاً أن يشي بصديقيه حتى حين عرف أن من أُطلق عليه الرصاص كان فلسطينياً، وليس مستوطناً، ما يؤكد أن ردّ فعلهم كأصدقاء فيه كثير من التلقائية والعاطفة. هذه العاطفة لن يغفرها هذا العدو الذي سرعان ما سيظهر أنه بعيد عن كونه عصابة في حيّ ما أو مسلحاً عنصرياً، حين يحكم على زياد بـ 15 عاماً في سجونه.

استدعاء السجن

لا يهتم الفيلم بإلقاء الضوء على حياة زياد داخل المعتقل، بل ينتقل إلى عام 2017 حين يخرج من هذا المعتقل. يخرج إلى الحياة حيث يشعر أن كلّ شيء فاتَه ويصبح أيّ فعل يوميّ وبسيط كتبادل الحوار واستخدام "الموبايل" أمراً صعباً ومؤلماً، ناهيك عن شعوره أنه أهدر عمره في السّجن.

يكون زياد محبطاً ويعاني مشاكل نفسيّة، ومكتئباً، ويتبوّل بصعوبة. يهجر غرفته التي وجدها كما تركها في مراهقته، لينام في غرفة على سطح المنزل، غرفة معتمة ذات باب حديدي تشبه السجن، يقضي فيها أغلب الوقت يستدعي السجن إليه، يريده ويحبه ويتذكره.

هذا عكس ما يصوره الإعلام الذي يجعلنا نعتقد أن الحرية والشمس ما يريد أن يراه الأسير. ربما كان ذلك صحيحاً في مخيال الأسرى خاصّةً ذوي الأحكام القصيرة؛ ممن لا يزالون يتذكرون الحياة في الخارج، ولكن أصحاب الأحكام الطويلة تتركز حياتهم على ما يقع داخل القضبان.

يصل زياد في انعزاله إلى درجة أن مجاملة مشاعر سلمى الفتاة الجميلة صديقة شقيقته نوال تبدو عملية تعذيب إجباريّة، فهي تلاحقه لكنه يرغب بالابتعاد عن الجميع، ولا يفهمه أحد؛ من ضمنهم والدته التي تؤدي دورها الممثلة عرين عمري. إضافةً إلى الصحافيّة مينا التي يكاد يقع في حبّها، بيد أن إصرارها وضغطها عليه لتصوير فيلم مختلف عن الأسرى يجعله يخشى أنانيتها. مينا التي أتت من أميركا باحثةً عن قصة تؤنسن فيها قضية الأسرى، لكن زياد يصارحها بأنها أتت لتلميع صورتها، وكي تمحو شعورها بالذنب تجاه قضية عادلة تبدو أمامها لا مباليةً، وتتمتع بكامل حريتها وقدرتها على السفر!

هكذا تبدو الحياة على بساطتها مستحيلة بالنسبة إليه، فالعالم تغيّر، وصديقاه اللذان لم يُبَلِّغ عنهما يعيشان كما الجميع في حين أن عمره توقف في السّجن؛ صديقه "الأخطبوط" وفّر له فرصة عملٍ معه في قطاع البناء، وكأنّه يحاول التكفير عن ذنبه لكن سرعان ما تشاجرا، أما الآخر مشغول بالعمل في حانة ما.

يستمر الفيلم في عكس صورة المخيم وشخصياته من منظور عينيّ زياد لتبدو جميعها ظالمة ومتعجلة ولوّامة؛ كلّهم ينتظرون من زياد العودة وكأنّه كان في رحلة استجمام لمدة 15 عاماً. لا يجد زياد سوى الماضي ليهرب إليه، فيتسلل إلى ملعب كرة السّلة وحيداً، وهناك يقابل شاباً رساماً يرسم الجرافيتي على الجدران، وبما أنه غريب الأطوار مثله، يصبحان صديقين.

ولعدم وجود راوٍ آخر للصورة سوى زياد، يستمر المتُلقي في رؤيته طبيعياً، ويتفهم ردود فعله الكئيبة والمنعزلة، بل ويقع في حبّه، ويشاركه في أن العالم ليس سوى ضجيج مؤذٍ. وعندما يعتقل الاحتلال صديقَه الوحيد رسام المخيم ويهبّ زياد للدفاع عنه، يحاول أهلُ المخيّم لجمه، ويصرخون به، ويبررون لجنود الاحتلال اندفاعه بالقول: "هذا مجنون… دشروه"، لتكتشف فجأة أن بيئته أصبحت تراه "هبيلة"، وأن والدته أخذته إلى من يقرأ عليه القرآن كي تبعد عنه الحسد أو السحر أو مسّ الجن.

هنا بالذات يكمن تفكيك الفيلم للنظرة العامة للأسير المحرّر أمام حقيقة دواخله، فنحن لا نعرف معنى الأسر وأثره بل ننتظر من كلّ أسير محرّر أن يكون طبيعيّاً ووطنيّاً وخطيباً مفوّهاً. لكن زياد يخرج علينا كارهاً للضوء والناس، يهرب من الحرية، ويخاف من المرأة، يفضل الوحدة على العمل، لا يشتكي، ولا يدعي أي بطولة، تُقام احتفالات على شرفه وهو يشعر بالغربة عنها، فهو ليس هذا الرجل الآلي الذي اسمه "أسير محرر" يستقبله الجميع بذات الطقوس والكلمات والأغاني وكأنه منتزع الماضي، ومفرغ من الحاضر.



أسماء الغول
كاتبة فلسطينية مقيمة في فرنسا.

إقرأ أيضاَ