fbpx

عند جبل حيدر

عند جبل حيدر

لا الثورة ولا النكبة وحكاياها، ولا كلّ هذه العقود التي طوت قصصَ الكبت والتّمرد والرصاص، يُمكِنُ أن تُوقِظَ في ذَاكِرة عمران ورفاقه البنّائين تلك السهرة الحَيْدَرية -نِسبةً إلى جبل حيدر في الجليل الفلسطيني- مثلما يُمكِن لِهبوب ريح كانون أن تفعل.

تَعَوّدَ عمران الذي غدا حاجّاً على ضبط صمت ذاكرته كلّ تلك السَنين، لكن حلولَ كانون وزمهريرَ ريحه كانت تنفض غبارَ السّنين عن تلك الليلة. وكما لو أَنَّ شتاء كانون يُعيد غسل ملامح وجه ذلك الرّجل الذي تَنْبَعِثُ منه رائحةٌ لا يستحضرها الحاجّ عمران إلا إذا اقترب من شجرة خروب… على أيّة حال لنعد إلى أوّل الحكاية.

كان ذلك مطلعَ ثمانينيات القرن الماضي، عام 1983 أغلب الظّن، حين وَصَلَ الخواجا ديفيد صاحبُ معمل حجار الطوب (بلُكْ) المُقام في إحدى المستعمرات على سفوح جبل حيدر في الجليل،بضعة كيلومترات جنوب قرية الرّامة العربيّة. وصل الخواجا منطقة النّاصرة باحثاً عن عُمال مياومين للعمل في مَعملِه، والناصرة بمقاييس ذلك الزمن تعتبر بعيدةً عن منطقة جبل حيدر!

في النّاصرة، تحديداً في ساحة العين، ما إن سَمِعوا عن الطّوب والبناء حتى أشاروا مباشرةً على الخواجا "دَرْبَك على عين ماهل"، إذ عُرِف عن المواهلة احترافُهم بناء الحجر، علماً أنّ صاحب المعمل يبحث عمّن يعمل في صناعة الحجر لا في بنائه. يذكر الحاجّ عمران ذلك اليوم الذي التقى فيه الخواجا بلحيته الكثّة وفروه الجيشيّ عند ساحة أم سالم في قرية عين ماهل، وقد كان سالم بصحبة عمران حين اقترح عليهما الخواجا حاجته للعمال.

بدا عرضُ الخواجا مغرياً ومُربِكاً في الوقت نفسه، إذ عرض زهاء خمس ليرات أُجرةً للعامِل الواحد في اليوم، بينما أُجرة العامل في ذلك الوقت لم تكن تساوي الليرة ونصف الليرة في اليوم، وهذا في عُرف المياومين إشارةٌ إلى النصب والاحتيال. قَبِلَ المواهلةُ العرضَ بعد أن عرفوا أنّ دفعَ الحِساب سيكون كلَّ يومٍ بيومه، لا شهريّاً ولا أسبوعيّاً مثلما كانت تُدفعُ أجورُ العمال المُياومين في ذلك الوقت.

وهكذا، اتفق عمران وسالم وآخران هما فوزي وحسني من أهل البلد على أن يصحبهم الخواجا ديفيد بسيارته الـ"فولزفاغن" صبيحة الأحد إلى معمله، ويعود بهم صبيحة كلّ يوم جمعة إلى البلد لقضاء عطلة آخر الأسبوع.

صباح الأحد كان البنائون الأربعة قد وصلوا معمل الطوب على أطراف مستعمرة "كمون" التي ابتلعت أراضي قرية الكَمَانِة البدويّة. على مدّ النّظر إلى الشمال الشرقيّ، تشرئب أسطح بيوت الرّامة العربية عن الضباب الذي يلفها منحدراً مع انحدارِ سفح جبل حيدر حتى مرج الشّاغور المرشوم بزيتون الرّامة الرّوميّ، والذي تشيح شُلُوحِهِ (أغصانه) للأعلى فتشقّ الضباب، ليلوحها زاروب هواء مطلّ الجرف.

تعرّفَ المواهلةُ على المعمل ومواقعِهِ ومكانِ نومِهم فيه؛ حجرتان من الطوب الإسمنتي العاري تشملان المطبخ وبيت الأدب. بعد ذلك نادى الخواجا عُمالَه المواهلة مذكِّراً إياهم بنظام العمل وحسابهم اليوميّ، وقَبل أنْ يهمّ العُمّال أَشَارَ عليهم بالتريّث، واشترط عليهم شرطاً بدا مُستغرَباً نوعاً ما! "لا تفتحوا بوابةَ المعمل بعد انتهاء يوم العمل لأيٍّ كان، حتى لو كان لحاملِ نبأ من عند أهلكم!". لم يستوقفنا شرطُ الخواجا وإصراره على عدم فتح بوابة المعمل، يقول الحاجّ عمران، "وافقنا وبدأنا العمل".

يعمل المواهلة منذ الصباح إلى قبيل الغروب، يأتي الخواجا بطعام العشاء للعُمّال وعلب سجائرٍ من نوع "ونستون"، يُسلّم العمّالَ حسابَ أجر يومهم، ثمّ ينصرف مُغلِقاً بوابةَ المعمل بإحكام. مَضَت الأيامُ ومَرّ الأسبوعُ الأول والأمورُ تسير "ليرة ذهب" على رأي الحاجّ. بردُ ليل جبل حيدر كان "يقصّ المسمار"، مما جعلهم بالإضافة إلى إجهاد العمل يغطون نوماً، إلا فوزي -رحمه الله-.

كان فوزي يصحو فجأةً، وبقي يقول إنّه كان يصحو لشعوره بأنّ هناك من كان ينظرُ إليه وهو نائم! وحين يُعَاوِدُ النّومَ والريحُ تنفخُ هبوبها في بطون الوديان، كانت أصوات مثل غناء وهتاف تنبعثُ كما لو كانت "تعليلة عرس"، هذا ما بقي يذكرُهُ فوزي "الله يرحم ترابو"، يترّحم عليه الحاجّ عمران.

في الأسبوع الثّاني؛ وفيما المواهلة يلعبون الورقَ ليلاً، وإذ من يقفُ عند باب مَهجعهم، طَرَقَ البابَ وباشرَ بالسّلام، رجلٌ في حيطان الأربعين لم يَعُدْ يذكر الحاجّ منه سوى سحنته القمحيّة وابتسامته الهادئة، ردّ المواهلة عليه السّلام بالتّرحيب. "من وين الشّباب؟"، "من عين ماهل"، "والنعم والله"، قال الرجلُ وهو يَهِمُّ بالجلوس على أحد حجار الإسمنت. بدا أنّه يعرف العين وأهلها، ولمّا جَلَس استأنف كلامَه مثل أيِّ تعارف متعارف عليه، وسأل: "شو بكونلكم يونس المطر؟"، "من عنا من البلد الله يرحمه"، لم يردّ الرجلُ التّرحمَ كما هي العادة، ثُمَّ عاودَ السّؤال: "وعبدالله المصطفى؟"، "برضو أعطاك عمره من عنا"، وبدا الإرباكُ يُخيّم على وجوه المواهلة. ثمّ أردفَ الرّجلُ: "طيّب وهاشم الشّيخ حسن من عندكم؟"، "صمتنا جميعاً، ولا حرف"، يقول الحاجّ.

مضى الرّجلُ في حديثٍ عن ليل الجليل البارد، وأصول إشعال النّار ومدافئ الحطب. يتذكّر الحاجّ عمران أنّ الرّجلَ كان يُحدِثهم وهو ينظر إليهم إلا إلى فوزي كأنّما الرّجل تعمّد ذلك. بعد أكثر من ساعة زمن هَمّ الرّجلُ "بخاطركم يا شباب". غادر تاركاً لهم قطفين من العنب الأحمر. يقول الحاجّ عمران: "نعم لقد استغشينا الرّجل، ومع ذلك غسلنا العنبَ وأكلناه ونمنا، بلا طائل تفكير".

في اليوم الثاني دَخَلَ الخواجا لإيقاظِ عُمّالِه، وفيما هو في المطبخ يُعدُّ قهوة الصّباح، انتبه إلى بضع حباتِ عنب في حوض الغسيل، عندها "هبّ كالمجنون مُنادياً عليّ وعلى حسني"، يقول الحاجّ، وفزّ المواهلة من فراشهم مستفسرين. "اتفقنا ألا تفتحوا بوابة المعمل لأيّ غريب"، صرخ الخواجا بعبريتهِ المُطعَّمَة بالعربيّة. "لم نَفتح البوابة" أَقسمَ له العُمّال.

مدّ الخواجا يده وحباتُ العنب في راحة يده، "في حدا كان هون"، قالها بالعربيّة. "نعم كان عندنا رجل، لكننا لم نفتح له بوابة المعمل"، بعدها صمت الخواجا. عندها انتبه العمال المواهلة: "صحيح! كيف دخل الرجل علينا؟". "لم يخطر ببالنا الأمر ليلتها"، يقول الحاجّ عمران، "والخواجا عرف أنّنا صادقون، لأنّ مفتاح بوابة المعمل معه وليس معنا، فكيف دخل؟!". ثمّ جاءت صيحة فوزي من الداخل متسائلاً: "يا شباب بأيّ شهر إحنا؟"، كان سؤالُه مُربِكاً وأجاب فوزي بنفسه: "في أواخر كانون، من وين جاب الزلمة العنب؟! في عنب بهالأيام؟!". "عندها وقف شعر بدني"، يقول الحاجّ عمران.

طلب ديفيد الخواجا من العُمّال تشغيلَ المعمل ريثما يعود وغادر، لكن العمّال لم يفعلوا ذلك، بل "شمّعنا الخيط ومصعنا بجلدنا" كما يقول الحاجّ. غادر المواهلة الأربعة المعمل عبر الوديان باتجاه الشّرق، وبعد صلاة المغرب كانوا في عين ماهل، "ما بنعرف كيف وصلنا"، يقول الحاج بضحكةٍ تَضبِطُها لمعةُ عينيه.

ملأ الوحلُ أحذية أصحابنا الأربعة الذي طَبَعَ أَثرَ أقدامِهم على طلعةَ الشّارع المؤدي إلى دار الرّوميّ، شيخ زاوية الطريقة القادريّة في عين ماهل، "وقفنا عند عتبة عقد بيت الشيخ مستظلين من رذاذ المطر، والماء يقطر من ملابسنا إلى أخمص قدمينا ليُذيب الوحلَ العالق على بساطيرنا"، يقول الحاجّ، إلى أن فتح الشّيخ بابَ العقد مستهجناً وجوههم الصفراء وحالَ ثيابهم الملطّخة بالوحل والتّراب، فأَذِن لهم، "شلحنا برجلينا ودخلنا"، يقول الحاج.

قدّم الشّيخ الروميّ الشّايَ للمشدوهين الأربعة ورائحةُ البخور تختلطُ ببخار الزّعتر الفارسيّ في الشاي، وبلا مقدمات توّلى فوزي رحمه الله الحديثَ، قاصّاً على الشّيخ كلَّ ما دَارَ منذ أن وطأ الخواجا القريةَ باحثاً عن عُمّالٍ إلى حين هروبهم من معمل الطوب بعد تلك السّهرة المخيفة وذلك الرجل الغريب.

تبسّم الشّيخ الروميّ وقال: "اشربوا الشّاي قبل ما يبرد"، من ثمّ بدأ في تمائم ذكرِهِ على إيقاع سحب حبات مسبحته والصّمتُ يلّف العقد. "لقد سهرتم مع شهيد"، قال الشّيخ وسكت. صَاحَ فوزي مُكبِّراً، ودلق حسني شايه دون أن يتلفظ أيٌّ منهم بحرف.

رَحِمَ الله يونس وعبدالله وهاشم الثلاثة الذين سأل عنهم رجلُ تلك الليلة. كان هؤلاءُ هم شهداء عين ماهل في معركة الصبيح عام 1948. "لولا شغلة العنب، يقول الحاجَ عمران، لظننت أن قصة الرجل الغريب في تلك الليلة هي تدبير من الخواجا نفسه". يُقسِمُ الحاجّ أنّ الرجل ترك لهم عنباً أكلوه في عزّ دين شهر كانون، فهذه ضيافة شهيد، فنحن من كنا بضيافته وليس هو، يقول صاحبنا.

غريبٌ يسأل عن ثلاثةٍ يعرفهم وهم شهداء، لثيابه رائحةٌ لها علاقة بموقع دفنه، تعرّف إليها الحاجّ عمران لاحقاً كلّما اقترب من شجرة خروب، "نفس الرائحة" يقول. المعمل مقامٌ على مقبرةٍ، هذا ما يظنّه الحاجّ، وإلا كيف نُفسِّرُ قدوم الخواجا من جبل حيدر إلى ديارنا بحثاً عن عُمّالٍ وبهذا الأجر المغري، هل خَلَت من عُمّالها تلك الديار؟ ولماذا اشترطَ علينا إغلاقَ بوابةِ المعمل؟ وفوزي والأصوات المنبعثة ليلاً كما لو أنّ النّاس في عرسٍ، أظنّه قادرٌ على تمييز صوت البشر من الواويات (بنات آوى)، يقول الحاجّ عمران متبسماً ومترّحماً عليه وعلى الشّهداء.

لا يمكن فهم اختلاط مشاعر الغرابة بالإرباك الذي ضجّ بعيني الحاجّ عمران وهو يقصّ الحكاية بكامل جوارحِهِ. غرابةُ سهرة مع شخصٍ غير موجود، وإرباكُ هوية الشّخص بكامل حمولتها التّاريخيّة بسؤاله عن شهداء ديارنا الذين غدوا ضحايا لا مقاتلين في ذاكرة ذويهم. من يرقب الحاجّ عمران وهو يقصّ مشدوهاً، يعرف ألاّ يمكن لداخلنا الفلسطيني (أراضي الـ48) أن يرى شهيدَه إلا من نافذة حكايةٍ أو سرديةٍ رومانسيّةٍ ما أو منام تقصُّه أرملةٌ من أرامل بلادنا. الداخلُ غير مُدرّبٍ على تَخيّل شهدائه، إلا إذا تكفّل الأدبُ بذلك، إذ أنّ الأدب يُتيحُ إمكانية التخيّل، وإعادة بعث الشّهيد بوصفه فاعلاً لا ضحية.

يستأنسُ الحاجّ مسترسلاً الحديثَ عن شهيد سهرة جبل حيدر كما لو كان يَعرِفُه ويعرِفُ مآثرَه، ويَحيدُ عن يونس وعبد الله وهاشم الذين يعرفوننا ونعرفهم، لأنّ لا حكاية تُبعث بهم بعد.

علي حبيب الله
باحث في التاريخ الاجتماعي

إقرأ أيضاَ