21 يناير 2020

صراع أجيال؟

عن تفاعل النسويّات مع شهادات التحرّش

عن تفاعل النسويّات مع شهادات التحرّش

شهد المجتمع الفلسطينيّ تحوّلاً جديّاً في النضال النسويّ خلال السنوات القليلة الأخيرة. ولعلّنا نجد التعبير الأهم عن هذا التحوّل من خلال حراك "طالعات"، وكذلك الحملة الجريئة التي أطلقتها جمعيّة السّوار، والتي نشرت 16 شهادة عن متحرّشين جنسيّاً، ومنها شهادات ضدّ شخصيّات بارزة في العمل السياسيّ والمدنيّ الفلسطينيّ.

وفي الوقت الذي شهدنا فيه دعماً واسعاً بين الشّابات لحملة "السوار"، وظهور أصواتٍ واضحة من نساء في العشرينيّات والثلاثينيّات من أعمارهن، تُنادي بتصديق الشهادات ودعم الناجيات بشكلٍ قاطعٍ دون أن تأبه بشخص المتحرّش ومكانته الاجتماعيّة وموقعه السياسيّ، في مقابل ذلك ظهرت أصوات نسائيّة مهادنة، وأخرى متردّدة، بل وأصوات نساء تستنكر هذه الحملة. وهي بمعظمها أصوات صدرت عن نساءٍ من أجيال أكبر، كنّ وما زلن فاعلاتٍ ومناضلاتٍ في أُطرٍ حزبيّةٍ واجتماعيّةٍ، وفي أطر المجتمع المدنيّ، بل وفي الأطر النسويّة أيضاً – وهي كذلك أطرٌ ينتمي إليها أو يتعامل معها متّهمون بالتحرّش، لا سيما ممن ظهرت أسماؤهم في الحملة. والملفت أن بعض هؤلاء النساء يُحسبنّ على الصفوف المتقدّمة، بل والصّف الأوّل، في هذه المؤسسات، ويُعتبرنّ قيادةً نسويّةً على المستوى الوطنيّ.

تُجَسِّد الفروقاتُ التي ظهرت بين ردود فعلِ جيلين مختلفين من النسويّات الفلسطينيّات تطوراً مُثيراً للاهتمام في واقع الحركة النسويّة. وهو تطور ينعكس في نوعيّة الأطر التي تعمل من خلالها الحركات، وأدوات وأساليب النضال المتبنّاة، وعلاقة الحركة بالمؤسسات والحيّز الذي احتواها.

موقف جيلٍ

دَعَتْ غالبيةُ هذه الأصوات النسويّة، المنبعثةُ من أجيالٍ أكبر، الناجياتِ من الاعتداء الجنسيّ والنساءَ اليافعات إلى الاعتدال في نضالهنّ وفي أسلوب كشف حقيقة المتحرّشين علناً. خصوصاً بعد أن أُفصِح عن أسماء رجالٍ ذوي نفوذٍ اجتماعيّ أو مكانة سياسيّة تورّطوا في حالات تحرّش بنساء شاركنهنّ النضالَ الوطنيّ أو مكان العمل. صرّحت هذه الأصوات، مثلاً، أنّها لا تعارض الفكرة من وراء الحملة، إلا أنّها اقترحت بلورةَ "آليّاتٍ محاسبة عادلة" تفحص المعطيات "موضوعيّاً" و"مهنيّاً" منعاً لأيّ تشهير، لا سمح الله، بسمعة المتّهمين في حال تبيّن "عدم صحّة المعلومات"، أو وجود دوافع أخرى بمعزل عن قضيّة التشهير.

"الاعتدال" في إدارة النضال والمطالبة بإيجاد "آليّات محاسبة" كانت حصةَ الأسد من ردود الفعل، وهي الأخطر من بينها بنظري. وقد تم تبرير ردّة الفعل هذه بالقول إنها انطلاقاً من "الحرص" على مصداقية الحملة. أما التبرير الأنكى من "الحرص" فهو الخشية من تأثير التهم على نساء عائلة المتحرّش. مثلاً، ادّعت باحثة نسويّة أنّه من واجبنا تقصّي مصداقيّة القصص قبل نشرها، إذ أنّه قد يكون لها إسقاطات جمّة على بنات وزوجات المتّهمين بالتحرّش.

إلى جانب الدعوة إلى "آليات محاسبة عادلة"، وُجدت ردودٌ أخرى من نسويّات وقياديّات الجيل الأكبر: ردود  تمثّلت بالسكوت وعدم إبداء الرأي إزاء حالات التحرّش وإزاء النقاش الجماهيريّ في أعقابها. ظنّت القياديّات البارزات أنهنّ نُسين، وكأنّ أحداً لا ينتظر تعقيباً منهنّ، خاصةً على ضوء تعدّد الآراء والحالات والمعلومات. نساء شققن الطريق إلى مناصب قياديّة رفيعة في السياسة ومؤسسات المجتمع المدنيّ والإنتاج المعرفيّ، اخترن الاختفاء من معركةٍ اجتماعيّةٍ نسويّّةٍ وأخلاقيّةٍ، اختفاءً لا يليق بهنّ ولا بتوقّعاتنا منهن - نحن النساء اليافعات اللواتي نقتدي بعملهنّ أو تأثرنا بهنّ.

أمّا الشكل الآخر فكان التطرّق لقضايا نسويّة عامة، كالعنف وعوائق التوّجه إلى شرطة الاحتلال أو المنظومة القضائيّة الإسرائيلية، وسط تجاهلٍ شبه تامّ لأخبار الساعة عن شهادات تحرّش عينيّة تتّهم أشخاصاً تربطهن بهم نضالات وطنيّة، سياسيّة ومهنيّة وثقافيّة مشتركة، ومعرفة شخصيّة. لم تتعاطى تعقيبات هؤلاء النساء مع موضوع التحرش والحالات العينيّة، بل اخترن المشاركة بمنشورات عامّة أو بزاوية رؤية تصوّب نحو الحلقات الأبعد، وخاصةً السلطات الإسرائيليّة المتورّطة بالتأكيد، إنما التي لم تكن فعليّاً محور النقاش. عبّرت ردود الفعل هذه عن خيار تكتيكيّ للمشاركة في النقاش الدائر، ليُسمعن فيه صوتاً يجيب على توقّعاتنا اتجاه دورهنّ في النقاش، لكنه صوت اكتسى بمسوغات ظاهريّة وتستّرٍ وراء النظرة الشاملة والسياقات "الأوسع"، خاصةً تلك التي يسهل توجيه أصابع الاتهام إليها.

سياق نضاليّ

لا شكّ في أن نضال الجيل السابق من النشاط النسويّ حقّق مُنجزاتٍ هامّة، لا سيما اختراق الحيّز العام – في السياسة والمجتمع المدنيّ والأكاديميا- والذي كان حكراً على الذكور لعقودٍ طويلة. كما لا شكّ في دورهنّ الذي أتاح السبيل لإدارة نضالات نسويّة مستقبليّة نشهدها وسنشهدها، ستتحرّك بشكلٍ مختلف وتشغلها أسئلة مختلفة. مع هذا، فإن ردود الفعل من شخصيّات مركزيّة من هذا الجيل كشفت عن خوفٍ من الاهتزاز العنيف للبنية الاجتماعيّة، واحتمال فقدان الرجال للامتيازات الذكوريّة الممنوحة لهم في مجتمعنا.

ترجع ردّة الفعل هذه إلى صفاتٍ مركزيّةٍ لنضال جيلٍ نسويّ سابق. إذ تمحور النضال النسويّ في سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين في محاربة تقييدات العائلة والسعي لاختراق الحيّز العام. شهدت هذه السنوات انضمام نساء رياديات إلى الجامعات، سكنهنّ خارج منزل العائلة، انخراطهن بسوق العمل، وتبوّء مناصب في دوائر كانت حتى تلك اللحظة حصرية للرجال. بالتالي، وبالأساس بسبب محدودية الأطر التي تم "اختراقها"، كان عملُ النضال النسوي في المرحلة المذكورة من خلال مؤسسات المجتمع المدنيّ والأحزاب والحركات السياسيّة، خاضعاً لأولوياتها، وبذلك اختار هذه النضال النسويّ أدواته بموجب منطق تلك المؤسسات والحركات. اعتمد العمل النسويّ على هذا النوع من الأطر التي باتت اليوم "تقليدية"، وهي أطرٌ حدّت من العمل النسويّ وأخّرته، على أقل تعبير، عن توسّعه إلى قضايا نسويّة كثيرة. إذ أنّ نضال هذه الأطر كان متعلقاً بقراراتٍ تؤخذ من قبل ذكور من جهة، ممّا أدّى إلى ترتيبه -أي النضال النسويّ- تحت النضال الوطنيّ الفلسطينيّ في "سلم أولويّات"، ثم بموجب سياسات داخلية وخارجية من تمويل وصناديق من جهة أخرى، والتي غالباً ما تشترط الدعم الماديّ باستعمال أدوات نضاليّة معيّنة – منها القنوات الحكوميّة والقضائيّة الرسميّة.

اقرأ/ي أكثر: "كيف يُفلت رجال مؤسساتنا من تهم التحرش"؟

أثّر هذا الشكل التنظيميّ على الصعيد الشخصيّ للنساء. وفي ظلِّ مجتمعٍ غير متقبلٍ، وغياب أطر داعمة بديلة، قدّم الحزب والحركة السياسيّة والمؤسّسة الأهليّة شبكةَ أمانٍ للنساء. إلا أن هذه الأطر نسخت في الحيّز العام ديناميكيّاتِ علاقةٍ مشابهةٍ لتلك التي تسود في العائلة. نشأت داخل هذه المؤسسات علاقة مبنيّة على موازين القوة التقليدية من جهة، وعلى الولاء للرجال المنتمين (والقياديين خاصةً) في هذه الأطر من جهة ثانية. أدّى ذلك إلى غلبة العلاقات (أي علاقات هؤلاء النساء الناشطات) مع الرجال داخل هذه المؤسسة، وتفضيلها على التزامهنّ لنضال نساءٍ "بعيدات" عنهنّ، خاصةً حين يلحق هذا النضال ضرراً بـ"العائلة البديلة". وقد تُضاف إلى هذا الارتباط الشخصيّ مصالحُ فوريّة ومباشرة تجمع الأعضاء النساء والرجال في هذه الأطر، حيث ترتبط مكانة المرأة الحاليّة والمستقبليّة فيها برضى وسلطة الرجل القياديّ فيها، وذلك في نسخٍ شبه تام لعلاقات القوى الجندريّة المهيمنة داخل العائلة.

ليس هذا فحسب، بل وبسبب ارتكاز النساء القياديات على الأحزاب والمؤسسات كمكان عمل وكمنظومة يتمّ النّضال من خلالها، تضيق فرص العمل في أطر خارجيّة أخرى، ممّا يعزّز رغبة هؤلاء النساء بالمحافظة على مكان العمل و-"الثبات" في علاقاتهن المهنية مع الرجال. المحافظة على "العلاقات الطيبة" مع الرجال المتحرّشين جنسيّاً لا تنحصر بالنساء المنتميات لنفس الأطر، بل تشمل النساء اللواتي تعملن في منظّمات لها صلة مع تلك الأطر، لأنّ المحافظة على "علاقات مهنية وشخصيّة طيبة" هي في مصلحة المنظمات وتعود بالفائدة عليها، فكم من تعاون بحثيٍ أو من دعوة لإلقاء محاضرة أو اشتراك بمؤتمر، أو تمويلٍ لمشروع منوط بهذه العلاقات.

خارج اللعبة

ليس هذا هو الحال في تحركات تقودها نساءٌ يافعات وتشاركها فيها شريحة صغيرة فقط من الجيل الأكبر - مثل حملة "السوار" أو حراك "طالعات" - فهما مثالان لحراكات لا تعمل بمنطق المؤسسات أو الأحزاب، تتميّز بمركزية النساء في كل مراحل عملهما من تخطيط وتحشيد ومشاركة ميدانيّة في المسيرات والتظاهرات. والأهم أنها حركات تدرك تغيّر الواقع، كما تُدرك الإمكانيّات التي باتت متاحة ضدّ المنظومة الاجتماعيّة القائمة التي تشرعن التصرفات الذكوريّة عامّةً و/أو تبدي تردّداً في الموقف منها أو ترهنه بهويّة مرتكبها.

للنساء اليافعات والشابات أطر داعمة لنضالهن النسويّ وحركات عالميّة تنشط في شتى الدول بنفس الهدف ترفد بعضها الآخر – زعزعة وتفكيك المنظومة القائمة على نحو جذريّ. وجود هذه الأطر وما تنتجه من مضامين فكريّة وإعلاميّة يمكّنهنّ من إدارة نضال تحرّري وتقدميّ دون محسوبيّات ودون شخصنة. ولربّما على العكس، إذ إنّ إسهام المتحرش المجتمعيّ وباعه الوطنيّ ومكانته الاجتماعية تجعله عرضة أقوى للتشدّد في التعامل معه.

يمكن القول إنّ ميّزات النضال النسوي الحاليّ تأثّرت بوجود حركات عالمية فعّالة ساهمت في تبلورها، وفي تغييرات في مفاهيم التنظيم والعمل السياسيّ، والانكشاف والتكاتب مع حركات عالمية، أهمّها حملة #metoo. وسّعت هذه الإمكانات قوس القضايا الشاغلة للحراك النسويّ وفتحت الأبواب للتعامل مع العديد من القضايا، ولا سيما تلك التي تعتبر تابو اجتماعيّاً لا يتم التطرّق إليه علناً، رغم إجماع النسويّات على أهميّة معالجتها. بات من الواضح اليوم أن تابو التحرّش داخل المؤسسات يحتمي ويكتسب غطاءً من تعامل الجيل السابق للعمل النسويّ، ومن محدوديّة النضال، تردده وتراجعه في هذه القضايا.

من أجل دورٍ طلائعيّ

يناضل جيلنا ضد التحرّش الجنسيّ أو أي نوع عنف ممارس ضدّ النساء. نعمل في إطار منظومة علاقات قوى جندريّة وقوميّة وطبقيّة متقاطعة تحول دون أي إمكانيّة لنيل المرأة حقّها ومعاقبة المعتدي عليها ضمن الأدوات والقنوات التقليديّة، من الشرطة والمحاكم وصولاً إلى الهيئات الداخليّة للأحزاب والمؤسسات التي أثبتت مرةً بعد مرّة فشلها الذريع في معالجة مثل هذه القضايا ومحاسبة المعتدين.

أمام هذا، تختار النسويّات الشّابات النضال بأشكال غير تقليديّة، وخارج المسارات التي توفّرها المؤسسة التقليديّة، والتي خذلت النساء مراراً وتكراراً. ومن هذه الأدوات التظاهر، والكشف العلنيّ للقصص والشهادات، ومقاطعة المعتدين اجتماعيّاً والمطالبة العلنيّة بمحاسبتهم. التباين في ردود الأفعال بين النساء من الفئات العمرية المختلفة على الحملة يكشفُ النقلةَ النوعيّةَ في طرق التّصدي والمعالجة، وهي طرق تتجاوز التصالح والمهادنة إلى محاولة المعالجة الجذريّة عن طريق الزعزعة التامة للمنظومة القائمة.

تبنّي نهج الآليات الموضوعية غير القضائية، كآليات محاسبة داخل الأحزاب والمؤسسات، أو إعطاء حق الرّد للمتحرش ونشر روايته لتعزيز الشفافية، ما هي إلّا وسائل قائمة على استغلال قوّة الذكر واعطائه المساحة لاستخدام سلطته لحماية نفسه واستعادة السيطرة. على النساء القياديّات أن ينظرن إلى حقيقة هذه المسارات التقليديّة وتجاربها، ويعترفن بالرابط القويّ بين "آليّات المحاسبة الداخليّة" وسيطرة الذكور في المؤسسات وعليها، وبالتالي الاعتراف بعدم واقعيّة هذه الاقتراحات، بل وأنّها تكرّس الظلم وتحميه.  

وظيفتنا كمجتمع عامّة وكنسويات خاصّة، ندّعي مكافحة القمع والعنف بجميع أشكاله، ليست الالتزام بدورنا الرجعيّ التاريخيّ بذرائع موضوعيّة، وإنما وظيفتنا دعم المناضلات اللائي يواكبن ويتابعن حالات الظلم الذي يمارسه الرجال، خاصةً حين يدفعن ثمن ذلك، من تعنيف وضغوطات وتهديدات وملاحقة. علينا رفض "ُثقافة الصمت" ومحاربة الممارسات العنيفة وثقافة التحرّش دون أي تسامحٍ، ودعم الناجيات منها ومنحهن الثقة الكاملة، وإنصاف المتضرّرات، والعمل على غربلة الثقافة المجتمعيّة وتفكيك شيفراتها التي تنتج علاقات القوّة السائدة والظواهر الاجتماعيّة القمعيّة.