8 مارس 2021

حلقات قهر النساء المتشابكة في فلسطين: حوار مع إصلاح جاد

حلقات قهر النساء المتشابكة في فلسطين: حوار مع إصلاح جاد

بعد كلّ حادثةٍ أو خبرٍ يمسّ النساء أو حقوقهنّ، إن كان قتلاً أو ضرباً أو تحرّشاً أو ابتزازاً أو مظاهرةً أو قراراً رسميّاً غريباً، تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعيّ بالتعليقات والنقاشات والنكات والاعتراضات من كلّ حدبٍ وصوب. في بعض الأحيان يوحي هذا التضارب بغياب أرضيةٍ واضحة يمكن من خلالها فهم القضيّة النسويّة في فلسطين. وفي محاولة للإضاءة على قضايا النساء وتشابكاتها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، نُقدّم لكم هذا الحوار مع إصلاح جاد.

إصلاح جاد (1951) أستاذ مشارك في دراسات المرأة والتنمية والدراسات الثقافيّة في جامعة بيرزيت، ومن المؤسّسين المشاركين لمعهد دراسات المرأة في الجامعة. كتبت جاد العديد من المؤلّفات والمُساهمات الأكاديميّة حول النساء فلسطينيّاً وعربيّاً، ومنها كتابها "نساء على تقاطع طرق: الحركات النسويّة الفلسطينيّة بين الوطنيّة والعلمانيّة والهويّة الإسلاميّة" (2008)، وفيه تستكشف أثر إنشاء السلطة الفلسطينيّة ومشروع "بناء الدولة" الذي حملته على الحركات النسويّة الفلسطينيّة.

إلى الحوار:

نلحظ تزايداً في حالات العنف ضدّ النساء في فلسطين، وقد كشف لنا وباء "كورونا"، وما تبعه من سياسات الإغلاق والحجر، عمّا كان مُضمراً من جُملة ما تتعرّض له النساء من ضغطٍ نفسيّ وتحرّش واعتداء. ترافقَ مع ذلك نقاشٌ حول النسويّة طرح فيه كلُّ ذي رأيٍ فهمَه لها. سؤالي لك: كيف تفهمين النسويّة في سياقنا الفلسطينيّ؟

حين نقول "السياق الفلسطيني" نقصد بذلك سياقاً تتواجد فيه حقبٌ استعماريّة مُتتالية، التي أدّت إلى نوع من الإفقار نتيجة عوامل ذاتية؛ بمعنى أنّ الاقتصاد بشكل عام مُسيطر عليه، والمؤشرات لذلك واضحة، فمثلاً نسبة التعليم بين النساء مُرتفعة، ولكنّ هناك نسبة بطالة مرتفعة بين صفوفهن، وأيضاً نسبة البطالة بين الذكور مرتفعة. بالتالي، هناك خنق لأي عملية تنمويّة طبيعيّة، وينعكس ذلك على مجالات كثيرة سواء على المستوى الاجتماعيّ أو السياسيّ أو الاقتصاديّ أو الثقافيّ.

بمعنى، أنّ أي دعوة لاستقلاليّة المرأة وتطوّر الاستقلال الذاتيّ لها يكون بحاجة إلى نوعٍ من الاستقلال الاقتصاديّ بالإضافة إلى مستويات التعليم وغير ذلك. لكنّ هذا ليس موجوداً، وبالتالي يؤبّد ويكرّس ثقافة تبعيّة النساء للرجال بشكل عام، سواء على المستوى الاجتماعي بالنسبة للقيم والأفكار، وأيضاً على مستوى القوانين، إذ تجد صعوبة شديدة في تغيير القوانين لأنّها أيضاً مرتبطة بحركة تنمية المجتمع بشكل عام.

في هذا السياق، علينا أن نرى النسويّة تماماً كما كانت تُطرح قبل اتفاقية أوسلو، إذ كان الفكر النسويّ حينها يعني بالضرورة تحديد ماهيّة حلقات القهر المتشابكة وكيف يتم التحرّر منها. 

كانت الحلقة الأولى الأعمّ هي القهر الاستعماري؛ القهر بسبب وضع الاحتلال والاستيطان المستشري الذي ينتشر بشكلٍ مستمر. الحلقة الثانية وهي القهر على المستوى الاقتصاديّ، أي القهر الطبقي: ليست النساء واحداً في أوضاعهن، هناك أماكن مهمّشة وعندنا ما يطلق عليه مناطق (أ، ب،ج)، وفي هذه الحلقة هناك فوارق بين النساء الّلواتي في طبقات عليا والنساء اللواتي في طبقات محرومة أو فقيرة. أما الحلقة الثالثة فهي القهر المتأتّي من التبعية في العلاقة مع الرجل

ليست هناك إمكانيّة أن نستهدف حلقةً واحدة، مثلاً حلقة التبعيّة للرجل، دون أن نستهدف أيضاً الحلقات الأخرى، لأنّ الحلقات متشابكة. وليست هناك إمكانيّة للفكاك من حلقة من حلقات القهر بدون الفكاك من الحلقات الأخرى.

وكيف أصبح الفكر النسويّ مطروحاً بعد أوسلو؟

قبل أوسلو كان الخطاب النسويّ واضحاً؛ حتّى تتحرر النساء من السيطرة الذكوريّة في المجتمع يجب أن يكون لهنّ دورٌ في مقاومة الاحتلال وفي منع حلقات الاستغلال الأخرى. بمعنى أنّ التنظيمات النسويّة كانت مرتبطة بالأحزاب السياسيّة، فكان يتم الربط بين حلقة مقاومة الاستعمار وحلقة تنظيم النساء في الشارع لمواجهة هذا الاستعمار مع مقاومة الاستغلال الطبقيّ ومقاومة التبعية الذكوريّة. 

أشرتُ في كتاباتي إلى أنّه قد كانت هناك فترة ذهبيّة لحركة نسويّة تربط بشكلٍ سلسٍ ومنطقيٍّ وقابل للتحقيق ما بين حلقات القهر المختلفة. مثلاً، كانت هناك أُطر نسويّة - في ظلّ حركة وطنيّة قويّة ممتدة في أرجاء المناطق المحتلة- تعملُ على جذب النساء في معركة التحرر الوطنيّ عبر تنظيمهنّ المظاهرات وكتابة الشعارات ورفع الأعلام، وغير ذلك.

من خلال هذا التواصل كان يتم التعرّف على أوضاع النساء في الأسرة أو في أماكن العمل. مثلاً، كان يتم التفاوض بشكلٍ جماعيّ مع مشاغل الخياطة التي كانت تستغل النساء بشكلٍ كبير لتحسين شروط التعاقد وألّا يتم توظيف العلاقات العائلية أو القرابة لاستغلال النساء في أماكن عملهن، فكان هذا الربط الواضح بين الوطنيّ وبين الاستغلال الطبقيّ الرأسمالي وما بين الأوضاع في داخل الأسرة. كذلك كان يتم التعرّف على أوضاع النساء في عائلاتهنّ؛ من مِنهُنّ تتعرض للضرب داخل العائلة أو يمنعها أخوها من المشاركة في المظاهرات، ومن ثمّ التدخل لإصلاح هذه الظروف. وكان ذلك ينفّذ من الأطر النسويّة جميعها، سواء التابعة لـ"فتح" أو الجبهة الشعبيّة أو الديمقراطيّة أو الحزب الشيوعيّ.  

الذي حدث بعد أوسلو أنّ السلطة الفلسطينيّة عملت على تفكيك وتفريغ الحركات الاجتماعيّة والاتحادات الجماهيرية من مضمونها، وجذبت قيادات إلى صفوفها في المؤسسات المدنيّة والأجهزة الأمنيّة المختلفة، هذه كانت الضربة الأولى. أما الضربة الثانية فكانت بعد الانقسام من خلال ضرب التيّار الإسلاميّ في الضفّة الغربيّة بشكلٍ قاسٍ جدّاً، ممّا أضعف مجموع الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة في جميع مكوّناتها، وبالتالي تم الفصل بين الحركات الجماهيريّة الموجودة قبل أوسلو وبين الأحزاب السياسيّة. 

توازى ذلك مع  ازدياد عدد المنظمات غير الحكوميّة. قبل تلك المنظمات كانت الأحزاب السياسيّة والاتحادات الشعبيّة التابعة لها هي أشكال التنظيم المعروفة والتي تمتلك شرعية واسعة. أما المنظمات غير الحكوميّة فقد تشكّلت تقريباً في السنوات 1990-1991، ثمّ تصاعد عددها بعد أوسلو، ومعها أصبح الخطابُ مُجَزّءاً؛ هناك من يركّز على موضوع العنف، وهناك من يركّز على موضوع الإصلاح القانونيّ، وهناك من يُركّز على قضايا جزئية أخرى، أمّا الربط السلس بين الوطنيّ والاجتماعيّ فقد تفكّك بشكلٍ عام. 

بدون شكّ، هناك تنظيمات الاتّحاد العام للمرأة الفلسطينيّة ومنظمات غير حكوميّة ومنظمات نسائيّة عديدة، لكنّ الزخم الجماهيري والشعبي الذي كان للحركة النسوية الفلسطينيّة قبل أوسلو لم يعد موجوداً، وبالتالي طغى بشكلٍ كبيرٍ الخطاب التنموي، مثلاً؛ أهداف الألفية، أهداف التنمية المستدامة، سيداو، طغى الخطاب العالمي الأممي النابع من الأمم المتحدة ومن منظمات دولية أخرى.

أثار حراك "طالعات" والحملة التي قادتها "سوار" بنشر 16 شهادة عن متحرّشين جنسيّاً بالأسماء، الكثير من النقاشات والآراء حول آليّات مساءلة المُتحرّشين ومعاقبتهم، وظهر سؤال: هل لأنّ المرأة ضحيّة يجب دائماً تصديقها؟ وهل نسمع من الذكر شهادته حول الاتهام؟ برأيك، ما هي الآليّات المُجتمعيّة التي يجب اتّباعها في التعامل مع التحرّش؟ كيف نحمي الضحية؟ كيف نعاقب الجاني؟

يُعدّ التحرش ضرباً من الاعتداء والحطّ بالكرامة الإنسانيّة، وهو موجودٌ في كلّ المجتمعات. لا يفيدنا هنا ادعاء أنّه غير موجود أو ليس من ثقافتنا، أو القول بأنّ النساء اللواتي يتحدثن عن التحرش متأثرات بالفكر الغربيّ ونحن في الشرق وفي ديننا لا يوجد انحلالٌ أسريّ. هذه الادعاءات لا تفيد. التحرش موجود في كل مكان وبأشكال مختلفة.

التحرّش هو نوع من علاقات القوّة في المجتمع، فهناك مثلاً علاقة قوّة بين الشخص المتنفّذ والمسؤول عن العمل، وبين المرأة التي تكون في وضعية ضعيفة ومحتاجة اقتصاديّاً، فتُصبح احتمالات استغلالها وابتزازها مرتفعة. وقد يكون التحرّش في أيّ مكانٍ آخر، في الشارع والمواصلات العامة وغيرها.

يجب تشجيع المرأة على الحديث عن التحرّش الذي تعرّضت له، وأنّ ذلك لا يُعيبها فلا يجب أن تخجل منه، بل يجب أن يكون مُخجِلاً للشخص الذي يقوم بالفعل. على الصورة الاجتماعيّة أن تنقلب، لأنّ الضحيّة من حقها أن تحكي، والمتحرّش يجب أن يُدان ويُجرّم.

نحن في عصر السوشيال ميديا، ويحيلنا ذلك إلى حركة مثل "مي تو" في أميركا وأوروبا، التي نبعت من علاقة الاستغلال الموجودة في قطاع السينما في "هوليوود". لدى كل فتاة جميلة حلم بأن تصبح نجمة أو مشهورة، في الوقت الذي يسيطر فيه الرجال على معظم قطاعات صناعة السينما: المخرجون، كتّاب السيناريو، المصورون، مّما يضع هذه الشريحة من النساء تحت رحمة هؤلاء الرجال الذين يتحكمون بأحلامهنّ. نتيجة علاقات القوّة هذه كانت هناك حالات ابتزاز واستغلال، وقد اتهمت بعض النساء الرجال على وسائل التواصل الاجتماعي، ثمّ لجأنّ إلى القضاء، والذي متوقع أن يقوم بالتحقيق وسماع شهادة كلّ الأطراف، وسيقوم بالجزاء لو أثبت الجرم، هذا على افتراض أنّ لدينا نظاماً عادلاً ونزيهاً وغير فاسد. 

مؤخراً تم تجريم قاضٍ معروف في مصر بقضية اغتصاب، وقبلها كانت هناك قضية ضدّ وجه سياسي معارض للسلطة قامت الأجهزة الأمنية بتشويه سمعته، لكن بسبب معرفة كثير من الناس بهذا الشخص تمّت تبرئته على وسائل التواصل الاجتماعي. بمعنى أنّ الاتهام في نظام مغلق وغير ديموقراطي في أجواء ترهيب من الأجهزة الأمنية، يجعل قضية النساء والتحرّش قضيّة يمكن استغلالها بكل سهولة للأسف لتشويه صورة المعارضين، مثل أنّ إحدى وسائل الضغط لدى الاحتلال الإسرائيلي من أجل إسقاط أحدهم في شبك العمالة هي بتهديده نشره معلومات شخصيّة تُسيء لسمعته في المجتمع. 

هذه قضيّة شائكة، لكن لو هناك قضاء نزيه وغير مسيّس وغير فاسد يجب أن تظهر الحقيقة للجميع بناءً على تدريب معين في طريقة التحقيقات. ليس بالسهولة على المرأة أن تتهم شخصاً بريئاً، فالنظرة المجتمعية ما زالت تنظر إلى المرأة -حتّى لو هي الضحية- بطريقة: ما الذي كنت تفعلينه هناك؟ لماذا ذهبت؟ وهكذا. بشكلٍ عام، التشهير بالشخص المعتدي هو من الأدوات الفاعلة كما حاولت أن أشير مثلاً في مجتمع هوليوود، إذ يؤدي إلى نوعٍ من الحكم الاجتماعي على الشخص المعتدي. 

سألتُ عن الآليّات المُجتمعيّة لأنّ الثقة بالجهاز القضائي والطبيّ معدومة. في ظلّ انعدام الثقة بالقانون وبالجهات المنوط بها تطبيقه، كيف تُمكن قراءة قانون حماية الأسرة مثلاً؟ وهل سيُحدث القانون أي فارق؟

النصّ القانوني في حدّ ذاته لا يُغيّر في المجتمع، ولكن ما يغيّر في المجتمع هو تواكب عدّة عناصر في آنٍ واحد. بمعنى، لو أنّ لدينا نصّاً قانونيّاً جيّداً ولكن لا توجد مؤسسات مناسبة لإنفاذه، ولا توجد في المجتمع ثقافة الثقة أو اللجوء إلى القانون، فماذا سنستفيد؟

تعمل الكثير من المنظّمات على قضيّة تغيير الوعي، بهدف خلق ثقافة عامة تقوم على البوح والمساءلة، وذلك لحثّ الضحايا على المطالبة بحقوقهنّ وعدم الاكتفاء بالسكوت. في المقابل، فإن أجهزة إنفاذ القانون في بلادنا ليست فعّالة بسبب غياب قضاء عادل وجهاز شرطة مدرّب على التعامل مع حالات العنف ضد النساء. 

قد يكون القانون الخطوة الأخيرة، ولكن قبل ذلك ثمّة حاجة إلى إعداد المجتمع وتغيير الثقافة العامة لنظرة الإنسان لكرامته وجسده وحقوقه بشكلٍ عام، ومن ثمّ بعدها يأتي موضوع المؤسسات القانونيّة والتنفيذية. وذلك حتّى نضمن أنّه لو تمّ اللجوء للقانون لا يُقال للضحيّة: "عيب عليكي جاية تشكي ع أخوكي أو جوزك"، ومن ثمّ يجلبون الأخ أو الزوج وتتم مصالحتهم. 

إذن، هي ثلاث حلقات: الثقافة القانونية العامة، مؤسسات إنفاذ القانون (شرطة ونيابة)، والنص القانوني. 

بخصوص قانون حماية الأسرة، توجد جريمة في المجتمع، ولكن لا يعني ذلك أنّ مجتمعنا مفكّك أسرياً ويتصف بالانحلال. علينا ألا ننظر إلى الأسرة كمكانٍ للتربية والأمان والحب فحسب، فلدى بعض الأسر مشاكل، وتنفذ فيها جرائم. السؤال هنا، في هذا الهامش من الأسر التي تقوم العلاقة بين أفرادها على العنف والمشاكل والتفكّك، أنت كمجتمع هل بمقدورك التدخّل لحماية أفراد الأسرة أم ستقول ذلك ليس من شأني؟ الفكرة الأساسية هي أنّ على السلطة دوراً لحماية أفراد الأسرة المُتفككة والتي يحصل في داخلها عنف. هناك تقارير عن أسر كانت تكوي أجساد أطفالها الصغار على أساس تخويفهم من التبوّل على أنفسهم أثناء النوم. حين تكون حالات العنف بهذا الشكل، أنت كسلطة عامة ترى أنّ من وظيفتك التدخّل لحماية هذا الطفل الضعيف أو الشخص المعتدى عليه في الأسرة أم لا؟ لو كانت الإجابة نعم، ما هي أشكال الحماية؟ وأشكال الحماية هذه يجب أن يكون عليها اتفاق مجتمعي.

في سياق الحديث عن قانون حماية الأسرة، ثمّة أصوات تقول بأنّ القانون من شأنه أن يُفكّك الأسرة؛ هذا الحصن الأخير بالنسبة لمجتمعنا المُحافظ. تمتد هذه الأصوات إلى اتهام النسويّة، بما تحمله من قيمٍ وأفكارٍ تحرّريّة، أنّها تعمل على إحداث شرخ بين الفتاة وعائلتها. في الوقت ذاته، هناك وجهة نظر تُشير إلى أنّ النسبة الأعلى من العنف الموجه ضدّ النساء مصدره العائلة، فهي ليست هذا الجسم المُتماسك كما يتخيّل البعض. ما صحّة هذين الطرحين؟ وما هي وجهة النظر النسويّة لهذا المكون الذي اسمه "العائلة"؟ 

النقطة الأولى، مثلما قلت: المجتمع السليم هو الذي تكون فيه الأسر سليمة، تحمل التوافق والحب. فالأسرّة هي المركز الأول لإعطاء التربية والحبّ والاحترام والقيم الأساسيّة والأخلاقيّة. ولكنّ هذا لا يمنع وجود بعض الأسر المفكّكة نتيجة ظروفٍ مختلفة. السؤال في حالة الأسر المفكّكة، هل أترك الأفراد يعانون بصمت أم أتدخّل؟ لذا فإنّ المطالبة بالحماية تأتي لأنّه توجد أسر مفكّكة وفيها علاقات غير سويّة تستدعي التدخّل، وليس معنى ذلك أنّ إنفاذ القانون سوف يعمل على إحلال الأسرة.

في مركز دراسات المرأة في جامعة بيرزيت، أصدرنا ورقة عن موضوع الحماية وقلنا فيها بعض النقاط. التعامل مع العنف على أنه ظاهرة مرتبطة فقط بالأبويّة وسيطرة الرجال من الممكن أن يكون تدخلاً غير سليم، لأنّ العنف مرتبط بالفقر والتعليم والبطالة وبعنف عام في المجتمع، سواء من أجهزة أمنية أو مؤسسات استعماريّة، بمعنى أنّ حلقات العنف متعدّدة فلا تستطيع استهداف عنف ما منتشر عن طريق استهداف حلقة واحدة فقط. 

مثلاً، قضيّة تبعية المرأة للرجل اقتصاديّاً وضيق سوق العمل والبطالة الموجودة، في هذه الحالة تكون النساء ضحيّة عنف من الرجل ولكنّها تتردّد في الاشتكاء على زوجها لأنّ حجز الزوج سيضرُّ بالعائلة، كونه المعيل الأساسي  للأسرة، فهي ستقوم بحلّ مشكلة العنف ولكنّها ستشرّد أولادها ولن يجدوا ما يأكلونه. إذن هي عمليّة متشابكة، وبالتالي التركيز على حلقة واحدة دون التعامل مع بقية الحلقات لن يؤدي إلى النتيجة المرجوّة. 

كذلك فإنّ مداخل ومنافذ العلاج يجب أن تكون متعدّدة، لا أن نركز فقط على تغيير ثقافة الرجل فلا يمدّ يده على زوجته. لو أنّه فقير أو عاطل عن العمل أو عليه أعباء كثيرة كمساعدة أخيه في الدراسة وإعالة أبيه الذي لا يعمل وأمه المريضة، كلّ هذه الأعباء التي عليه تؤدّي إلى نوعٍ من السلوك الذي يعكس فيه الظروف والضغوط التي يتحمّلها على طرف أضعف منه. 

النقطة الثانية، تلجأ الناس إلى الحلول العشائرية نتيجةً لبطء القضاء وعدم مواكبته لاحتياجات المجتمع بشكلٍ سريع. يجب ألا ننظر إلى مسألة العشائر على أنّها موضوع ثقافي، وإنما النظر إليها كموضوع اجتماعيّ. ما الفرق بين النظرتين؟ النظرة الثقافية تمقت العشائريّة لأنّها تشكّلٌ ما قبل دولاتي، تحكمها علاقات اجتماعيّة من القرابة وقيم تقليديّة متخلّفة لا ترقى لمستوى العلاقات بين الدولة والمواطنين. نحن ضدّ هذه النظرة الثقافيّة، لأنّ القضيّة ليست إدانة العشائريّة، إنّما القضيّة هي لماذا العشائرية موجودة؟ وهنا أدرس اجتماعيّاً لماذا يلجأ الناس إلى النظام العشائري؟ ما الذي يقدّمه النظام العشائري لهم؟ هل يلجأون له لأنّه أسرع في معالجة القضايا أم لأنّ فيه تمثيل من كلّ الأطراف (ضحية ومعتدي) حتّى لو كان التمثيل مقتصراً على الذكور؟ 

رأينا مراراً كيف تتصدّى العشائر للسلطة وتقف ضدّها حين تعتقل أو تعتدي على شخص من عشيرة كبيرة لأسباب سياسيّة. إذن العشيرة لها وظيفة ودور اجتماعي تجعل الناس تلجأ لها لحمايتها، إما بسبب فساد السلطة وإما بسبب بطء القضاء في البتّ في القضايا. 

يجب دراسة العشيرة اجتماعيّاً؛ ما الفائدة التي تؤديها للناس؟ وما الضرر التي قد تسببه للناس؟ ومن ثمّ علينا أن ننظر إلى البدائل الأفضل من العشائريّة ونركّز عليها. ولكن التوجه لنقد العشائريّة ثقافيّاً باعتبارها بنىً متخلّفة لن يؤدي إلى التغيير المطلوب. 

إذا نظرنا إلى الأصوات النسويّة الشائعة اليوم نرى بأنّ المكوّن الطاغي لها من نساء ينتمين إلى مستوى ثقافي (من الممكن تسميته نخبوي) وطبقي (طبقة وسطى وبرجوازيّة) واجتماعي (غير محافظ). ممّا يجعل الكثيرين من النساء ممن هم من مستويات ثقافيّة وطبقيّة واجتماعيّة مُعيّنة، لا يرين بأنّ الخطاب النسوي يُمثّلهن أو يعبّر عن طموحاتهن. هل من إشكاليّات في الخطاب النسوي الحالي في فلسطين فيما يتعلّق بنخبويّته أو أنه يُعبّر عن فئات اجتماعيّة وطبقيّة مخصوصة ومحدودة؟

بشكلٍ عام، تكذب أيّ منظّمة أو فصيل أو جمعية تدّعي تمثيلها لجميع الناس، هذه قاعدة عامة، إلا إذا كان هذا الشخص هو جمال عبد الناصر (تضحك). من الصحّة في أيّ مجتمعٍ أن تتعدّد أشكال تمثيل الناس، لأنّ الناس ليست واحداً. فلنركّز على موضوع النساء. قضايا نساء الطبقات البرجوازية، المتعلّمات وغير المتزوّجات مثلاً، يحملن هموماً وقضايا تختلف عن هموم شريحة النساء من الطبقات الفقيرة. ذات الشريحة تختلف عن نساءٍ من طبقة وسطى متعلّمات ولكنّهن غير عاملات، وقضايا المرأة العاملة تختلف عن قضايا المرأة ربّة الأسرة، وقضايا المرأة كبيرة السن غير قضايا المرأة الشابة، وقضايا المرأة سليمة الجسد غير قضايا المرأة ذات الاحتياجات الخاصة، وقضايا المرأة ذات البشرة البيضاء غير قضايا المرأة ذات البشرة السمراء. 

هناك فروقات كثيرة بسبب السنّ، والحالة التعليميّة، والحالة الصحيّة، والحالة الاجتماعيّة، والموقع الجغرافي، تماماً كما الرجال. على سبيل المثال، امرأة تسكن في القدس كبيرة في السن وغير متزوّجة عندها مخصّصات اجتماعيّة معيّنة، تختلف عن امرأة في مناطق C مثلاً. من الصحّي أن يظهر في المجتمع عدّة أشكالٍ تنظيميّة تمثّلُ شرائح مختلفة، ولكن لا تدّعي تمثيلها لجميع النساء، فيتيح هذا التنوّع المجال لأشكالٍ أخرى من التنظيم التي تعبّر عن مصالح شرائح أخرى من النساء؛ الأسيرات والشهيدات مثلاً. 

أعددت دراسةً أقارن فيها بين أهداف وعمل وزارة شؤون المرأة في رام الله وأهداف وزارة شؤون المرأة في غزّة، وجدت أن كلّ واحدة تتجه إلى شريحة مختلفة. كذلك درستُ شكل العمل النسائي الإسلاميّ، فوجدت أن الشرائح التي يستهدفها مشابهة للشرائح التي كانت تركّز عليها الحركة الوطنيّة قبل أوسلو، أي أهالي المعتقلين والشهداء والمتضرّرين من سياسات الاحتلال، ولا يوجد عندهنّ تأثير للخطاب التنموي العالمي. النقطة هي أنّ أشكال التنظيم تتعدّد، ولكنّ ادعاء تنظيم كل النساء غير دقيق. 

هل الخطاب النسوي يقتصرعلى فئة اجتماعيّة مخصوصة من النساء أم من الممكن القول بأنّ الأطر الإسلاميّة لديها خطاب نسويّ؟ 

بالتأكيد يوجد خطاب نسويّ في الأطر الإسلاميّة، بل وخطاب نسويّ يتطوّر كما يتطوّر الخطاب النسويّ الذي حملته نساء الحركة الوطنية. ليس بالضرورة أن تُعرّف النسويات الإسلاميات أنفسهنّ كنسويّات، حتى النساء في الحركة الوطنيّة لم يكنّ يعرّفن أنفسهنّ كـ "feminists"، وكنّ يُنكرن التعبير كونه غير نابع من ثقافتنا، فظهور تعبير "ناشطة نسويّة" هو ظهور حديث إلى حد ما. 

استهدفت النسوية الإسلامية شرائح من النساء لم تصل إليهنّ المنظمّات النسويّة الأخرى، كأسر مُتديّنة أو محافظة، واستطاعت تحريكها.

كذلك نجد فاعليّة قويّة ومؤثرة للنساء في الحركة الإسلاميّة في الانتخابات، سواء أكانت انتخابات طلابيّة أو انتخابات عامّة أو أخرى. في بعض الأحيان كان لتلك الأطر النسوية تمثيل في أحزابها السياسية، فمثلاً كانت هناك تجربة قصيرة لحزب الخلاص في غزة، إذ كان للنساء تمثيل في المكتب السياسي للحزب، وكنّ يشاركنَ في كافة المراحل المختلفة للانتخابات، وكان لهنّ حضور قوي وتأثير كبير كونهنّ على تماسٍ قويّ مع السياسيين ومع علماء الشريعة.


فمثلاً، عملت نساء حزب الخلاص، اللواتي كُنّ يُشكّلن 15% من المكتب السياسي للحزب ويتم انتخابهنّ بشكلٍ دوريّ، على تحقيق مُنجز أن تذهب حضانة الأطفال لزوجات الشهداء وليس لأسرته. إذ كانت بعض الأسر تأخذ حضانة الأطفال من زوجة الشهيد، حتّى تستولي على المخصّصات الماليّة التي كانت تُصرف لعوائل الشهداء. تصرّفت النساء وزوجات الشهداء، أمثال: زوجة الشهيد عبد العزيز الرنتيسي وزوجة الشهيد اسماعيل أبو شنب، فأعدّوا دراسات ميدانيّة توضّح ما تمرّ به زوجات الشهداء وعرضوها على قيادات وأعضاء تشريعي ووزراء وعلماء شريعة، مّما عجّل في البتّ بالقضية لصالح نساء الشهداء.

عادةً ما تُقذف النساء اللواتي لا يوافقن على خطابٍ نسويّ مُعيّن، بأنّهن "مُستبطنات للخطاب الذكوري"، وهُنا ينتهي النقاش دون أخذ الانتقاد على محمل الجد. هل ترين بأنّ هذه العبارة فضفاضة الاستخدام وتُعيق من عمليّة النقد الذاتي؟

طبعاً، وأرى بأنّ هذا الأمر شبيهٌ جداً بقضيّة العشائريّة؛ هل ننظر للعشائريّة من منظور ثقافيّ أم من منظورٍ اجتماعيّ؟ الذكوريّة ليست شكلاً واحداً، بل لها أشكال متعددة، وطريقة مواجهة الذكوريّة ليست واحدة. هناك نساء لديهنّ القدرة على المواجهة، أي يملكن البدائل؛ فقد ترفض سيطرة الأب أو الأخ كون لديها عملها الخاص، ولديها القدرة على استئجار منزل لها ولديها القدرة على السفر، وبالتالي قد تختار طريق الاستقلال التام. وهناك نساء أخريات ليست لديهنّ نفس القدرات والإمكانيّات. 

هناك فكرة قديمة في مجال العلوم الاجتماعيّة وهي التفاوض مع البطريركيّة، أي كيف تتفاوض مع الأبويّة. هناك أشكال عدّة للتفاوض: قد أطيعك في أمرٍ تريده ولكن أريد منك أن تدفع أقساطي للدراسة. تتعدّد الأمثلة لأن طرق النساء للتفاوض مع الأبويّة متعدّدة وليست واحدة. وبالتالي، لا يجب أن يُحكم على هؤلاء النساء بأنهنّ ذكوريّات؛ أولاً، هذا إدعاء بأن الخطاب يُمثّل جميع النساء، وأنا أرفض هذا الإدعاء. وثانياً، يُعبر هذا الادعاء عن الجهل؛ لأن الإدانة الثقافيّة ليست دراسة اجتماعيّة. أي أنّك حين تحكم على المرأة بأنها ذكوريّة، لا تكون على علمٍ بظروف هذه المرأة. ففي الحالة آنفة الذكر، حين تكون هناك امرأة تتعرض للضرب على يد زوجها ولكنّها تتّخذ قراراً بالصبر على ما تمرّ به مهما اشتد، هذه المرأة ليست ضحيّة بالمعنى التام، بل هي أخذت قراراً بالصبر من أجل أطفالها لأنها لن تستطيع رعايتهم إن قدّمت شكوى في زوجها وذهب هو إلى السجن كونها غير عاملة. 

كل امرأة لها القدرة على تحديد قدرتها على التفاوض والمساومة في علاقتها مع الرجل، ومتى تسمح بأمرٍ ما ومتى لا تسمح، ومن المؤكّد أن كل إمرأة على علم بأنّه لا يجب أن تُضرب أو تُهان من قبل الرجل، لكن السؤال المهم هنا: ما الذي يدفعها للصبر والسكوت؟ وما الّذي يدفعها لكسر صمتها؟ السند العائلي، والتعليم، والعمل أو وجود دخل ثابت، كلّ هذه عناصر تجعل موقفها أكثر قوة، وغياب هذه العناصر قد يضّطرها للسكوت. إذن، قضيّة التعامل مع الخطاب الذكوري هي قضيّة يجب أن تُدرس اجتماعيّاً؛ متى تستطيع النساء أن تقول لا ومتى يُضطررن للتماشي مع الظروف؟ ولذلك، الإدانة المسبقة هي دليل جهلٍ وكسلٍ في فهم الواقع الّذي نعيش فيه، ودليلٌ على بُعدنا عن ظروف شرائح النساء المختلفة التي ندّعي تمثيلهنّ في خطابنا.

هناك شعار رأيته مُتداولاً على منصّات التواصل الاجتماعي، يأتي في سياق إسكات الرجل إذا تدخّل في قضيّة تمسّ المرأة بشكل أساسيّ. الشعار هو: "لا مهبل لك، لا رأي لك"، بمعنى أنّ تحدّثه قادم من موقعه كذكر، مُستبطناً علاقات القوة. هل تتفقين مع هذه الرؤية؟

بالطبع لا، هذا الشعار ينمّ عن الجهل. تشكّل قضيّة مكافحة التمييز ضدّ المرأة حلقة من حلقات مكافحة أشكال التمييز كافةً. مثلاً، يُعدّ هذا النضال إحدى حلقات مكافحة اضطهاد الاستعمار، ولا نفترض في هذه الحالة بأنّ الشعب الواقع تحت الاحتلال هو فقط من تحقُّ له المقاومة، وكذلك لا نفترض أنه لا يحقّ لأيّ مناصرٍ لهذا الشعب أن يشعر بألم الاستعمار لأنّه لا يخضع له بشكلٍ مباشر. على العكس تماماً، وجود مناصرين لقضيّتك في مواجهة الاستعمار يُعّد من مصلحتك.

ينطبق ذلك أيضاً على قضيّة التمييز ضد النساء، هذه القضيّة ليست قضيّة النساء وحدهنّ، لأن من يقوم بالتمييز ضدّهنّ رجال، وأيضاً نساء من طبقات عليا أحياناً. ولهذا، أعتقدُ بأنّ قضيّتَك تنجح حين يكون لك مناصرون من خارج شريحتك. 

يشيع استخدام مُصطلح "الضحيّة" في مُقابل "الجاني". المرأة المُتحرّش بها مثلاً، هي ضحيّة للمُتحرّش الجاني، ولا خلاف على ذلك. هل ترين أنّ هناك آثار جانبيّةٌ سلبيّة لمفهوم الضحية داخل دوائر العمل النسويّة نفسها؟ فهل تعتقدين أنّ تشرّب فكرة الضحيّة قد يؤدي إلى مردودٍ عكسيّ على شخصيّة الفتاة ونفسيتها غير الذي استُدعيت لأجله، فيضعها ذلك في خانة "مفعولٌ به" ويسلبها قدرتها وإرادتها على أن تكون "فاعلاً"؟

كُتب العديد عن هذا الموضوع، وتم التطرّق في مجال العلوم الاجتماعيّة لهذه المفارقة. كُتب في مقابل مفهوم الضحيّة عن مفهوم المقاومة؛ حين تستغل الرأسماليّةُ الطبقةَ العاملة، فإن مقاومة العمّال لهذا الاستغلال يمنع من أن يكونوا ضحيّته. كان التركيز في فترة معيّنة على شكل المقاومة الجماعيّة. بعد ذلك، طرح جيمس سكوت James Scott فكرته بأنّ كل اعتداء ملتصق فيه فعل مقاومة حتى لو كان هذا الفعل غير مرئي. في هذا، وسّع سكوت مفهوم المقاومة بحيث أصبح التباطؤ في العمل يُعد شكلاً من أشكال المقاومة، حين يُطلب من الفلّاح تسليم 50 طناً من القمح من أراضيه ويُسلّم 45 عوضاً عن ذلك، تُعتبر الـ5 أطنان شكلاً من أشكال المقاومة. هذا يعني بأنّه إن كان هناك ضحيّة، بالضرورة هناك مقاومة، لا توجد ضحيّة صرف. 

التركيز على أنّ المرأة هي فقط ضحيّة، أولاً هذا غير صحيح وغير دقيق اجتماعيّاً، وثانياً يعيق استنهاض قوّة المقاومة الجماعيّة، فالمرأة لديها القدرة على تغيير هذا الواقع. فعلى سبيل المثال، في الحالات التي تعاني فيها الأسر من الاعتداءات الجنسيّة في داخلها أو سفاح القربى، ترى بأن صعوبة هذا الواقع تزداد حين تكون الأم في العائلة غير مناصرة لبناتها، لأن الابنة غالباً ما تلجأ إلى أمّها حتى تستمد منها القوّة، ولذلك تكون الطامّة الكبرى حين تكون الأم شريكة -على الأقل- في الصمت. مع ذلك، وفي هذه الحالات، قد تلجأ الفتاة إلى خالها أو معلمتها في المدرسة، فلا يخلو الوضع من المقاومة في أي شكل من الأشكال.

بهذا نستدل بأنّه طالما وجد الاعتداء، ستوجد المقاومة في أي شكل من أشكالها حتى لو كانت غير مرئيّة، إلى أن تُعرف وتأخذ هذه المقاومات شكل علني وجماعي قادر على تغيير الوضع. 

في سياق الحديث عن الانتخابات، تتغنّى السلطة بأنّ تمثيل المرأة في الانتخابات التي من المفترض أن تجري هو 25% كحد أدنى، وقد تصل هذه النسبة إلى 40% و50%، وقد ترى أصوات نسويّة أن ذلك إنجاز للحركة النسويّة الفلسطينيّة. ما رأيك أنتِ بنظام الكوتة وتمثيل النساء المُقترح؟ 

سأقسّم الإجابة على جزئين. من ناحية نظام الكوتة بشكل عام، هو نظامٌ متّبعٌ في كثيرٍ من الدول التي يصعب على النساء فيها الوصول للوظائف والمناصب العامة في المجتمع دون دعمٍ إيجابيٍّ من قبل السّلطات العامة. يكون هذا النظام في العادة مؤقّتاً إلى أن يعتاد المجتمعُ وجود المرأة في منصبٍ عامّ. وطبعاً وجود المرأة الفلسطينيّة في الفضاء العام ليس مرتبطاً بالكوتة، ولكنه موجود مع بداية تبلور الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة في سنوات العشرين.

في سياق الحديث عن الانتخابات، يتم النظر إلى النساء باعتبارهنّ مرتبطات فقط بالبيت والأطفال ومسؤوليات التربية، ولذلك هن لا يصلحنّ للوظيفة، أو ليس لديهنّ الوقت للتفرغ للمنصب العام مثل الرجال. بالتالي تجد الرجال يتبارون على المناصب العامة لأن لديهم الوقت أكثر من النساء، ويُركّزون على الوصول إلى القوة من خلال السيطرة على المناصب.
وفيما يتعلق بالانتخابات، يوظّف الرجال وجودهم في مناصب محترمة اجتماعياً، مثل مدير مدرسة أو محامٍ معروف، للترشح لمناصب سياسيّة. في حين أن النساء ليس لديهنّ هذا الرصيد الاجتماعي، لأن المجتمع لا يشجعهنّ ولا يسهّل وصولهنّ إلى هذه المكانة. 

على الرغم من ذلك، أظهرت الانتخابات الفلسطينيّة الأخيرة عام 2006، وما سبقها من انتخابات بلدية عام 2005، بعضاً من النساء البارزات؛ امرأة تدير جمعية في قريتها أو في مدينتها لفترة طويلة، وأعطاها ذلك جماهيرية جعل الناس تثق فيها وتعرفها وأوصلتها إلى مجالس محلية وغيرها. لكن، بسبب الانقسام أُهدِرَ هذا الإنجاز، فالنساء اللواتي وصلن إلى هذه المناصب عن طريق التنافس الشريف مع منافسين وفزن، إما مورست عليهنّ ضغوط للاستقالة أو اضطررن للاستقالة نتيجة جو الترهيب السياسي العام في البلد.

إذن، نجد أنّ نتيجة الانتخابات قد أُهدِرَت بسبب الانقسام، لذا يجب أولاً إصلاح موضوع الانقسام؛ ما أسبابه وما الأرضية التي لو اختلفنا سياسيّاً تضمن لنا عدم تكرار نفس التجربة، وليس لو أنّ أحداً لم تعجبه نتيجة الانتخابات يبدأ في أساليب عنفٍ وإكراه والتفاف على النتائج، فيجب أن تكون هناك قاعدة للاحتكام لها. طبعاً هناك قاعدة التي هي الدستور، والمفروض أنّه لدينا، ولكن بسبب الانقسام تم محو نتائج الانتخابات والضغط على من فاز من النساء. 

في المحصلة الانتخابات بحدّ ذاتها ليست هي المعيار، المعيار الأساسي هو التوافق الوطني، وأن تكون هناك ثقافة سياسية جامعة التي نقول فيها إن مصدر الشرعية الوحيد هو صندوق الاقتراع. لو تم قبول هذه القاعدة سأقول لك وقتها إنّ الانتخابات ستكون مفيدة في هذه الحالة للنساء، ولن تتكرّر التجربة السابقة التي فازت فيها النساء ولكن تم الضغط عليهنّ للتخلّي عن مناصبهن.