22 أبريل 2020

حجرٌ منزليٌّ في المخيّم؟

حجرٌ منزليٌّ في المخيّم؟

"كيف الحجر المنزليّ معك؟" تحوّل  هذا السؤال إلى لازمة تطمينيّة، يتشاركه الجميع عادة مع أصدقائهم/وعائلاتهم، أثناء تدفّق أخبار فيروس "كورونا". الردود تختلف، لكن ماذا لو طرحنا هذا السؤال على سكان المخيمات أو "معسكرات الصفيح"، حسب ما يُسمّيها البعضُ في غزّة؟

10 أشخاص في 40 متراً

عند التاسعة صباحاً كلَّ يوم، يغادر الشاب أحمد طعيمة (25 عاماً) بيته الواقع على أطراف معسكر جباليا شمال القطاع، وكالعادة يحرّك بضيقٍ زوايا عربة السجائر الصغيرة، يميناً وشمالاً، على طول الزقاق المؤدي إلى ناصية الشارع، لتتفادى عجلات العربة نتوء الباطون وأنابيب الصرف الصحيّ البارزة.

في السوق المزدحمة بمخيم جباليا، يقف طعيمة في حيزٍ صغير، يبيع السجائر طوال النهار. ومع غياب الشمس، يربط طعيمة طرفيْ العربة بحبليْن، ويشدّهما إلى  كتفه، إيذاناً ببدء جولته الليليّة، التي يذرع خلالها شوارع المعسكر جيئة وذهاباً، حتى آخر الليل.

منذ أن سًجّلت أولى إصابات "كورونا" في قطاع غزة الشهر الماضي (والتي وصلت حتى الآن 17 إصابة مؤكدة)، لم يُغيّر طعيمة نمطَ يومه، لا هو، ولا عائلته. بالأساس، كما يقول، لم تتغير حياة سكان مخيم جباليا، أكبر مخيمات القطاع، الذي يقع إلى شمال غزة، ويسكنه حوالي 113,990 لاجئ يعيشون في مساحة 1.4  كيلومتر مربع. إذ أنّ حركة المواطنين في سوق المخيّم والمناطق الحيويّة الأخرى، لا تزال نشطةً بشكلٍ طبيعيّ في غالب الأحيان.

اقرأ/ي المزيد: "كورونا والحيّز السكنيّ: حين تعبسُ المدن الكبيرة.. يبكي المخيّم"

يعيش طعيمة، وهو الأكبر سنّاً بين إخوته، مع تسعةِ أفراد من عائلته في بيتٍ مسقوف بـ"الزينكو"، لا تتعدى مساحته الأربعينَ متراً مربّعاً، بغرفتيْ نوم وحمامٍ ومطبخ، يصفه بأنّه "قفص دجاج". يمضي الشاب يومَه خارجَ المنزل، هرباً من ضيق المساحة. فيقول: "ببساطة، أنا بشرد من ضيق الدار، وأنت جاي تقولي عن الحجر المنزلي؟". ثمّ أضاف: "أساساً في الشارع أهوَن وأكثر أمان، لأنه فيه هوا بتجدد، مش كل الدار بتتنفس الهوا نفسه".

في معسكر جباليا، تلتصق سطوح البيوتِ ببعضها، وتُبنى البيوت بمداخل مستقلّة، ولكنّها متراصّة تشتركُ بالسطوح والجدران، يوضّح ذلك طعيمة بقوله: "كلّ المعسكر باعتباره عايش في دار واحدة". 

امتياز "المكيّفين"

غرب قطاع غزة، قرب البحر، يقبع معسكر مخيم الشاطئ، ثالث أكبر مخيّمات القطاع، وتنتشرُ البيوت المسقوفة بالباطون، أو بـ"الإسبست، والزينكو"، ككتلٍ اسمنتيَّة تتخللها شبكة دقيقة من الأزقّة. المنطقة تشبه إلى حدٍ كبير معسكر جباليا، إلا أنها على نحوٍ أكثر تهالكاً. 

يعيش علي أبو الخير (31 عاماً) مع زوجته وخمسةِ أبناء، في بيتٍ مساحته 47 متراً مربَّعاً، ويقولُ إنَّ الحجرَ المنزليّ ومواد التعقيم امتيازٌ للناس "المكيّفين"، مضيفاً: "إلي كاتبه الله بيصير، إحنا يا دوب نلاقي أكل، بدك نجيب معقمات؟".

يسكنُ مخيمَ الشاطئ، الذي أنشئ عام 1950، أكثر من 85,628 لاجئاً مسجلاً لدى وكالة الغوث، جميعهم يسكنون في بقعة لا تزيد مساحتها عن نصف كيلومتر مربع فقط. وكما حال المخيمات الأخرى، يعاني سكّانه من الاكتظاظ، وشبكات الصرف الصحيّ المتهاوية، وشحّ المياه. 

صورة عامةً من مخيم الشاطئ - قطاع غزّة. عدسة: عمر موسى.

يشكل اللاجئون حوالي 73٪ من مجمل سكان  القطاع الذين يزيد عددهم عن مليوني نسمة. وبينما يُشير جهاز الإحصاء المركزيّ إلى حوالي 5 آلاف شخص في الكيلومتر المربع، تُشير مصادر أخرى إلى 30 ألفَ شخصٍ في الكيلومتر المربّع الواحد في قطاع غزَّة، ما يجعلُ القطاع واحداً من أكثر المناطق كثافةً سكانيَّة في العالم.

ويزيدُ الحالُ سوءاً في المخيَّمات بالخصوص، إذْ يرتفعُ العدد إلى 42 ألف أو إلى 55 ألفَ شخصٍ في الكيلومتر المربّع الواحد في دراسات آخرى.

وبحسب آخر تقريرٍ استعرضه مدير عمليات "الأونروا" في قطاع غزة، ماتياس شمالي، عام 2018، ارتفع معدل الفقر بين اللاجئين إلى 77٪.   ولا يخفي أهالي المخيّمات في قطاع غزة مخاوفهم من تفشّي "كورونا" في ظلّ هذه الظروف، إذْ يعدّ خيار التباعد الاجتماعي والالتزام بـ"الحجر المنزلي" ترفاً مستحيلاً بالنسبة للغزّيّين، على ضرورته. 

وكالة الغوث

وكانت اللّجان الشعبية في مخيمات قطاع غزة، قد طالبت وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين "أونروا" بتوفير احتياجات الوقاية من فيروس "كورونا"، لأهالي المخيمات. فيما أعلن الناطق باسم الوكالة، سامي مشعشع، منتصف الشّهر الماضي أنّ الوكالة حصلت على 7 ملايين دولار، من أصل  14 مليون كانت قد طلبتها من "مجتمع المانحين" في نداءٍ عاجل منتصف مارس/ آذار، من أجل التحضيراتِ الصحيَّة لتفشي "كورونا" في المخيّمات الفلسطينيَّة في مناطق عملها: قطاع غزة، والضفة الغربيَّة، وسوريا، ولبنان، والأردن. 

اقرأ/ي المزيد: غزّة جاهزة لمواجهة "كورونا"؟

سبعةُ ملايين هي مبلغٌ زهيد، حسب تصريحاتٍ لـ"أونروا"، خصوصاً في ظلّ تردّي الوضع المادي المالي العام للوكالة، والقصور في ميزانيّاتها الطارئة في سوريا وقطاع غزَّة،  لذا تعتزمُ الأونروا إطلاق نداءٍ جديدٍ للاستغاثة على مستوىً دوليّ.

في أغسطس/آب عام 2018، أوقفت الولايات المتحدة الأمريكيَّة تمويلها لـ"أونروا" كليّاً، أي انقطعَ ما كان يمثّل ثلثَ تمويل الوكالة السنويّ. تبعت ذلك مساعٍ لقطعِ التمويلِ الأوروبيّ أيضاً. من حينها، اشتدّت أزمة "أونروا" الماليَّة، لتوصفَ بأنّها الأزمة الأسوأ منذ نشأةِ الوكالة عام 1949، ما دفعها لإجراءِ حزمةٍ من التقليصات في الخدمات، كان لغزّة الحصَّة الأكبر منها.

تُترك المخيَّمات في غزَّة، كمثيلاتها في الضفَّة الغربيَّة والشتات، عالقةً في أزمةِ اكتظاظٍ سكانيّ خانقة، وأزماتٍ صحيَّة متراكمة بسببِ تلوّثِ المياه، وسوء شبكةِ الصرفِ الصحيّ، وضعف البنى التحتيَّة الطبيَّة. تُضافُ إليها الآن جائحةُ "كورونا"، وهي سيناريو حذّرت منه منظّماتٌ عالميَّة مراراً، دون إجراءاتِ وقايةٍ كافية، ولا حلول حقيقيَّّة في الأفق.

متراس - Metras · منع تجوّل بدون دبابة