13 أبريل 2020

تُوفّى بـ"كورونا".. لماذا يُحرم أهله من توديعه؟

تُوفّى بـ"كورونا".. لماذا يُحرم أهله من توديعه؟

بلا جنازة، ولا نظرة وداع من أهله، وبحلقاتٍ أمنيّةٍ متتاليّةٍ من الأمن الوقائيّ، والأمن الوطنيّ، والمخابرات، تتدلى أسلحتهم فوق بدلات بيضاء للوقاية من العدوى. وبمشاركة حوالي 6 أشخاصٍ من الطواقم الطبيّة وممثلين عن البلدية، دُفن السيد نشأت المدلل (55 عاماً)، من قرية صيدا شمال شرق طولكرم، يوم الجمعة الماضي، 10 أبريل/ نيسان. 

المدلل هو ثاني الوفيات المُسجّلة في الضّفة الغربيّة حتى اللحظة من الإصابة بفيروس "كورونا". كانت الحالة الأولى للسيدة الستينيّة فاطمة أحمد بدوان، من قرية بدوّ شمال غرب القدس، تُوفَّت في 25 مارس/ آذار الماضي، ودُفنت في ظروف وتقييدات طبيّة مشابهة، ولكن مع حضور أمنيّ أقلّ. 

تفترض وزارة الصّحة الفلسطينيّة أنّ جسد المتوفى المصاب بـ"كورونا" مُعدي، ويمكن أن تؤدي مخالطتُه إلى نقل الفيروس. وبناء على هذا فإنّها تُطبقُ إجراءاتٍ وقائيّةً شديدة الصرامة في عملية نقل المتوفّى من المستشفى إلى المقبرة وصولاً إلى دفنه. تتضمن هذه الإجراءات حرماناً للميّت وأهله من أهمّ الحقوق المتعلقة بالدفن والوداع، ولو بالحدّ الأدنى منها المتوافق مع المعايير الصحيّة.

تتلخص هذه الإجراءات، في نقل جثمان المتوفى بالفيروس إلى كيس بلاستيكيّ غير نفّاذ ومحكم الإغلاق يتم تعقيمه، ثمّ يوضع في تابوت. يقول علي عبد ربه، مدير الطب الوقائي في الوزارة، إنّ التابوت ضروريّ لأن الأكياس قد يصيبها "العطب"، أو تتمزق. وقد حصلت الوزارة على فتوى من المفتي الشيخ محمد حسين تُتيح الاستغناء عن شعائر الدفن وفق الشريعة الإسلاميّة -من تغسيل وتكفين، وتسمح الدفن بالتابوت. لاحقاً، يتولى طاقمٌ من 3-4 أشخاص من مديرية الصحّة الدفن، ويمنع مشاركة آخرين، من ضمنهم أقارب الفقيد، في ذلك إلا في حالات استثنائية جداً و"إنسانية"، دون تحديد معايير ذلك بدقة.

وهكذا، بدءاً من إعلان وفاته، ومروراً بتحضيره للدفن في كيسٍ بلاستيكيٍّ وتابوت وحتى دفنه فعليّاً، يُحرم المتوفى المصاب بفيروس "كورونا"، بدعوى الإجراءات الصحيّة الوقائيّة، من حقّ إنسانيّ أصيل، وهو حقّه في الدفن بكرامة، ومن إقامة الشعائر من تغسيل وتكفين وغيرها ووفقاً لمعتقداته الدينيّة. عدا عن انتهاك حقّ الميّت نفسه، فإنّ تلك الإجراءات تنتهك كذلك حقّ العائلة في وداع فقيدها وإلقاء النظرة الأخيرة عليه. 

تُثير هذه الإجراءات المشددة الكثير من التساؤلات حول جدواها وضرورتها من ناحية صحيّة، ولكنها تجعلنا نفكر كذلك بالحدّ الذي يمكن عنده أن يُجبرُ النّاسُ على الاستغناء عن حقوقٍ اجتماعيّةٍ وإنسانيّةٍ أساسية تضمن كرامة ميّتهم وكرامتهم، تحت سوط الخوف من العدوى ومن انتشار الوباء، ودون التفكير بأية بدائل ممكنة.

حسب الوزارة، فإنّ تلك التعليمات تتسق وتتقاطع مع ما وصفته بـ"الخبرة الطبية العالميّة"، و"المعايير الدوليّة" للتعامل مع المتوفين بالفيروس. وفي هذا السياق كذلك، تستخدم الجملة "السحريّة" التي ظهرت في أكثر من مؤتمر حكوميّ صحافيّ مؤخراً، والتي تُشير إلى الاتساق مع "توصيات منظمة الصحّة العالميّة".

الأطباء في مستشفى "هوغو تشافيز" يؤدون صلاة الجنازة على الفقيد المدلل. المصدر: شبكة الإنترنت.
الأطباء في مستشفى "هوغو تشافيز" يؤدون صلاة الجنازة على الفقيد المدلل. المصدر: شبكة الإنترنت.

هل الإجراءات لازمة فعلاً؟

عند الرجوع إلى منظمة الصحّة العالميّة وتوصياتها، نجد الصورة مختلفة عمّا تصوّره الجهات الطبيّة الفلسطينيّة.

في ملفٍ نُشر بتاريخ 25 مارس/ آذار الماضي، تحت عنوان "إرشادات أوليّة"، تفرد منظمة الصّحة 6 صفحات لتوصياتها وإرشاداتها في كيفية التعامل مع الجثمان. هذه الورقة تُحدّث دوريّاً، ويتم إضافة معلومات أو تقييدات أو تسهيلات فيها حسب تطور الأبحاث وتراكم الخبرة الطبيّة للتعامل مع الفيروس. يتضح من الورقة أنّ منظمة الصحّة العالميّة لا تمنع غسل الميت أو تكفينه، أو حتى وداعه، والمشاركة في مواراته الثرى، حتّى هذه اللحظة.

بحسب البند الظاهر في صفحتها الأولى، تقول الورقة إنّه يمكن للطواقم الطبيّة، أو مزوّدي خدمات الدفن أن يقوموا بتغسيل الجثمان، وحتى قصّ أظافره، أو حلق شعره. الشرط الوحيد هو: الالتزام بالملابس الواقية غير النفّاذة (ما يُعرف بـPPE) بنفس درجة الالتزام الواجبة على الطبيب الذي يتعامل مع مصابٍ حيّ. عند تغسيل الجثمان، تشدّد المنظمة على ضرورة لبس القفازات، والبدلات الواقية، وتغطية الوجه كواقي العيون والكمامات.

اقرأ/ي المزيد: "هل منع التجوّل هو الحلّ لمواجهة "كورونا"؟".

كما تشير التوصيات العالميّة إلى سياقات خاصّة في بعض الدول، قد يُضطر فيها إلى تدريب الأهل والإشراف على قيامهم بأنفسهم يتحضير الجثمان للدفن. وذلك بشرط أن لا يكون أيٌّ منهم فوق الـ60 عاماً، أو يعاني من أمراض مزمنة كالسكري والقلب، أو أن يكون ضعيف المناعة (وهو نفس الشرط المفروض حتى على الطواقم الطبيّة التي تتعامل مع الجثمان). يمكن للبقية من الأهل أن يراقبوا أقاربهم وهم يحضّرون الجثمان للتغسيل على بعد متر واحد على الأقل. 

الأهمّ، أنّ التعليمات العالميّة التي تفتخر الوزارة باتباعها، لا تنتهك حقّ الأهالي في التوديع. حسب الورقة ذاتها، يمكن أن يُلقي الأهل نظرة الوداع على المتوفى بعد تحضيره للدفن، بشرط عدم لمسه وعدم تقبيله. تُشدّد المنظمة على إرشاد الأهل لتغسيل أياديهم باستمرار بعد إلقاء نظرة الوداع. في كل هذا، تضع المنظمة العالميّة اعتباراً لمتطلبات العائلة، وللحساسية الثقافية، والعادات، والمعتقدات الدينيّة على اختلافها في كلّ بلد.

ماذا حدث في الحالتين؟

تُصرّ وزارة الصّحة على دفن الميّت من فيروس "كورونا" في تابوت. لكن، في قصة السيدة فاطمة بدوان، دُفِنت السيدة بدون التابوت؛ شارك في حمل جثمانها الموجود داخل كيس بلاستيكيّ ونقله من التابوت إلى القبر 6 أشخاصٍ، 2 من أهلها، و4 من مديرية الصّحة. للمفارقة، عُقّم التابوت بعدها، وترك -حسب إحدى الروايات- في محيط المقبرة لأيام. وكان القبر عادياً كما في أي حالة وفاة أخرى.

في قصة السيد نشأت المدلل، شُدّدت الإجراءات أكثر، دُفن المتوفي في التابوت، ولم ينزله إلى القبر أحد، بل استخدمت جرافة وحبال من أجل رفعه ووضعه في حفرة عمقها 3 أمتار، أكثر من العمق المعتاد، ومن ثمّ ردمه. لم يُسمح لأيّ شخصٍ من العائلة بالمشاركة في عملية الدفن، وتُرك بعضهم يراقبون المشهد من مدخل بيتهم، أو سطحه، والذي لحسن حظّهم يلاصق المقبرة. تقول إحدى المصادر المحليّة إنّ عدم مشاركة العائلة في الدفن تتعلق بوجود جميع أبناء المرحوم -وهم خمس شباب- في حجر منزليّ لأنهم خالطوا والدهم بعد إصابته، وبالتالي يُمنع خروجهم من المنزل. إلا أن أحداً غيرهم من العائلة القريبة لم يُرشح للمشاركة في ذلك، فيما يبدو تطبيقاً للتعليمات التي وضّحها عبد ربه.

في حالة السيدة بدوان، صلّى ما يقارب 18 شخصاً من أهلها وأقاربها الجنازة عليها في المقبرة، دون وجود أمنيّ كبير. أما في حالة المدلل، فقد صلّى الأطباء في المستشفى الصلاة عليه، في صورة طبعها الناطق باسم الحكومة وافتخر بها في مؤتمره الصحافيّ. وفي كلتا الحالتين، لم يُسمح للعائلة بإلقاء نظرة الوداع. 

من غير الواضح سبب الاختلاف في بعض تفاصيل الدفن بين الحالتين. قد يكون الارتجال وعدم تحديد التعليمات بدقة منذ بداية الأزمة واحداً من الاحتمالات، أو ببساطة أن كل محافظة تعمل وفق "الإمكانيات" أو "التقديرات المحلية". وأياً كان السبب، فإنّ إجراءات الدفن كما أعلنتها وزارة الصحّة تُشير إلى حالة من استسهال المنع والحرمان، وغياب التفكير بحساسية اجتماعيّة ونفسيّة، والاستعداد للتضحية بمشاعر العائلات وحقوقها، في مقابل إجراءات طبيّة قيل إنّها عالميّة، ومستمدة من منظمة الصحّة.

العناصر الأمنيّة في محيط المقبرة في صيدا، شمال شرق طولكرم. الصورة مقتطعة من فيديو لتلفزيون الفجر.

في سياق المشاعر، أشار بعض من تحدثت إليهم معدة التقرير إلى عامل "الانفعال العاطفيّ". يقول عبد ربه، إنّ مشاركة العائلة في عملية الدفن عن طريق تزويد عددٍ محدودٍ من أبنائها بالأدوات والملابس الواقية الضرورية، غير مطروح، وأنّه من الأفضل ألا يشاركوا، لأن ذلك سيفتح "باب الطلبات والضغط"، مع تخوفه من أن يؤدي عدم التزام الناس أو ضغطهم إلى انتهاك التعليمات. آخرون قالوا إنّ أهالي الميّت قد لا يملكون السّيطرة على أنفسهم، فيقتربوا من الجثمان، ويخالفوا التعليمات بلمسه أو تقبيله. لذلك من "الأفضل" لهم ولنا أن لا يشاركوا. 

من المهم أن نتذكر هنا أيضاً أنّ وباء "كوفيد-19" قد مضى على ظهوره في الضّفة أقل من شهرين، توفّى فيهما شخصان فقط. تُشير هذه الحالة إلى ضعف أي تبريرات تتعلق بالتخوّف من الضغط وعدم وجود الطواقم الكافية لضمان الإشراف على الدفن وفقاً لمعايير الصحة المطلوبة. كما أن مبرر الألبسة الواقية قليلة العدد، والتي يصعب توفيرها بكثرة هذه الأيام في كل دول العالم، يُمكن تخطيه بتوفير بدلة العسكريّ لأهل الميّت، أو على الأقل ضمان إلقاء النظرة الأخيرة من وراء عازل، فالحلول لم تُستنفذ بعد!

اقرأ/ي المزيد: "ما المفزع أكثر من "كورونا"؟".

في سياقاتٍ أخرى، كحالة دولة الاحتلال، التي وصلت فيها الوفيات إلى أكثر من مئة حالة، يُسمح بالتغسيل والتكفين -وفق الشريعة اليهوديّة- في منشآت خُصصت لذلك، مع تطبيق المعايير الصحيّة المطلوبة، ومع التحذير من إمكانية العدوى. تشرح الوزارة الإسرائيليّة كل المعايير في بروتوكول يتم تحديثه دوريّاً وينشر على موقعها الإلكتروني. في الوقت ذاته، لا يحمل البروتوكول أي تفاصيل حول الحقّ في توديع المتوفى. 

إلا أن بعض المستشفيات الإسرائيلية بادرت إلى التفكير بحلول لضمان هذا الحقّ مع الأخذ بعين الاعتبار منع العدوى (ضمن افتراض أن الجثمان ممكن أن يبقى مُعدياً). من ضمن المقترحات التي دخل بعضها حيز التنفيذ: أن يكون التابوت أو الكيس الذي يوضع فيه الجثمان شفافاً جهة الوجه، أو أن يوضع المتوفى قبل تحضيره للدفن على سرير تُحيط به عوازل بلاستيكيّة محكمة الإغلاق وشفافة، ويمكن من خلالها إلقاء نظرة الوداع طبعاً دون أن يتضمن ذلك أي لمس، أو أن يُسجل الطاقم الطبيّ مقطع فيديو للمتوفى حتى يراه أقاربه للمرة الأخيرة.

الأمن في كل مكان!

عكست بعض الصور القليلة المنتشرة لعملية دفن المدلل جانباً من واقع التعامل مع فيروس "كورونا" في الضّفة الغربيّة، وهو الجانب المتعلق بالحضور المكثف للأجهزة الأمنيّة. بدت الصورة وكأن موكباً عسكريّاً يحرس أمراً خطيراً في طريقه إلى القرية التي كان حظر التجوّل فيه قد بدأ لتوه (لأنها كانت الخامسة عصراً). أسلحة في كلّ مكان، ملابس واقية لكل فرد عسكريّ تقريباً، كان يمكن مثلاً أن تُعطى إحداها لواحد من أقارب المتوفى ليشارك في الدفن. 

تبدو معاني الاستعراض العسكريّة بقوة في المشهد. وتُصبح أكثر قسوة عندما نتذكر مرةً أخرى أنه لا حاجة طبيّة فعليّة ومُثبتة لكل هذا، وأن حدّاً أدنى من حقوق الميّت وأهله كان يمكن أن يُصان دون أن تُنتهك لأجل ذلك أي تعليمات صحيّة مُثبتة. وعدا عن ذلك،  فإنّ المشهد في صيدا يبث شعوراً بالرعب لدى أهالي القرية، ولدى بقية الناس في الضفّة، وهو مما يعزّز خلق "وصمات اجتماعيّة قاسية" بحقّ المرضى والمتوفين. وبدلاً من أن يُحرص على ضمان حقّ العائلة في توديع أقرب الناس إليها من خلال القتال لخلق آليات تكفل ذلك، فإنّ "الإمكانيات" والمعدات والكوادر البشرية تُستثمر في "تأمين" الدفن وحراسته.

في ظلّ هذه الإجراءات القاسية، متى يُمكن لهذا الجثمان أن ينطق؟ في حالةٍ واحدة: عندما تُستخدم تفاصيل دفنه القاسية من قبل جهات رسميّة، أو إعلاميّة، لتحذير النّاس وبثّ الرعب بينهم حول تداعيات "كورونا": احذروا إذا لم تنصاعوا سوف يدفن أحبابكم بهذه الطريقة!



30 أبريل 2019
مخيم جرش
لاجئ عن لاجئ بفرق

ما هي قصة أبناء قطاع غزة في الأردن؟ ولماذا يختلف وضعهم عن أوضاع بقية اللاجئين الفلسطينيين؟ ما الذي يعنيه إقرار…