fbpx

تصعيدُ الضفّة الأخير.. عودة الواجهة الشعبيّة

تصعيدُ الضفّة الأخير.. عودة الواجهة الشعبيّة

وسط انشغال قوات الاحتلال الإسرائيلي بالبحث عن المطارد -في حينه- الشّهيد أشرف نعالوة، وقعت عملية إطلاق نار مساء الأحد 9 ديسمبر/ كانون الأول، على الشّارع الالتفافي المشهور "رقم 60"، وتحديداً عند محطة انتظار حافلات بالقرب من مستعمرة "عوفرا" شمال شرق رام الله. أطلق المنفّذ الفلسطينيّ النّارَ من سلاحه الآليّ من داخل سيارة أبطأت سيرها قرب المحطة، وأصاب 7 مستوطنين كانوا في المكان، قبل أن تنسحب السيارة بمن فيها.

لم تكن هذه العملية منفردة، بعد أن تصاعدت وتيرة المواجهة في الضّفة الغربيّة مؤخراً. وكُلّما حَدَثَ تصعيدٌ ما، يستعجل سؤالُ "هل هذه انتفاضة ثالثة؟" إظهارَ نفسِهِ في المشهد، إذ يتساءل الناسُ عن موعد قلب الأوضاع، لأنّ هذه الأوضاع بالذات أصبحت لا تُحتمل، حسب تعبيرهم.

يُمكن القول إنّه منذ أن هدأت البنادقُ مع نهاية "الانتفاضة الثانية"، فإنّ ما تشهده الضّفة من عملٍ مُقاومٍ يُشكِّلُ حوادث متقطّعة يربطها اتصالٌ ما دون تنسيقٍ مُسبق؛ حوادثُ تتّصل اجتماعيّاً وسياسيّاً. تحصلُ هذه العمليات منفردةً حتى وإن لم تكُن تعمل وحدها؛ إذ يتحرّك الأفرادُ وحدهم، لكنهم يكونون محاطين بشبكةٍ من الاحتضان المتصاعد مؤخراً. لهذا، يُشكِّلُ استهدافُ الحواضن الاجتماعيّة مسألةً غير منفصلةٍ عن تصفية الشّهيد نفسه.

تلاحقت الأحداثُ بعد العملية الموصوفة أعلاه، فيوم الأربعاء الماضي 12 ديسمبر/ كانون الأول، أُعلِن عن اختطاف الشّاب صالح عمر البرغوثي (30 عاماً)، ومن ثمّ أُعلِن عن استشهاده، بادّعاء (لم يثبت بعد وسط تشكيك العائلة) ضلوعه في عملية "عوفرا".

ينتمي صالح إلى إرثٍ نضاليٍّ عائليّ طويل بنت عليه سُلطات الاحتلال بعد أن اتهمت جاسر البرغوثي، عمّ صالح، بالوقوف وراء خليّة عسكريّة نفذت عمليتي إطلاق النار الأخيرتين، بحسب بعض التسريبات الإعلاميّة. وجاسر أحد قيادات كتائب القسّام في منطقة رام الله، اعتُقِلَ إبّان الانتفاضة الثانية وحُكِم عليه بالسّجن 9 مؤبدات، قبل أن يخرج في صفقة "وفاء الأحرار".

فجرَ اليوم التّالي (الخميس)، وصلت قوّاتُ الاحتلال الإسرائيليّ مخيّمَ "عسكر" شرق نابلس، حيث كان يختبأ أشرف نعالوة. اشتبكت معه على مدار ساعتين حسب رواية الأهالي، انتهت باستشهادِهِ واحتجازِ جُثمانهِ بعد مطاردةٍ استمرّت 67 يوماً. كان أشرف نفّذ عملية إطلاق نار من "مسدّس كارلو" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي داخل مستعمرة "بركان" الصّناعيّة التي عَمِلَ فيها سابقاً، وقَتَلَ في العملية إسرائيليان اثنان.

توالى تصعيدُ المواجهة مع الاحتلال في اليوم ذاته، إذ وقعت عملية طعن في البلدة القديمة للقدس نفّذها الشّهيد مجد مطير. ولم يكد يُعلِن الفلسطينيون عن شهدائهم الثلاثة لذلك اليوم، حتى جاءَ خبرُ عملية إطلاقِ نارٍ جديدة، بدت وكأنّها ثأرٌ سريعٌ، عند مستعمرة "جفعات أساف"، بالقرب من نفس موقع العملية الأولى. هذه المرة، أَخَذَ المُنَفِذُ خطوةً إضافيّة؛ تَرَّجَلَ من سيارتِهِ، أَطلَقَ النّار فقَتَلَ جنديين اثنيْن، وأَصاب الثالث بجروح خطرة، وغنم سلاح أحدهم، وانسحب.

البحث عن ردع

أثارت هذه العمليات المتتابعة خلال خمسة أيام فقط، وما تبعها الجمعة من عملية طعن وضرب لجنديٍّ في معسكر "بيت إيل"، غضبَ الإسرائيليين، وبالأخصّ مستوطني الضفة الغربيّة، الذين خرجوا إلى شوارعها الالتفافيّة لمهاجمة الفلسطينيين ومركباتهم، وطالبوا حكومَتَهم بسلسلةٍ من الإجراءات "الرادعّة" ضدّ الفلسطينيين.

مساء الخميس، أَصدر رئيسُ حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قراراً بـ"شرعنة" مئتي وحدة سكنيّة استيطانيّة مبنية في الضفة الغربيّة بدون تراخيص، وبناء 82 وحدة سكنية استيطانية جديدة في مستعمرة "عوفرا"، بالقرب من موقع العملية. أَمَرَ كذلك، ببناء منطقتيْن صناعيتيْن جديدتيْن في مستعمرتي "بيتار عيليت" و"أفنيي حيفتس". وبالتوازي مع ذلك، صادقت اللجنة الوزاريّة الإسرائيلية للتشريع، الأحد الماضي، على مشروع قانون طرحه حزب "البيت اليهودي"، يُتيح إمكانية طرد عائلات منفذي العمليات من الضفة الغربيّة.

في الليلة بين يومي الجمعة والسبت، هدمت قوات الاحتلال -للمرّة الثالثة- منزل السّيدة لطيفة أبو حميد في مخيم الأمعري في رام الله، بعد اتهام ابنها الأسير إسلام أبو حميد بالمسؤولية عن قتل جنديّ إسرائيليّ خلال اقتحام للمخيّم في مايو/ أيار الماضي، عن طريق إلقاء لوح رخاميّ عليه من علُ أدّى إلى مقتله.

جاء هـذا الهدم تبعاً لأمرٍ حكوميٍّ إسرائيليّ بتعجيل تنفيذ أوامر هدم بيوت منفذي العمليات، بحيث يتم ذلك خلال 48 ساعة من وقوع العملية. وكان من سلسلة هذه الإجراءات الهادفة للردع تحويل قادة من حركة "حماس" إلى الاعتقال الإداريّ، وتعزيز قوات الجيش ضمن تطويق البيرة ورام الله ونصب الحواجز على مداخل القرى، بالإضافة إلى سحب تصاريح الإقامة من أقارب منفذي العمليات.

في الليلة ما بين الأحد والإثنين، 16 و17 ديسمبر/ كانون الأول بدأت قوات الاحتلال بعملية هدم بعض طوابق منزل الشّهيد نعالوة، وهو الشّكل الذي أثار حفيظة عائلات القتلى الذين أرادوا مشهداً كاملاً من الدمار، كأمّ إحدى القتيلات التي عبّرت عن غضبها من عدم هدم البيت كاملاً.

تلّقت عائلات قتلى عملية مستعمرة "بركان" اتصالاً هاتفياً يُفيد باغتيال نعالوة بعد خمس دقائق من ذلك، كما تلّقت عائلة الجنديّ الإسرائيلي الذي يُتهم إسلام أبو حميد بالتسبب بقتله اتصالاً هاتفيّاً بعد دقائق من هدم منزل والدته في مخيّم الأمعري.

يظهر هنا أن الرّدع وتفتيت الحاضنةِ الشّعبيّةِ للمقاومة لم يكن هدفاً وحيداً في سياسة هدم بيوت منفذي العمليات والاستعجال بها، إذ يحملُ المشهدُ هدفاً آخر بتعزيز الجبهة الداخليّة، والعمل وفق المنطق الثأريّ لعائلات القتلى الإسرائيليين.

ويمكن هنا الإشارة إلى التفاوت الإسرائيلي في تطبيق إجراءات الردّع، تبعاً للآراء المختلفة التي يحملها كلّ من الجيش و"الشاباك" من جهة، وتلك التي تحملها الحكومة من جهة أخرى. يرى جيش الاحتلال وأجهزة "الشاباك" منذ هبّة عام 2015، ضرورة قصر "العقوبات الجماعية" على أهالي منفذي العمليات دون غيرهم. يقول هذا الرأي بضرورة جعل العقوبات الرادعة مركزة على الدائرة القريبة جداً من منفذي العمليات، دون توسيعها لتشمل مثلاً سحب تصاريح العمل من كلّ أهالي القرية التي يخرج منها المنفذون.

يعمل هذا الرأي وفق منطق شبيه لتفكيك الحاضنة الشعبيّة، ومنع "التعاطف"، ويرى أنه في حال شملت العقوبات الجميع فإن ذلك يعني مزيداً من المساندة للمقاومة لا العكس. بينما عندما تستهدف قوات الاحتلال عوائل المنفذين بعينهم تعمل على عزلهم عن مجتمعهم، وكأنهم ظاهرة غير متناسقة مع بقية المجتمع.

في مقابل ذلك، يرى آخرون ومنهم مستويات حكوميّة مدفوعة بالأساس بتحريض المستوطنين والبحث عن نجاح سياسي، أن العقوبات يجب أن تتنوع وتشمل الجميع، وعلى رأس ذلك استغلال العمليات لتوسيع رقعة الاستيطان في الضفة الغربية. وبمراجعة سريعة لسياسة الاحتلال في الردع بعد وقوع أي عملية، يلاحظ أن التصرف الإسرائيلي يتفاوت من عملية إلى أخرى ضمن هذين الرأيين. ويمكن أن تكون مصادقة اللجنة الوزارية على مشروع قانون يتيح ترحيل أهالي منفذي العائلات، بدايةً لتوسيع رقعة العقوبات منذرةً بتهجير واسع.

أما في ظروف اليوم، يبدو أن نتنياهو يريد أن يوازن بين ضغوط المستوطنين عليه، وبين الاعتبارات الانتخابية والسياسية التي يعيشها، خاصّة أنه اليوم بلا وزير حرب يحيل إليه هذه المهمات.

الالتحام الشّعبيّ الحاضن

منذ هبة القدس 2015، تشهد الضّفة محاولاتٍ عدةٍ لا تهدأ لتشكيل خلايا عملٍ مُسلّحةٍ، معظمها يجري كشفه، وهذا في جزء كبير منه يُفسّرُ نسب الأرقام المرتفعة للاعتقالات، والتّي تمرُّ بشكلٍ يوميٍّ أحياناً دون ملاحظة. تتمكن الخلايا عادةً من تنفيذ أعمالها حين تقتصر على عضوٍّ واحدٍ يعملُ كذئبٍ منفردٍ حتى وإن اتصل بآخرين، ينجح هذا الذئب المنفرد عادة بالنجاة من الرقابة، لأنه لم تنجح الكاميرات المرصوفة في شوارع الضفة  أو "المناديب" على تصوير رغبات النّاس بعد.

في هذه الموجة المتجددة من المواجهة، من نعالوة، وربما أدقّ من بداية هذا العام مع عملية الشهيد أحمد نصر جرار والأسير أحمد قنبع، إلى الشّهيد محمد طارق، إلى البرغوثي، تصاعدت مظاهر الحاضنة الشعبيّة للمقاومة. بدا ذلك مثلاً في الأيام الأولى لمطاردة نعالوة، من زيارات متكررة لأهالي المنطقة إلى بيت عائلته في طولكرم، وعاد ذلك وتكرر مع استشهاد البرغوثي، حيث توافد أهالي كوبر إلى بيت عائلته، إضافة إلى اشتعال المواجهات مع قوات الاحتلال في عدة نقاط.

ظهر الالتحام أيضاً من خلال الدعوات التي انتشرت بشكلٍ مكثّفٍ على وسائل التّواصل الاجتماعيّ لحذف كلّ تسجيلات الكاميرات الخاصّة والعامّة، بل وحتى التخلّص من أجهزة الـDVR وإتلافها لتفويت الفرصة على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إمكانية استعادة ما سُجل منها. بعض الشبان أخذ هذه الدعوات على "الفيسبوك" إلى خطوة متقدمة، فخرجوا بأنفسهم إلى الشوارع، وغيّروا اتجاه الكاميرات، أو تحدثوا مع أصحابها لفعل ذلك.

يوم الخميس، خرجت مظاهرة في رام الله وسط إضراب تجاريّ، دعماً للمقاومين وإسناداً لهم. في مساء اليوم التالي، وبعد الإعلان عن استشهاد الشاب محمود نخلة من مخيم الجلزون، خرج عشرات من الشبّان الغاضبين في شوارع رام الله محاولين التوّجه إلى مقر المقاطعة، حيث لوحقوا من قبل الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة بقنابل الصوت، ومن ثم عاودوا وحاولوا التّجمع مرة أخرى في شوارع البيرة. وهو مشهد ملاحقة تكرر في ظهر ذات اليوم بعد قمع ذات الأجهزة لمسيرة حركة "حماس" في الخليل والاعتداء على المشاركين فيها.

يراكم المشروع الذي وعد الناس في الضفة باستقلال وحياة تقعُ على النقيض من "شقيقتها المحاصرة"، إخفاقاً تلو الآخر. مشروعٌ استحال إلى مكوّناته الأساسية: سلطة بوظيفة أمنيّةٍ محضة. سُلطةٌ لا تُوجّه ضد المقاومين فقط، بل أيضاً ضدّ حاضنتهم الممتدة من منشور فيسبوك إلى إيواء مطارد، في وقتٍ تتعرض فيه هي إلى المهانة تلو الأخرى مع كلّ سيارة "جيب" عسكريّة تدخل نطاقَ سيادتها الأخيرة؛ مناطق "أ" وفق اتفاقية "أوسلو".

إقرأ أيضاَ