9 أغسطس 2020

تحت إشراف الطب النفسيّ.. كيف بات الجندي ضحيّة الحرب؟

تحت إشراف الطب النفسيّ.. كيف بات الجندي ضحيّة الحرب؟

بينما كنت أستقلّ إحدى قطارات العاصمة البريطانيّة، لندن، دخل إليه شخصٌ بثياب رثّة لا يجد طعاماً يأكله، وادّعى أنّه جنديّ سابق في حرب أفغانستان. أثار ذلك تعاطف الركّاب الذين توالوا في التبرّع له، ثمّ وقف أحدهم وأدّى التحيّة العسكريّة. لم يكن التعاطفُ مرتبطاً بكونه شخصاً محتاجاً، فعادةً ما يدخل المتسوّلون إلى القطارات، ولا يعبأ بهم أحدٌ، إنّما يرتبطُ ذلك بالتحوّل الذي جرى على صورة الجنديّ عند الناس، من كونه بطلاً يستحق التقدير إلى كونه ضحيّةَ حرب يستحق المساعدة. هذا التغيّر على صورة الجندي لدى النّاس كان له دورٌ في استحداث تشخيصاتٍ جديدةٍ في مجال الطب النفسيّ، أهمّها "أعراض ما بعد الصدمة".

انتهت الحرب العالميّة الأولى، وعاد كلّ جنديّ إلى بلده مُحمّلاً بأكثر من الانتصارات والهزائم، مُحمّلاً بنتائج نفسيّة بسبب هول الحرب. نشأ وقتها مصطلحٌ يُعرف بصدمة القصف (Shellshock)، وهو ما يُطلق على أعراضٍ جسديّة تظهر دون سببٍ عضويّ يُفسرها، مثل الصداع والخمول والضعف الجسدي الذي كان يُصيب الجنود. 

في صفوف الجيش البريطاني مثلاً، قُدّرت الإصابات بصدمة القصف، إثر الحرب العالميّة الأولى، بما يُقارب 250 ألف إصابة. كان الرقم كفيلاً بأن يلاحظ الناس الأثر النفسيّ للحرب على الجنود وبأن ينسوا الوصمة الاجتماعيّة للمريض النفسيّ، فتلّقى الجنود الرعاية النفسيّة خلال الحرب، وتقبّل الناس ذلك. لكن ما إن انتهت الحرب حتّى عادت الناس إلى سابق عهدها؛ إلى عدم قدرتها على تخيّل أنّ الجنديّ الذي يُقاتل في المعركة هو نفسه يعاني مشاكل نفسيّة. 

وداعاً للبطل، أهلاً بالضحيّة

بعد مضيّ خمسة عقود على الحرب العالميّة الأولى، كان مئات الآلاف من الأميركيين في الشوارع يُندّدون بالحرب الأميركيّة على فيتنام، مُطالبين بعودة الجنود إلى ديارهم. حينها، عكست هذه التظاهرات مزاجاً عاماً لدى الشارع الأميركيّ يشي بتحوّلٍ ما على صورة الجنديّ في أذهان الناس. 

ما إن انسحب الجيشُ الأميركيّ من فيتنام وعاد الجنود إلى ديارهم، حتّى استُقبلوا هذه المرّة بوصفهم ضحايا حربٍ غير شرعيّة، مُجرّدين من أي امتيازٍ ثقافيّ أو رمزيّ مُرتبط بالبطولة، ويعانون من أمراض نفسيّة طويلة الأمد. ذلك على خلاف الطريقة التي استُقبلوا بها بعد الحرب العالميّة الأولى والثانية، بوصفهم أبطالاً و"مُحرِّرين"، مُستندين على قيمٍ كالشجاعة والإقدام في الحرب.

لم يقتصر التحوّل على صورة الجنديّ في المخيّلة الشعبيّة، ولم يقتصر العلاج النفسيّ على العائد من الحرب. إنّما كان لذلك أيضاً تبعاتٌ على المستوى المدني، فأصبح المرض النفسيّ، مقبولاً ولا حرج فيه خصوصاً فيما يتعلّق بالصدمة، مثل إصابة إنسان بصدمة نفسيّة لأسبابٍ أخرى، نتيجة حادث سير مثلاً. 

اضطراب ما بعد الصدمة النفسيّة

في هذا السّياق، كان للحروب دورٌ في استحداث تشخيصات جديدة في مجال الطبي النفسيّ إلى أن وصلنا إلى العام 1980. في ذلك العام أُصدر المجلّد الثالث لتشخيص الأمراض النفسيّة في أميركا، ويحتوي داخله على تشخيصٍ نفسيّ ودقيق ذي صفاتٍ وأعراضٍ محدّدة، عُرف باسم: اضطراب ما بعد الصدمة النفسيّة (Post-Traumatic Stress Disorder) أو ما يعُرفَ اختصاراً بـ(PTSD). 

يُعرّف اضطراب ما بعد الصدمة النفسية بالاضطراب الناتج عن تعرّض الشخص لحادثةٍ كادت أن تودي بحياته أو تُسبّب له جراح خطيرة، أو نتيجة تعرّضه لعنف جنسيّ، أو شهادته على حادثة مُشابهة مرّ بها شخصٌ آخر، قد يكون مُقرّباً منه.

تنتج عن الحادثة التي تُصيب الشخص أعراضٌ مُقسّمة على أربع مجموعات، وتتعلّق المجموعة الأولى  بإعادة استذكار الحدث باستمرار (Intrusion Symptoms)، ومنها الذكريات السيئة والكوابيس. أمّا المجموعة الثانيّة، فتتعلّق بأعراض الانسحاب والتجنّب (Avoidance Symptoms)، مثل: تجنّب المكان التي حصلت فيه الحادثة، أو أيّ محفز خارجي يُذكّره بها، فيما ترتبط المجموعة الثالثة بتغييراتٍ على المزاج وسلبيّة في المشاعر والإدراك، وتكون المجموعة الرابعة مُتعلّقة باليقظة والتحفّز الدائميْن، وما ينتج عنهما من صعوباتٍ في النوم والتركيز، وصعوباتٍ أخرى.1حتّى يوصّف الشخص باضطراب ما بعد الصدمة النفسيّة، يُشترط أن يظهر عرَضٌ إلى عرضين من كلّ مجموعة، وأن تستمر هذه الأعراض لمدة شهر، وأن تُسبّب تعطّل في حياة المُصاب، وألا تكون بسبب أمراض أخرى أو بسبب استهلاك بعض الأدوية والمواد الإدمانيّة.

لا نعرف على وجه الدقّة إذا كان تشخيص "اضطراب ما بعد الصدمة" امتداداً لتشخيص "صدمة القصف" أم لا، فهناك جدالٌ واسع حول ذلك. غير أنّنا نعرف أنّهما مفهومان مرّا بتحوّلاتٍ تاريخيّة كثيرة، وأنّ للحرب والثقافة دوراً في تلك التحوّلات. فمثلاً، لم تستخدم المؤسسات الطبيّة البريطانيّة تشخيص "اضطراب ما بعد الصدمة" إلا بعد فترة طويلة، لأنّهم ظنّوا أنّه تشخيصٌ خاصٌّ بالثقافة الأميركيّة.

ضحيّة وبطلٌ في نفس الوقت

بعد حرب فيتنام، والتحوّلات في النظرة إلى الجندي ووجود تشخيص دقيق للمرض النفسيّ، ولأوّل مرّة بات من الطبيعي أن تزخر الصحف والأخبار بعناوين تصف الجنود في حرب أفغانستان والعراق بكونهم ضحايا للحرب. وامتلأت كذلك البرامج الإذاعيّة بشهادات عائلات الجنود تتحدّث عن تغيّراتٍ سلوكيّة وشخصيّة بسبب ما تعرّضوا له خلال قتالهم. كما أُنتجت العديد من الأفلام الوثائقيّة التي تعرض الحالة النفسيّة للجنود العائدين من الحرب، والتي أدّت إلى إدمانهم على الكحول، وانفصالهم عن شريكاتهم، والحديث المتكرر عن رغبتهم في الانتحار. 

كما دفعت هذه الصورة البعض إلى إطلاق حملات لإيواء الجنود العائدين من أفغانستان وتقديم الرعاية لعائلاتهم أثناء غيابهم، لما كان من تقدير وتعاطف مع فكرة الضحيّة، إلا أنّها أيضاً كانت سبباً في حالات احتقار للجنود ومنعهم من دخول بعض المحال والفنادق في بداية القرن العشرين.

كما كان لهذا الاهتمام الكبير بضحايا الحرب، والاحتفاء بفكرة الضحيّة بشكل عام، دورٌ أساسيّ في خلق رغبة عند بعض الناس في اختلاق قصصٍ، أو استغلال مواقف معيّنة ليظهروا فيها كضحايا، حتّى يكونوا محلّ اهتمام المُجتمع وتعاطفه. 

وتدريجيّاً، جرى تطورٌ على العلاقة بين البطولة والضحيّة، فلم يعد المصطلحان نقيضيْن لبعضهما البعض، حيث بات معنى البطولة يُشتق من الضحية. ترى هيلين مكارتني، الباحثة في مجال دراسات الدفاع في جامعة King's College، أنّ الجنود يوصفون الآن بأنّهم أبطالٌ بسبب تعريفهم كضحايا بدايةً، أي أنّهم أبطالٌ بسبب الأذى الذي تعرّضوا له، وليس بسبب فعلهم بذاته كجنود.

وترى مكارتني أنّ ثمّة مجموعة من العوامل مهّدت ودفعت للتحوّل الذي جرى على صورة الجندي من بطل إلى ضحيّة. تردّ مكارتني هذه العوامل إلى مزاجٍ عامّ طفى على السطح يتساءل عن جدوى الحرب ودوافعها الحقيقيّة. كما أنّ تحويل الجنديّ إلى ضحيّة، يساعد في تجريده من إرادته ومسؤوليته تجاه أفعاله في الحرب، ويسمح للرأي العام الرافض للحرب أن يقبل في الوقت ذاته الجندي الذي شارك في تلك الحرب رغم ما صدر عنه من أفعال شنيعة.  بالإضافة إلى أن تشخيص اعتلال ما بعد الصدمة أصبح هدفاً لبعض الجنود لأنه يضمن لهم الحصول على تعويضات ماليّة.



5 فبراير 2019
حكاية الدّم والدّمع

ستة شهور من مطلع كانون أول 1947 إلى أيار 1948 وعين الزيتون أو الزتون كما ينطق أهلها، لا زائر لها…